مفاهيم موروثة حول الزواج والإنجاب تغيرت بفضل حملات التوعية

على الرغم من افتراض البعض أن موضوعات الصحة الجنسية والإنجابية هي موضوعات حساسة، وغير مرحب بها في المجتمع المصري، إلا أنه في مشروع "الحب ثقافة" تم تأكيد العكس من خلال التفاعل الإيجابي على المحتوى الذي يقدمه المشروع.

أسماء فتحي

القاهرة ـ مجموعة من المفاهيم توارثها الأبناء بشأن منظومة الزواج والإنجاب ساهمت إلى حد كبير في حالة من التشوه سيطرت على ملامح الأسرة المصرية، وعدد ليس بالقليل منها باء بالفشل أو أكمل مسيرته في عجز وهو الأمر الذي يعمل المجتمع المدني والجهات الرسمية المختصة على معالجته منذ أكثر من ثلاثين عاماً مضت.

تتنوع قصص الأشخاص الذين تأثروا إما بصدمة غيرت أفكارهم أو حملات توعوية وصلت لهم، وتعد الثقافة الراسخة في النفوس أحد أكبر معوقات التطور خاصةً إن كانت ترتبط بعادات وتقاليد قديمة وبالية لا يصلح اعتناقها في ظل التطور المعرفي الحالي، ومع ذلك فتغييرها يحتاج لعمل دؤوب لسنوات طويلة بل وتكاتف من مختلف الجهات المعنية.

 

الزواج ليس أولوية والمبكر منه كارثي

"رغم عدم زواجي ووصمي بالعنوسة إلا أني لن أكون فريسة الفشل"، هكذا وصفت سمر عامر، البالغة من العمر 37 عاماً، مؤكدةً أن الزواج في حد ذاته ليس أولوية بالنسبة لها وإن لم تجد من يناسبها على الصعيد الفكري والاجتماعي، من دون ذلك فهو بداية لتجربة فاشلة.

وقالت "أعرف الكثير من الفتيات تزوجن في سن مبكرة ورغم أنهن زميلاتي في الدراسة إلا أنهن كبرن بسبب مسؤوليات الزواج التي كانت أكبر من  طاقتهن واستنفذت صحتهن مضيفةً أن ارتباطها بشريك مناسب أهم بكثير من إنجاب أطفال لا تقوى على تربيتهم فيصبحون عبء على المجتمع وعليها.

وترى الاخصائية الاجتماعية بمؤسسة قضايا المرأة المصرية إيمان محمد، أن الكثير من مفاهيم الزواج والإنجاب تغيرت خلال الفترة الأخيرة بفضل حملات التوعية المقامة من العاملين على هذا الملف، وأن الزواج المبكر تأثر أيضاً بالمناقشات المستمرة حول أضراره خاصة فيما يتعلق بعدم القدرة على تسجيل الأطفال أو ضياع الحقوق الشرعية والقانونية.

وأكدت أن المجتمع المدني الأهلي يقوم بجهد فائق في التوعية، وأن المفاهيم قد تغيرت في الحضر بواقع 60% عما كانت عليه في السابق، إلا أن الريف والصعيد مازال بحاجة إلى جهود أكبر، وللعمل على سن التشريعات وتشديد العقوبات تجاه مرتكبي الجرائم في حق الفتيات كان له دور كبير في التأثير على الشارع المصري وساعد إلى جانب التوعية في تغيير الكثير من المفاهيم.

 

التعليم أهم والصحة الإنجابية أولوية

"علمتني أمي ألا أتكلم عما أعانيه في بيت زوجي لأنه أحد دروب العيب واستيقظت على صدمة الزواج الثاني لأني غير مؤهلة"، كثيرات هن الفتيات اللواتي لا يعلمن الكثير عن الحياة الزوجية وسمعن ما توارثهن من أفكار قد لا تلبي احتياجات الطرف الآخر بلا وعي كما تروي لنا سماح الجمل اسم مستعار عن تفاصيل تجربتها الفاشلة في إسعاد الطرف الآخر نتيجة المعلومات الخاطئة من جانب وعدم البوح بالمعاناة على الصعيد الآخر.

وأوضحت أن السبب الرئيسي في اتهام زوجها لها بالتقصير يرجع إلى ما تربت عليه في صغرها بأن أي حديث حول الزواج "عيب" وهو الأمر الذي جعلها تعاني طوال الـ 10 سنوات في حياتها مع الزوج الذي تركها، مؤكدة أن المعرفة المستندة إلى معلومات علمية تساعد على نجاح الأسر ولا تفسد أخلاق الفتيات كما يقال.

وقالت سماح الجمل، أن صدمتها في وجود شريكة لها في زوجها بعد نحو 10 سنوات من محاولة تسخير نفسها لخدمة أسرتها نقطة تحول جعلتها تفكر كثيراً فيما كانت تعتقد عن الزواج وكم المعلومات المغلوطة التي أنهكتها طوال ذلك الوقت بلا جدوى "ظننت أن خدمتي لزوجي وأطفالي كافية، وحاولت ارضاؤه بلا جدوى فقد فقدت صحتي وطاقتي على التحمل وكبرت قبل أواني فتركني وتزوج فتاة متعلمة لا فرق بيننا سوى أنها تهتم أكثر بجمالها ولم تفنى نفسها في خدمة أحد".

وعن فكرة أن "الأمان يكمن في تزويج الفتاة صغيرة" أكدت أنهم تواصلوا مع العديد من الأسر بشأن هذه الأفكار وأن تعليم الفتاة واعطاؤها فرص الاختيار سلاح يحميها مما قد يخفيه لها الزواج الغير مستقر، مشيرةً إلى أن الكثيرون مازالوا يرون أن المرأة عليها الانجاب فور تزوجها وأنها إن لم تفعل ذلك أصبحت "أرض بور" دون النظر إلى قدرتها الصحية والنفسية.

وأضافت أنها لمست تغير نسبي بين النساء اللواتي تلقين من وقت لآخر فأغلبهن يرغبن في المعرفة وينصتن لأي حديث يتعلق بالصحة الإنجابية والجنسية على عكس ما كان يحدث في الماضي، وهناك أصوات تتعالى بضرورة تعليم الفتاة وتسليحها لمواجهة "غدر الزمن".

 

الحب ثقافة مشروع لمس احتياج الكثيرون

اعتبرت مديرة مشروع الحب ثقافة ساندي عبد المسيح، أن المشروع قد لمس احتياجاً عند الجمهور لتوفير معرفة علمية عن الموضوعات المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية وهو ما حاول المشروع توفيره بداية من عام 2014 وحتى الآن، إلا أن هذا الاحتياج قد تبلور على مدار السنوات السابقة، وبالتحديد من بداية عام 2020، حين توسعت النقاشات حول العنف ضد المرأة، والمساواة بين الجنسين، ومشكلات الزواج والطلاق، وغيره.

وأضافت "على الرغم من افتراض البعض أن موضوعات الصحة الجنسية والإنجابية هي موضوعات حساسة، وغير مرحب بها في المجتمع المصري، إلا أننا في مشروع الحب ثقافة قد لمسنا العكس من خلال التفاعل الإيجابي على المحتوى الذي يقدمه المشروع في العموم، وعلى ردود الأفعال الأولية على حملة #من_ صغري بشكل خاص".

وأكدت أن التفاعل لم يقتصر على فئة عمرية، أو طبقة اجتماعية، أو شريحة بعينها وهو ما أسفر عنه توسيع دوائر النقاش حول موضوعات الصحة الجنسية والإنجابية بل وتقديم الدعوة للجهات المعنية للتعاون على مستوى البرامج، والتدخلات، والتوصيات، والتوعية لإنهاء الوصمة ونشر المعرفة بشكل عابر للقطاعات، لافتةً إلى أن تلك الجهود يجب أن تكون تكميلية لصالح الاحتياج الفعلي من أجل واقع أفضل على صعيد الصحة الجنسية والإنجابية.

وأوضحت مديرة مشروع الحب ثقافة ساندي عبد المسيح، أن البداية أساسها التربية الجنسية السليمة للأطفال، مشيرةً إلى أنهم أطلقوا حملة بعنوان "من صغري" استهدفت تقديم نصائح لمقدمي الرعاية عن التربية الجنسية للأطفال حتى سن الـ 10 سنوات ناقشت التطور الجنسي والمهارات المرتبطة بالصحة الجنسية والتي منها تعريف الصغار بأجسادهم وإعدادهم لمرحلة المراهقة والبلوغ، بل ومساعدة الأهل على كسر حالة الخوف من تساؤلات الأطفال ودعمهم بالمعلومات الأساسية المناسبة لهذا السن.