الذكاء الاصطناعي والتزييف الرقمي... سلاح جديد في يد العنف الأبوي
لم تعد الصور المفبركة مجرد تلاعب رقمي، بل تحولت إلى وسيلة للتشهير بالنساء وابتزازهن وتهديد حياتهن، خصوصاً في المجتمعات التي تحملهن مسؤولية "الشرف والسمعة".
سارة بورخزاري
كرماشان ـ في حياة بعض النساء والفتيات، لا تعد الصورة مجرد انعكاس لملامحهن، بل قد تتحول إلى تهمة تلاحقهن، وذريعة لتعنيفهن، وسبب يهدد حياتهن. وفي المجتمعات التي تحاصر فيها النساء بمنظومة صارمة من الرقابة والقيود، قد تكفي صورة واحدة، حتى لو كانت مفبركة بالكامل، لقلب حياة امرأة رأساً على عقب. فلا تكون الحقيقة هي ما يحدد مصيرها، بل ما يعتقده الآخرون عنها، وما يقررون فرضه عليها باسم "الشرف والسمعة".
في كرماشان بشرق كردستان، تعيش فتاة تخضع تحركاتها لمراقبة دقيقة من والدها وإخوتها الذكور، الذين قرروا حرمانها من مواصلة تعليمها. ولم تتمكن من الالتحاق بدورة لتعليم الخياطة إلا بعد إلحاح طويل، لا إيماناً بحقها في التعلم أو الاستقلال، بل لإشغال وقتها ومنحها فرصة محدودة للخروج من المنزل إلى حين زواجها.
وسط هذه البيئة الخانقة، انتشرت على مواقع التواصل الافتراضي صورة مفبركة لفتاة، ظهرت فيها بين أحضان شاب. وفي مدينة صغيرة تنتقل فيها الأخبار بسرعة، لم تحتج الصورة إلى دليل يؤكد صحتها كي تتحول إلى مادة للأحكام والإدانة. فقبل أن تعرف الحقيقة، كانت الاتهامات قد بدأت، وقبل أن يُكشف التلاعب، كانت الفتاة قد أصبحت في مواجهة أسرتها ومحيطها الاجتماعي.
تروي هذه الحادثة جانباً من الأشكال المتجددة للعنف الذي تتعرض له النساء، حين تُستخدم التقنيات الحديثة لتغذية أنماط قديمة من السيطرة والإذلال. فالفتاة التي لم تكن تملك حرية تقرير أبسط تفاصيل حياتها، وجدت نفسها فجأة ضحية صورة لم تصنعها، ومتهمّة بفعل لم ترتكبه.
أداة للعنف ضد النساء
تقول سميرة. خ، التي تمتلك معلومات أوسع عن القضية "لا يمكن وصف رد فعل أسرة الفتاة؛ كل ما يمكن قوله هو أنها لا تزال على قيد الحياة، رغم أيام من العنف والتهديد والضغط النفسي الذي تعرضت له على يد والدها وإخوتها. وبعد أيام قليلة من وقوع الحادثة، قررت الأسرة رغم إصرار الفتاة المتواصل على أنها لا تعرف حتى هوية الشاب الظاهر في الصورة، تقديم شكوى ضد الشخص الموجود فيها، بهدف إجباره على الزواج من ابنتهم. لكن الإجراءات توقفت منذ بداية تقديم الشكوى، إذ تبين لهم سريعاً أن الصورة مفبركة بالكامل، وأنها أُنتجت باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأن الشخص الظاهر فيها هو ممثل أجنبي".
تكشف هذه الواقعة كيف يمكن للصورة المفبركة أن تتحول إلى أداة للعنف ضد النساء، في مجتمع يسارع إلى إدانتهن بدلًا من محاسبة المعتدين. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يتيح إمكانات واسعة للتطوير وتيسير الحياة، فإن إساءة استخدامه قد تجعله وسيلة لانتهاك الخصوصية وتشويه السمعة.
ولم يبدأ التلاعب بصور النساء مع ظهور هذه التقنية، بل يعود إلى انتشار برامج مثل "فوتوشوب" التي استُخدمت لتعديل الصور وإضفاء طابع جنسي عليها بهدف الانتقام والتشهير والإذلال. واليوم، ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح التزييف أكثر سهولة وواقعية، فيما تظل النساء عرضة لعواقب اجتماعية ونفسية خطيرة، رغم عدم صلتهن بإنتاج تلك الصور أو نشرها.
وفي هذا السياق، تقول الصحفية معصومة. س "كثيراً ما جرى التلاعب بأصوات النساء وصورهن على يد رجال مختلفين، ثم نشرها لأغراض يقال إنها تهدف إلى التشهير بهن والإساءة إلى سمعتهن. لكن الخلل الأساسي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في أن أي أداة أو إمكانية، حين تقع في أيدي الذكورية، تتحول إلى سلاح خطير يستخدم ضد النساء".
ضغوط أسرية تسبب حالات انتحار
خلال السنوات الأخيرة، استُخدمت الصور المفبركة للانتقام من النساء وتشويه سمعتهن، كما حدث في محافظة لرستان، حين نُشرت صور مزيفة لأكثر من 200 امرأة عبر قناة على تلغرام، باستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات التلاعب بالصور. وقد تسببت هذه الواقعة في عواقب مأساوية، إذ أقدمت عدة نساء على الانتحار تحت وطأة الضغوط الأسرية والاجتماعية، فيما تبيّن أن المسؤولين الرئيسيين عن القناة ثلاثة رجال.
وتكشف هذه الحادثة أن زيف الصور لا يمنع واقعية أضرارها؛ ففي مجتمع يحمل النساء مسؤولية ما يُنشر عنهن، قد يتحول التزييف الرقمي إلى أداة للابتزاز والعنف والتشهير، تهدد سلامتهن وحياتهن، حتى دون ارتكابهن أي خطأ.
وهذا ما عاشته روكسانا. س، التي تعرضت صورها للتلاعب والنشر العلني العام الماضي على يد خطيبها السابق. تقول "أنشأ صفحة على إنستغرام باسمي، ووضع وجهي على صور لنساء شبه عاريات. كنت متأكدة من أنه هو من فعل ذلك، لأنه الشخص الوحيد الذي كان لديه إمكانية الوصول إلى صوري الحقيقية. ولحسن الحظ، وقفت عائلتي إلى جانبي، لكنني ظللت لفترة طويلة عاجزة حتى عن الخروج من المنزل، خوفاً من المحيطين بي. وعندما تقدمنا بشكوى، كان أول رد فعل للشرطة هو توجيه اللوم إليّ؛ إذ سألوني: لماذا وضعتِ صورك في متناول شخص آخر؟ في حين أن ذلك الشخص كان خطيبي، وليس غريباً عني".
تكشف قضية روكسانا .س كيف تُلام المرأة على انتهاك لم ترتكبه، بدلاً من محاسبة المسؤول عنه؛ إذ جاء رد فعل الشرطة قائماً على لومها، لا على حمايتها، في انعكاس لمنظومة أبوية تجعل النساء مسؤولات عن سمعتهن، وتمنح المجتمع سلطة مراقبة سلوكهن والحكم عليهن.
وتتجلى هذه العقلية في مفهوم "الشرف المرتبط بالمرأة"، الذي يحوّلها إلى موضع للاتهام حتى عندما تكون ضحية للتشهير والابتزاز. والمفارقة أن بعض الرجال الذين يرفعون شعارات حماية الشرف هم أنفسهم من يستخدمون صور النساء وسيلة للانتقام والإذلال، ما يكشف أن هذه المفاهيم تُستغل أحياناً لفرض السيطرة أكثر من كونها مبادئ أخلاقية ثابتة.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن إنشاء صور ومقاطع فيديو مزيفة تُنسب إلى نساء لم يفعلن شيئًا، فتتجاوز الأضرار حدود الضحية المباشرة لتزرع الخوف والرقابة الذاتية لدى أخريات، وتدفعهن إلى تجنب الظهور في الفضاء الرقمي خشية التشهير أو العنف.
لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتقييد النساء أو تحميلهن مسؤولية ما يتعرضن له، بل بمحاسبة من ينتجون المحتوى المفبرك وينشرونه، وتوفير الحماية القانونية والنفسية للضحايا. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في استخدامها لتكريس الهيمنة الأبوية، وفي مجتمع يعاقب المرأة على انتهاك ارتُكب بحقها بدلًا من مساءلة المعتدي.