تحولات سياسية ونضالات نسوية في قلب الشرق الأوسط
إن تلاحم النساء وتضامنهن في مواجهة جرائم القتل من شأنه أن يسهم في القضاء على الممارسات الذكورية السائدة، والمرحلة المقبلة تدعو النساء إلى نسج شبكة نضالية يمكنها أن تفضي إلى سلام عادل تزامناً مع يوم السلام العالمي.

بيريفان زيلان
نعيش في مرحلة يتابعها الجميع عن كثب وتشهد تطورات سريعة، وفي هذه الأيام التي نستعد فيها لاستقبال يوم السلام العالمي في الأول من أيلول/سبتمبر، تتصاعد الحروب في أنحاء العالم، فحرب روسيا وأوكرانيا، والنزاع بين أذربيجان وأرمينيا، واستمرار صراعات إسرائيل مع معظم دول الشرق الأوسط، كلها أمثلة على ذلك، وتتصدر الولايات المتحدة المشهد، باعتبارها القوة المهيمنة التي أشعلت هذه الحروب، من خلال جمع هذه الدول المضطربة لتصوّر نفسها كوسيط للسلام، وإن ادعاء من يثيرون الحروب أنهم سفراء للسلام هو انعكاس جوهري للسياسات المزدوجة.
في غزة، تُرتكب مأساة إنسانية، حيث يموت الأطفال والنساء من الجوع، ويُدفع الشرق الأوسط نحو مزيد من عدم الاستقرار، وفي مواجهة كل هذا، لا تُبدي أي من قوة الهيمنة أي رد فعل، بل على العكس، تم في آخر اجتماع لحلف الناتو زيادة الميزانيات المخصصة للحرب، وأصبحت كل دولة قومية تتسابق في سبيل التسلّح أكثر فأكثر.
أفكار القائد أوجلان فتحت آفاقاً جديدة
كانت أفكار القائد أوجلان بمثابة مفتاح لفهم المرحلة، فقد طوّر تدخله في المسار السياسي في 27 شباط/فبراير الماضي عبر دعوته إلى "السلام والمجتمع الديمقراطي". وقد لاقت صدى واسعاً في مختلف أنحاء العالم، وبالنسبة لكثير من الناس، كانت أفكاره مُلهمة، وقد قدّمت هذه الرؤية القيادية منظوراً لحلّ الأزمات التي تعاني منها كردستان والعالم.
ومن جانب حركة التحرر الكردستانية، تم الاستجابة لهذه الدعوة بهدف تعزيز دعوة القائد أوجلان، حيث عقدت مؤتمرها في الفترة ما بين 5 و7 أيار/مايو الماضي، وتم تحويل متطلبات هذه الدعوة إلى خطوات عملية، وفي 11 تموز/يوليو، نظّمت "مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي"، بقيادة بسي هوزات، مراسم إتلاف السلاح وفتح الطريق أمام العملية السياسية.
وفي هذا السياق، بدأت اللقاءات مع القائد أوجلان، وظهرت صور ومقاطع له إلى العلن، مما يُعدّ مؤشراً على كسر العزلة المفروضة في إمرالي التي لم ترفع إلى الآن، حتى أن لقاءات المحامين لم تبدأ، ولم تصل لقاءات القائد أوجلان مع عائلته إلى مستوى من الاستقرار.
وعلى الرغم من أن وفد حزب (DEM) تمكن من إجراء لقاء بعد أكثر من شهر من المحاولات، مع ذلك، فإن توفير ظروف اللقاء فقط لا يُعدّ موقفاً كافياً بالنسبة لمفاوض رئيسي، وصدق الدولة في سعيها نحو الحل يرتبط بشكل مباشر بطريقة تعاملها مع القائد أوجلان، وستكون الخطوات القادمة، التي تُتخذ على أساس ضمان حريته الجسدية، هي التي تحدد مسار العملية.
ضعف تمثيل النساء في اللجنة نقطة تستحق النقد
تم تأسيس لجنة ضمن البرلمان التركي بناءً على اقتراح القائد أوجلان، إلا أن ضعف تمثيل النساء في اللجنة يُعدّ نقطة تستحق النقد، حيث يُعدّ تشكيلها خطوة مهمة من أجل تحويل مسألة الحل إلى قضية مجتمعية، وجعلها محل اهتمام الأحزاب الأخرى والرأي العام، إذ أن حل القضية الكردية لا يمكن أن يُناقش فقط مع السلطة الحالية، فهي قضية عميقة الجذور نتيجة سياسات الإبادة الجماعية التي انتهجتها الدولة التركية على مدار قرن، وتتطلب حلاً يتجاوز الأحزاب، وكلما أصبحت القضية ملكاً للمجتمع، زادت فرص التقدم.
ومن المسائل المطروحة أيضاً ما إذا كانت اللجنة ستجري لقاءً مع القائد أوجلان، فقيام وفد من اللجنة بزيارة إمرالي وإجراء لقاء لا يُعدّ نهجاً كافياً، وكما أشار إليه دولت بهجلي، يجب أن تتوفر الظروف التي تتيح للقائد أوجلان الذهاب إلى البرلمان والتحدث أمام اللجنة بأكملها، وقد أعلنت حركة التحرر الكردستانية أن القائد أوجلان المفاوض الرئيسي، وإذا كان هناك بالفعل مسار تفاوضي جارٍ، فيجب فتح المجال أمام مشاركته فيه بشكل فعّال.
وضعف تمثيل النساء في اللجنة نقطة يجب انتقادها، فللنساء دور ريادي في هذا المسار، ومن المهم أن تُؤخذ آراؤهن بعين الاعتبار بشكل أكبر، يجب أن تستمع اللجنة إلى النساء وتُشركهن وتسألهن عما تريد من هذا المسار؟ ما هو إسهامهن في السلام؟ كيف سيقمن بدورهن القيادي؟ وغيرها من الأسئلة.
هناك توجه لحصر عمل اللجنة في نطاق ضيق، حيث يقتصر فقط على دراسة الوضع القانوني للمقاتلين والمقاتلات الذين أتلفوا أسلحتهم، لكن اسم اللجنة نفسه يشير إلى أنها يجب أن تعتمد أسلوب عمل يُمهّد لإصدار قوانين تتعلق بالوحدة الوطنية، والأخوة، والديمقراطية.
إن نتائج هذا المسار الذي يُنفذ بالتعاون مع تركيا ستؤثر على شعوب تركيا كافة، وعلى منطقة الشرق الأوسط أيضاً، ومن المتوقع أن تتعامل الحكومة مع هذا المسار بجدية أكبر، إلا أن هناك ممارسات تُنفذ بين الحين والآخر بهدف إفشال المسار، مثل حملات الاعتقال التي تستهدف حزب الشعب الجمهوري (CHP)، والهجمات العنصرية التي تُشن على خلفية اللغة والهوية، وتُغذي بعض وسائل الإعلام هذه الاستفزازات من خلال لغتها السامة.
"محاولة إبقاء الكرد بلا وضع قانوني أو سياسي"
تسعى قوى الهيمنة إلى إبقاء الكرد في سوريا بلا وضع قانوني أو سياسي، ومنذ خمسين عاماً، يعمل القائد أوجلان على ترسيخ القيم التي ناضلت من أجلها حركة التحرر الكردستانية، ويسعى إلى نقل هذه المكتسبات إلى القرن الجديد، ويهدف إلى تحويل القيم المادية والمعنوية إلى مكتسبات مجتمعية، وتطوير خط حرية المرأة، وبناء نظام المجتمع الحر، وتشكيل واقع اشتراكي يتماشى مع روح هذا العصر.
وكما في التاريخ، يسعى القائد أوجلان إلى بناء وضع يعود بالنفع على الشعبين الكردي والتركي من خلال تحالف مشترك، ويعمل على ضمان حقوق الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربع على أساس الحوار الديمقراطي، وفتح الطريق أمام السياسة الديمقراطية والنضال الشعبي.
لكن في إقليم شمال وشرق سوريا، فإن الضغوط التي تمارسها الحكومة السورية المؤقتة بقيادة جهاديي هيئة تحرير الشام والقوى التي توجهها باتت واضحة، فهذه السلطة، التي تُعد امتداداً لداعش، تفرض التخلي عن السلاح أو إضعاف الدفاعات، حتى الدول القومية التي ضعفت في الميدان لا تزال تحافظ على مواقفها المتشددة تجاه الكرد.
وقد أُشير إلى أنه مع استمرار الحكومة السورية المؤقتة في تحقيق نتائج عبر المجازر التي طالت الطائفة العلوية والمكون الدرزي، فإن استهداف الكرد كانت ستكون الخطوة التالية، لكن بفضل القوة التنظيمية للكرد، لم تحدث حتى الآن هجمات مباشرة، لكن وقعت بعض الهجمات الاستفزازية، من بينها تحريض العشائر العربية، ووقوع عمليات انتحارية، وإنكار خط حرية المرأة الذي تم تطويره، مما يدل على رفض الاعتراف بالوضع الشرعي لإقليم شمال وشرق سوريا.
وتُعدّ الدولة التركية الطرف الأكثر تغذية لهذا الوضع، وقد تولى هاكان فيدان دور الناطق الرسمي لهذه السياسات، فالدولة التركية هي من تدفع نحو تفكيك سوريا، وتزرع الفوضى داخل البلاد، وتمنع الاستقرار، ومعها، تعمل قوى الهيمنة التي تروّج للمدعو أحمد الشرع "الجولاني" على إبقاء الكرد بلا وضع قانوني.
وعلى الرغم من أن هذه الدول القومية تدّعي تمثيل الليبرالية وتُكثر الحديث عن حرية المرأة، إلا أنها في الواقع تروّج لتنظيم رجعي ديني معادٍ للمرأة، وإن مواقف جهاديي هيئة تحرير الشام المعادية للديمقراطية والإقصائية تجاه النساء تُشكّل تهديداً للحياة المجتمعية بأكملها، ويتم التغاضي عن الهجمات التي تُشن ضد الشعوب بهدف القضاء على التعددية.
وفي مواجهة كل هذه السياسات العدوانية تجاه ثورة روج آفا، التي أصبحت شعلة أمل للشعوب المضطهدة في الشرق الأوسط، يجب على جميع النساء حماية الخط النسوي التحرري والبنية التعددية للإدارة الذاتية.
البُنى السياسية تدفع شعب إقليم كردستان نحو الضبابية
شهد إقليم كردستان في الأيام الماضية اشتباكات تمركزت في مدينة السليمانية، وقد تم الترويج لهذه الأحداث على أنها صراع داخلي داخل الاتحاد الوطني الكردستاني (YNK)، إلا أن هناك شكوكاً حول تورط الدولة التركية في هذه الأحداث، كما أن امتناع الأحزاب السياسية الأخرى، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK)، عن إصدار أي بيان حتى انتهاء الهجمات يُعد مؤشراً على مواقفها التي تُسهم في تأجيج هذا الاضطراب.
ولم يتدخل الشعب بشكل مباشر في هذه الأحداث، لكنه لا يزال يفتقر إلى الثقة في الإدارات الحالية، وعلى الرغم من مرور عام على الانتخابات في الإقليم، لم يتم تشكيل حكومة حتى الآن، وتُسهم هذه البُنى السياسية التي تدفع شعب الإقليم نحو الضبابية وانعدام المستقبل في تفاقم المشاكل الاجتماعية أيضاً، إذ تنعكس قضايا مثل العنف ضد المرأة، والمشاكل الاقتصادية، والهجرة كأبرز التحديات.
وقد جرت محاولات لإغلاق المؤسسات النسائية، كما أن عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق يُؤثر بشكل كبير على المنطقة، ومن المتوقع أن تُجرى الانتخابات العراقية في الأشهر القادمة، وكل حزب سياسي يستند إلى قوة دولة قومية، مما يُمهّد لتدخل القوى الخارجية في تصميم النظام السياسي.
النساء اتحدنّ حول فلسفة Jin Jiyan Azadî""
في إيران، إحدى الدول الأساسية في المنطقة، لا يزال النظام يعاني من أزمة داخلية نتيجة للهجمات الخارجية والممارسات غير الديمقراطية في الداخل، وفي مواجهة ذلك، تتطور أقوى وأشد ردود الفعل الشعبية بقيادة النساء، حيث يُعدّ يوم 16 أيلول/سبتمبر ذكرى احتجاجات "Jin Jiyan Azadi" التي تُعتبر أيضاً ذكرى ثورة المرأة.
ومع تصاعد الاحتجاجات بقيادة النساء في إيران، تشكّل خط نضال مشترك بين نساء العالم، فقد اتحدت النساء العالم حول فلسفة Jin Jiyan Azadî""، وأُخذت كفلسفة للنضال النسوي المشترك، ولم تعد مجرد شعار، بل تحوّلت إلى بيان لمجتمع ديمقراطي، وهو دليل ملموس على أن نضال حرية المرأة الكردستانية قد أصبح عالمياً.
إنه ليس حدثاً وقع وانتهى، بل يمثل نقطة تحول لا تزال تؤثر في نضالات النساء حتى اليوم، وتستمر سياسات القمع التي يطورها النظام ضد النساء، بما في ذلك سياسات الإعدام التي تُمارس بحق السجينات السياسيات.
ولا تزال سياسة الإعدام قائمة في السجون، ومن الممكن وقف تنفيذ حكم الإعدام بحق شريفة محمدي، وإزالة التهديد بالإعدام عن بَخشان عزيزي ووريشة مرادي من خلال المقاومة النسائية والتنظيم النسوي.
نهب طبيعة شمال كردستان من خلال الإبادة البيئية
تُعدّ أنشطة الإبادة البيئية وسيلة خاصة تُنفذها القوى المهيمنة بشكل ممنهج، فالأزمة المناخية والكوارث البيئية التي يشهدها العالم بأسره تُعدّ صرخة في وجه سياسات تدمير الطبيعة، ففي شمال كردستان، وخاصة في مناطق بوتان، كرزان، وديرسم، تُمارس أنشطة نهب مكثفة للثروات الباطنية، ولم تتوقف عمليات قطع الأشجار على الإطلاق، وقد تم تكليف الحراس (المرتبطين بالدولة) بشكل خاص بهذه المهمة.
من خلال الإبادة البيئية، يتم نهب طبيعة شمال كردستان، وتشمل السياسات المطبقة عمليات التنقيب عن المعادن، وتعميق الاستغلال في المنطقة، واستمرار الهجمات ضد الشعب، ويمكن الرد على كل هذه السياسات من خلال نهج إعلامي مستمر ومتواصل.
تشهد إيران، تركيا، العراق، سوريا، وكردستان حرائق غابات خطيرة، وقد سقط شهداء من الذين تدخلوا لإخماد هذه الحرائق، وبعد أن تحترق الغابات بفعل الدولة، تُفتح هذه المناطق أمام الاستغلال التجاري.
تُنفذ سياسات الإبادة البيئية كسياسة دولة رسمية، وإن منعها في هذه الحالة يُعدّ تطويراً حقيقياً لنضال من أجل السلام، ويجب أن يكون الدفاع عن الطبيعة جوهراً لموقفنا في مواجهة جميع الهجمات البيئية، وذلك من خلال تبني منظور "لا تمس أرضي، طاقتي، ومائي".
جرائم قتل النساء باتت ظاهرة مألوفة في كل مكان
النساء هنّ الأكثر تأثراً بالحروب، وقد واجهن في هذه المرحلة هجمات إبادة خطيرة، ففي الشرق الأوسط، تتعرض نساء البلوش للقمع، وتُقصى النساء الأفغانيات عن الحياة ويواجهن أشد الممارسات الرجعية، كما تُحاول الأنظمة القائمة تشكيل حياة النساء العربيات والإيرانيات وفقاً لسياساتها، وتستمر آثار الحرب في غزة بشكل مكثف على النساء، هذه الممارسات تتزايد يوماً بعد يوم.
جرائم قتل النساء باتت تُمارس وكأنها أمر طبيعي في كل مكان، حيث تشير الأرقام المنشورة في وسائل الإعلام إلى أن ما لا يقل عن امرأة واحدة تُقتل يومياً، وفي تركيا، يُكافأ قتلة النساء من خلال تطبيقات مثل تخفيف العقوبة بسبب "الاستفزاز غير العادل"، ورفض المرأة إقامة علاقة جنسية مع الرجل يُصبح سبباً لقتلها، ويحصل الجاني على تخفيف في الحكم، قضية مقتل جيداء يوكسل تُعد مثالاً صارخاً في هذا السياق.
يجب على النساء فضح هذه الممارسات باستمرار، فقد أصبحت حالات التحرش والاغتصاب التي تُمارس في ظل الهيمنة الذكورية أمراً شبه مألوف، وعلى الرغم من وجود تصريحات على المنصات الرقمية تكشف المتحرشين، إلا أن هذه القضايا تحتاج إلى مزيد من التفاعل والاهتمام.
إلى جانب ذلك، أصبحت خطب دائرة الشؤون الدينية تستهدف النساء وحقوقهن المكتسبة، من خلال تناول قضايا مثل حق المرأة في الميراث، ولباسها، وطريقة وجودها في المجال العام، وقد ظهرت ردود فعل نسائية على هذه السياسات، منها ما قامت به النسوية برّين سونمز، التي قررت خلع الحجاب كاحتجاج فردي على ذلك، وعلى الرغم من أن هذا الفعل فردي، إلا أنه يمكن أن يُسهم في تحفيز حركة اجتماعية أوسع.