ديرسم... الفتيات المفقودات والمواجهة التي لم تتحقق
لا تزال قصص النساء والفتيات اللواتي كنّ هدفاً في مجزرة ديرسم غير مكشوفة بالكامل حتى اليوم، وبينما يظل مصير "الفتيات المفقودات" غامضاً، تستمر الذاكرة التي تحملها النساء في إبقاء مطلب العدالة والمواجهة حياً.
ساريا دينيز
مركز الأخبار ـ رغم مرور سنوات طويلة على مجزرة ديرسم، لا تزال النساء يحملن العبء الأكبر من هذه المأساة التاريخية، ففي هذا الدمار الكبير الذي يتجاوز السجلات الرسمية، لم تكن الخسائر مقتصرة على الأرواح فقط، بل شملت أيضاً حياة تم اقتلاعها، وأطفالاً تم نفيهم، ونساءً حاولت السياسات طمس آثارهن، ليُدفن كل ذلك في صمت عميق.
بشكل خاص، لا يزال مصير النساء المعروفات باسم "الفتيات المفقودات" مجهولاً حتى اليوم، رغم مرور عقود، وهو ما يكشف بوضوح عن غياب المواجهة الحقيقية مع هذا الماضي.
ما حدث في ديرسم لم يكن مجرد مجزرة، بل كان أيضاً انكساراً متعدد الأبعاد، سعى إلى محو النساء من الذاكرة، فقد كانت النساء في تلك المرحلة هدفاً مباشراً للعنف، وفي الوقت ذاته جرى إسكاتهن بوصفهن حاملات للذاكرة الجماعية، ومع ذلك، فإن النساء أنفسهن كنّ من نقلن ما حدث من جيل إلى جيل، وحافظن على لغة الحزن والمقاومة، وكل شهادة تُروى اليوم، وكل مرثية وكل فعل يذكّر، يؤكد أن هذا الصمت لم يكتمل أبداً.
النساء حاملات الحياة والذاكرة
نساء ديرسم لسن فقط شاهدات، بل فاعلات أساسيات في استمرار المقاومة والإيمان والهوية، وبحسب المعتقدات، تُعد المرأة حاملة للحياة، وقد أدّت هذا الدور أيضاً في تلك المرحلة التاريخية، حيث كانت من القوى الرئيسية التي حافظت على الذاكرة الجماعية.
وسط الحرب والنفي والإنكار، تمكنت هؤلاء النساء من الحفاظ على وجودهن، وهنّ اليوم يُعتبرن مفتاحاً أساسياً ليس فقط لمواجهة الماضي، بل أيضاً لإعادة بناء المستقبل.
مجزرة لا مثيل لها
في ديرسم، التي كانت تُعرف كواحدة من المدن التي لم تستطع السلطات إخضاعها رغم الحملات العسكرية المتكررة، وقعت واحدة من أكبر المجازر في تاريخ تركيا خلال عامي 1937ـ 1938، وهي مجزرة ديرسم، التي عُرفت باسم "ترتيله".
طُلب من جميع عشائر ديرسم تسليم أسلحتها للدولة، وبعد ذلك، في 25 كانون الأول/ديسمبر 1935، صدر قانون رقم 2884 المعروف باسم "قانون إدارة ولاية تونجلي"، والذي أُطلقت بموجبه عمليات "التأديب" و"التنكيل"، كما تم تغيير اسم الولاية رسمياً إلى تونجلي.
وبموجب قرار مجلس الوزراء بتاريخ 4 أيار/مايو 1937، قُتل وفق السجلات الرسمية نحو 13 ألف شخص، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد قد يصل إلى نحو 70 ألف قتيل، وقد سُجلت هذه المجزرة كواحدة من أكثر الأحداث دموية ووحشية في تاريخ الجمهورية، واعتُبرت محاولة لإبادة جماعية استهدفت الهوية العرقية والدينية.
ووفقاً للبيانات الرسمية، تم نفي 11,818 شخصاً إلى غرب البلاد، فيما تشير بعض المصادر إلى أن العدد الحقيقي كان أكبر من ذلك.
استهداف النساء والفتيات
بحسب المعتقدات تحتل المرأة مكانة مركزية ومقدسة في مختلف مجالات الحياة، حيث تؤدي دور الحامية والراعية، وتُعد مساوية للرجل، ولا تُختزل مكانتها في الأمومة فقط، بل تُعد حاملة للعقل والضمير والذاكرة الجماعية، وتُسهم في نقل القيم والمعرفة من جيل إلى جيل، إلى جانب دور "الدَدَه" (المرشد الديني)، ولهذا السبب تحديداً، كانت النساء والفتيات من بين الأهداف المباشرة في هذه المجزرة.
لم يقتصر العنف على سياسات عرقية ودينية فحسب، بل اتخذ أيضاً بُعداً قائماً على النوع الاجتماعي، فقد تعرضت النساء لأشكال مروعة من العنف، شملت التعذيب والانتهاكات الجنسية، بل وحتى التمثيل بالجثث، وقد وُصفت هذه الجرائم بأنها "لا إنسانية" و"وحشية" بكل المقاييس.
الفتيات اللواتي تم انتزاعهن
مع مجزرة ديرسم برزت حقيقة الفتيات اللواتي تم فصلُهن عن عائلاتهن، وهي قضية استمر الحديث عنها لعقود طويلة، فبعد "ترتيله"، تم انتزاع العديد من الفتيات قسراً من أسرهن وتسليمهن للجنود، فيما أُرسل بعضهن إلى المدارس الداخلية، وهكذا تم اقتلاع الفتيات من جذورهن ودفعهن إلى عملية استيعاب قاسية وممنهجة.
واستمرت محاولات العائلات للبحث عن أطفالها والعثور عليهم عبر أجيال متعاقبة، لتصبح "فتيات ديرسم المفقودات" عنواناً لحزنٍ لا ينتهي، وقد كشفت الروايات التي وصلت من تلك الفترة حتى اليوم عن كثير من الحقائق.
"ليقم من بقي حياً"
تنقل الشاهدة على المجزرة، إيشيله جيجا (توفيت عام 2023)، شهادتها قائلةً "جمعوا الناس في ساحة الحصاد، وكان هناك رشاش آلي، وبدأ الناس بالصراخ، وهرب بعضهم. بعض العائلات أخفت أطفالها ونجت. فصلوا الرجال عن النساء وقالوا إنهم سيأخذوننا إلى الجبل لالتقاط الصور. كنا أطفالاً، نبكي ونطلب الخبز والماء. بعض الجنود كانوا يبكون عند مرورهم، وآخرون أعطونا الماء والخبز سراً. وضعتني أمي بين ساقيها وأخفتني أنا وأخي، لكن رماحاً أصابت ظهري. عندما حلّ المساء جاءت امرأة شابة وقالت: من بقي حياً فليقم".
"صراخ الأطفال ما زال في أذني"
كما تروي اخجه نيني (أمينة كولاهجي)، التي كانت طفلة خلال المجزرة "جمعوا عشائر ديمنان وحيدران وجلبوهم إلى قريتنا. ثم قالوا افصلوا عشيرة آلان. أخذوهم إلى منطقة كيرتِه مازغير، وهناك قُتلوا جميعاً. ما زالت صرخات الأطفال في أذني حتى اليوم".
"ساحة القرية كانت كحقل جثث"
أما فاطمة بيرقدار فتقول "جاء 40 جندياً إلى قريتنا وجمعوا الأسلحة. بعد أيام بدأوا بجمع الناس. في دميركابو جمعوا مئات القرويين. هربنا نحن الأطفال والنساء إلى الغابات. من لم يهربوا تم إعدامهم بالرشاشات. كانت ساحة القرية كحقل جثث".
وتضيف عن قصة الفتاتين ناجية وخاتون، ابنتي أحد الزعماء "طلب منهما ضابط أن تختار إحداهما الزواج منه ليعفو عنهما، لكنهما رفضتا قائلتين: قتلتم عائلتنا، ونفضل أن يختلط دمنا بدم أقاربنا على أن نوافق. فقام بإعدامهما".
صفحة التاريخ التي لا تُطوى
اليوم، رغم مرور عقود، لا تزال آثار ما حدث في ديرسم حاضرة. إن الذاكرة التي تحملها النساء ليست مجرد ألم من الماضي، بل هي أيضاً أساس لمطالب العدالة والحقيقة والمساءلة.
ما دام مصير "الفتيات المفقودات" غير مُكشف، وما دام العنف القائم على النوع الاجتماعي دون مواجهة حقيقية، فإن هذا التاريخ لا يُغلق، وتستمر نضالات النساء اليوم ليس فقط لتذكّر الماضي، بل لجعل الحقيقة مرئية وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي، ولهذا السبب لا تزال النساء في هذه الأرض يواصلن المقاومة دون توقف.