ما أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية في مصر؟

بينما تمثل بداية العام فرصة جديدة للطلاب لبناء خبرات تعليمية واجتماعية مختلفة، فإنها في الوقت نفسه تعيد إلى الواجهة مجموعة من التساؤلات حول مدى قدرة المنظومة التعليمية على توفير بيئة تحقق أهداف التعلم، وتحافظ على التوازن النفسي والاجتماعي للطلاب.

أسماء فتحي

القاهرة ـ لا تتوقف التحديات التي تواجه العملية التعليمية عند حدود المناهج الدراسية أو أساليب الامتحانات، وإنما تمتد إلى البيئة التي يتلقى فيها الطالب تعليمه، بدءاً من كثافة الفصول ومدى توافر الأدوات والتجهيزات الأساسية، مروراً بطبيعة العلاقة بين الطالب والمعلم والإدارة المدرسية، وصولاً إلى قدرة المؤسسة التعليمية على التعامل مع المشكلات التي قد تواجه الطلاب وتوفير مسارات واضحة للحصول على الدعم والمساعدة.

لا يمكن الحديث عن جودة التعليم بمعزل عن البيئة التي يتلقى فيها الطالب دروسه اليومية، فالفصل الدراسي المزدحم، أو نقص بعض الأدوات الأساسية، أو صعوبة الوصول إلى الإدارة والمعلمين عند حدوث مشكلة، كلها عوامل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على قدرة الطالب على التركيز والاستيعاب والشعور بالأمان داخل المؤسسة التعليمية.

وترى الأخصائية النفسية منة الله مجدي، أن المؤسسات التعليمية تسعى في الأساس إلى تلبية احتياجات الطلاب، إلا أن بعض التفاصيل قد لا تحصل على الاهتمام الكافي، موضحة أن التحديات المتعلقة بالبنية التحتية لا ترتبط فقط بالمبنى، وإنما تشمل الأدوات الأساسية التي يحتاج إليها الطلاب، مثل أماكن الجلوس والكراسي واللوحات وغيرها من التجهيزات.

وتضيف أن من بين التحديات أيضاً سهولة التواصل مع المعلمين والإدارة المدرسية عند حدوث مشكلة، إلى جانب الازدحام الشديد داخل بعض المؤسسات، مشددة على أهمية توفير مكان آمن وواسع ومناسب للأعداد الموجودة، بما يسمح بتحقيق أفضل مستوى ممكن من التركيز والتعليم. كما أن توفير احتياجات الطالب داخل المؤسسة التعليمية يمكن أن يساعد في الحد من اضطراره إلى البحث عن بدائل خارجها.

 

الضغوط النفسية في مواجهة الطالب

بالتوازي مع التحديات المادية، يواجه الطالب ضغوطاً لا تظهر بالضرورة في شكل مشكلة واضحة داخل الفصل، لكنها قد تتراكم تدريجياً لتؤثر على علاقته بالتعلم، فالامتحانات والخوف من الفشل وكثرة الواجبات وعدم وضوح المطلوب، كلها عوامل قد تجعل الطالب يتعامل مع الدراسة باعتبارها مصدر مستمر للقلق بدلاً من كونها مساحة للتعلم واكتساب المعرفة.

وتحذر منة الله مجدي من أن الهدوء الظاهري للطالب أو تفوقه الدراسي لا يعني بالضرورة أنه يتمتع بحالة نفسية جيدة، موضحة أن الضغوط المستمرة يمكن أن تؤدي مع الوقت إلى فقدان الشغف، أو إلى أزمات واضطرابات تظهر آثارها في مراحل لاحقة.

وتلفت إلى أن الطالب قد يواصل دراسته رغم فقدان الشغف، كما قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأن جهده لن يحقق النتيجة التي يريدها، خصوصاً إذا بذل مجهوداً كبيراً ولم يحصل على المجموع المتوقع، ولذلك، ترى أن المطلوب هو تحقيق حالة من الاعتدال؛ فلا يتم الضغط على الطالب بصورة مبالغ فيها، ولا يتم تركه دون توجيه، مع تعليمه كذلك كيفية طلب المساعدة عند مواجهة مشكلة تعليمية أو نفسية.

 

التقييمات المستمرة

وترى منة الله مجدي، أن فكرة التقييم في حد ذاتها جيدة، لأنها تجعل الطالب منتبهاً إلى ضرورة المذاكرة والاستعداد، لكنها ترى أن المبالغة في تكرار الاختبارات قد تضع حمل إضافي على الطالب والأسرة.

وتقترح أن تكون هناك فترات زمنية مناسبة بين الدراسة والتقييم، معتبرة أن الاختبارات الشهرية يمكن أن تحقق هدف المتابعة دون أن يتحول الطالب إلى حالة استعداد دائم لامتحان جديد.

وتشدد على ضرورة تحقيق التوازن، بحيث لا يتم التخلي عن التقييم تماماً، وفي الوقت نفسه لا تتحول العملية التعليمية إلى سلسلة متواصلة من الاختبارات.

 

وسيلة للمشاركة أم مساحة إضافية للضغط؟

ومع تعقد العملية التعليمية، ظهرت مساحات جديدة أصبحت جزءاً من حياة الأسر، وفي مقدمتها مجموعات الأمهات على مواقع التواصل وتطبيقات المراسلة، والتي تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة أساسية لتبادل المعلومات المتعلقة بالدراسة والواجبات والامتحانات والمدرسين.

وترى منة الله مجدي أن لهذه المجموعات جوانب إيجابية، إذ تساعد الأمهات على متابعة تفاصيل ما يخص أبناءهن، والتعرف على طبيعة المشكلات التي تواجه الطلاب، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن هذه المجموعات قد تتجاوز هدفها التعليمي لتدخل في تفاصيل شخصية أو تتحول إلى مساحة للخلافات والمشكلات.

وتحذر من أن يتحول الاعتماد على التكنولوجيا إلى اعتماد كامل، مؤكدة أن الاستفادة من الوسائل الرقمية أصبحت أمر طبيعي، لكن لا ينبغي أن تكون التكنولوجيا هي الأساس الوحيد للعملية التعليمية.

وأكدت أهمية الجمع بين التعليم المباشر والتعليم الإلكتروني، وعدم الاكتفاء بالمحاضرات أو المحتوى الرقمي، إلى جانب تشجيع الطلاب على استخدام الكتب والمكتبات والبحث في مصادر متعددة، وعدم تعويدهم منذ الصغر على الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي وحدها للحصول على المعلومات.

 

المعلم والتأهيل والمتابعة

وأوضحت منة الله مجدي، أن تأهيل المعلمين يمثل عنصراً أساسياً، بحيث يكون المعلم ملماً بالمادة التي يدرسها وقادراً على تقديمها بصورة مناسبة للطلاب، مؤكدة أن دوره لا ينبغي أن يقتصر على الوقوف أمام الفصل وتقديم المعلومات، وإنما يتطلب كفاءة حقيقية في الجانب التعليمي.

كما تقترح توفير جلسات أو تدريبات تساعد الطلاب على التوعية النفسية وبناء قدر أكبر من الصلابة النفسية، مع التأكيد على أهمية وجود وقت للراحة واللعب والترفيه إلى جانب الدراسة، لأن بناء الطالب لا يتحقق بالدراسة وحدها.

وتشدد على ضرورة وجود متابعة مستمرة لأداء المؤسسات التعليمية، للتأكد من تنفيذ الخطط التعليمية بصورة جيدة، ومتابعة مختلف المستويات داخل المؤسسة بما يضمن أن التطوير لا يبقى مجرد خطط مكتوبة وإنما يتحول إلى ممارسة فعلية.

إصلاح التعليم مسؤولية مشتركة بين جميع عناصر المنظومة، فالطالب والأسرة والمعلم والمناهج والتكنولوجيا يؤثر كل منهم في الآخر. وتكمن الأولوية في أن توفر المدرسة معظم احتياجات الطالب التعليمية والنفسية، مع وجود آليات واضحة لطلب المساعدة عند الحاجة.