المرأة والتحقيق الجنائي... تخصص أكاديمي يغير ملامح العمل الأمني

مع تزايد الإقبال النسوي على المجال الأمني والقضائي ولا سيما التحقيق الجنائي في إقليم كردستان، بدأت المرأة تبرز كعنصر دقيق وفعّال في كشف الجرائم والتعامل مع الأدلة العلمية.

هيفي صلاح

السليمانية ـ يشهد إقليم كردستان، ولا سيما في جنوبه، تحوّلاً مهماً في النظام الأمني والقضائي، من خلال افتتاح أقسام متخصصة بالتحقيق الجنائي في المعاهد، حيث تشارك النساء كقوة دقيقة وفعالة وبأسلوب أكاديمي في حماية استقرار المجتمع وكشف الجرائم المعقدة.

شهدت مشاركة النساء في مجال التحقيق الجنائي تحولات كبيرة عبر التاريخ، ففي البداية، كان هذا المجال حكراً على الرجال، لكن مع مرور الوقت أثبتت النساء امتلاكهن قدرات عالية في التدقيق واكتشاف الأدلة الخفية، إضافة إلى مهارات تحليل نفسية الجناة.

وفي إقليم كردستان، مرت مشاركة النساء في العمل الأمني ومجال التحقيق بمراحل مختلفة، ففي السنوات الماضية، كانت هذه المشاركة تقتصر غالباً على الأدوار الإدارية أو المهام البسيطة، لكن اليوم ومع انفتاح المجتمع وارتفاع مستوى الوعي القانوني والثقافي، أصبحت النساء جزءاً أساسياً من فرق التحقيق الجنائي وشرطة الأدلة الجنائية، لا سيما في المديريات المختصة بمكافحة العنف ضد النساء والأسرة، وقد برزت المحققات بدور متميز، حيث تمكنّ من التعامل علمياً مع أعقد القضايا، وأسهمن في إعادة الحقوق إلى الضحايا.

إن افتتاح أقسام التحقيق الجنائي في معاهد إقليم كردستان أتاح فرصة للنساء لتعلم تقنيات التحقيق بشكل أكاديمي، واليوم تدرس أعداد كبيرة من الطالبات في هذا التخصص، ما يعكس تحولاً واضحاً في نظرة المجتمع لدور المرأة في العمل الأمني، كما أن وجود المرأة في مسرح الجريمة وغرف التحقيق يخلق توازناً علمياً ونفسياً، نظراً لما تتمتع به من دقة في التعامل مع الأدلة المادية، وفهم أعمق للأبعاد الإنسانية للجريمة.

 

"النساء لديهن شغف كبير بقسم الأدلة الجنائية"

تقول الأستاذة بروش بروشە قلندر، رئيسة قسم الأدلة الجنائية في المعهد التقني والمهني (برايت)، إن قسم الأدلة والجرائم، بوصفه قسماً أهلياً، يُفتتح لأول مرة في إقليم كردستان، وكان هذا التخصص موجوداً سابقاً في المعهد الطبي في هولير، لكنه كان مخصصاً فقط لضباط وموظفي وزارة الداخلية، وقد أُقيمت دورة واحدة فقط تخرجت منها دفعة، ثم توقف.

وأضافت أن ما يميز هذا القسم الجديد هو أنه مفتوح أمام الجميع، وهو تخصص حديث يحظى بإقبال من كلا الجنسين، وخاصة النساء اللواتي لديهن شغف كبير به، لأنه مجال تحقيق يتطلب تركيزاً عالياً، مشيرةً إلى أنه في السابق كان يُعتقد أن العمل في مجال التحقيق والجرائم يقتصر على الرجال، لكن هذا التصور قد تغيّر الآن، وأصبح الرجال والنساء يعملون جنباً إلى جنب في مختلف المجالات.

وأوضحت أن الطلبة في هذا القسم يدرسون جميع العلوم القانونية، ويتعلمون كيفية التعامل مع مسرح الجريمة، وكيفية التصرف مع الأدلة، وجمعها بطريقة احترافية، وتقديمها إلى المحاكم بما يضمن عدم ضياع حقوق أي طرف، وأن تصل القضايا إلى القضاء بأسلوب علمي ودقيق يضمن إعادة الحقوق إلى أصحابها.

وترى محدثتنا أنه "إذا أردنا تعريف الجريمة من منظور علمي مختصر، فهي تعني ارتكاب فعل يعاقب عليه القانون، فمثلاً، إذا لم يكن هناك نص قانوني في قانون العقوبات، فلا يمكن اعتبار الفعل جريمة، لذلك، يجب أن يكون هناك نص قانوني يجرّم الفعل أو الحدث، ونحن نعمل وفق القانون، حيث يدرس الطلبة القوانين الجنائية في هذا القسم، ويتعلمون كيفية التصرف عند وقوع الجرائم".

ومن خلال مثال افتراضي لمسرح جريمة يتعلق بحالة انتحار، فأنه عند وصول المحققين إلى المكان، لا يجوز أبداً اتخاذ قرار فوري إذا وُجدت رسالة انتحار بل يجب إثبات ما حدث من خلال الأدلة كما تؤكد وأنه "على المحققين توثيق مكان الحادث بالصور، وجمع الأدلة بطريقة علمية، ثم تسليمها إلى الجهات المختصة، في حين تُحال الجثة إلى الطب العدلي، وبعد ذلك تُجمع جميع الأدلة ونتائج الفحوصات في ملف واحد يُقدَّم إلى المحكمة".

بروش قلندر تبين أيضاً أنه "لا يمكننا الجزم بأن معدل الجريمة خلال السنوات القليلة الماضية قد ارتفع، لعدم توفر إحصاءات رسمية دقيقة لدينا، ولا يمكن اتخاذ أحكام عشوائية في هذا الشأن، لكن، ولحسن الحظ شهدت التحقيقات تطوراً كبيراً ووصلت إلى مستوى متقدم، والأهم هو أن تكون نتائجها دقيقة وفعالة، بحيث يطمئن المجتمع أن أي جريمة تُرتكب ستُكشف لاحقاً، وأن مرتكبها سينال جزاءه".

وأكدت كذلك على أن العمل أثناء التحقيق يجب أن يتم بأسلوب علمي دقيق، لضمان عدم ضياع أي دليل، لأن ذلك "يؤثر بشكل مباشر على نتائج ومسار التحقيق"، مشيرةً إلى أن القضايا المتعلقة بالنساء تتأثر كثيراً بالعوامل الاجتماعية؛ ففي كثير من الحالات تكون العائلة هي العائق الرئيسي، إذ لا يزال يُنظر في بعض البيئات إلى تقديم الشكوى في حالات القتل أو الاعتداء كأمر "معيب"، وهذا يعيق الوصول إلى الأدلة والشهود، مما يؤدي أحياناً إلى ضياع القضية وعدم الوصول إلى نتيجة.

وإذا قام المجتمع بدعم هذه العائلات، وتغيير هذه النظرة، والتأكيد على أن التبليغ عن الجرائم ليس عيباً، فإن ذلك "سيساهم في تحقيق العدالة"، وبدت متفائلةً فيما يخص ذلك "وعي المجتمع بدأ يتحسن تدريجياً، وأصبح هناك اهتمام أكبر بمتابعة القضايا في وقتها".

كما أكدت على أن وجود قسم الأدلة الجنائية اليوم يتيح الفرصة للجميع للدراسة فيه، مع ضرورة الحفاظ على حيادية العمل وعدم خلطه بأي توجهات أو أيديولوجيات سياسية، والعمل على إعداد محققين مهنيين يمتلكون شخصية مستقلة.

 

"ننظر إلى كل ما حولنا بعين المحقق"

من جانبها، قالت هاوناز قادر، وهي طالبة في قسم الأدلة الجنائية في المعهد التقني والمهني (برايت) أنه "عندما التحقت بهذا القسم كان ذلك عن رغبة وشغف شخصي، فهذا تخصص قريب جداً من الواقع، وأنا مع عدة طالبات في المرحلة الثانية، وهي السنة الأخيرة، وخلال هذين العامين تعلمنا الكثير من المواضيع الجديدة والمتنوعة التي لها تأثير مباشر على حياتنا".

وأضافت "اليوم ننظر إلى كل ما حولنا بعين المحقق، وبمنهج يعتمد على الأدلة. تعلمنا كيف نتعامل مع مسرح الجريمة، وكيف نكشف الحقائق للمجتمع. منذ البداية، كانت عائلتي داعمة جداً لي، رغم أنني الوحيدة في العائلة التي اختارت هذا التخصص، وعند الاستعداد للتعامل مع القضايا، يجب أن نلتزم بإجراءات خاصة، مثل ارتداء القفازات والكمامات والملابس الواقية، وعدم استخدام أي إكسسوار".