نساء إيرانيات يهربن من الفقر ليواجهن وصماً مضاعفاً

تواجه النساء المهاجرات للعمل خارج إيران، ضغوطاً اقتصادية واجتماعية وتمييزاً مضاعفاً في بلدهن وبلدان المقصد، رغم سعيهن للاستقلال وتأمين احتياجات أسرهن، مقابل قصص نجاح محدودة تحققت بعد سنوات من الكفاح.

سايه محبي

أورمية ـ تعمل النساء بعيداً عن أسرهن لساعات طويلة لتأمين احتياجاتهن وإرسال المال إلى عائلاتهن التي تتعامل معهن كمصدر دخل فقط، بينما يواجهن في المجتمع أحكاماً قاسية تمسّ كرامتهن وتختزل وجودهن في صور نمطية مجحفة.

تروي لاله. خ، البالغة من العمر 32 عاماً والمقيمة في إقليم كردستان، جانباً من واقع اقتصادي صعب تعيشه الكثير من النساء، فبرغم عملها منذ سبع سنوات كخبيرة تجميل، ما تزال الضغوط الاجتماعية والتحديات المعيشية تحاصرها هي ومئات الشابات الإيرانيات اللواتي تعملن خارج البلاد، لتغلق أمامهن مسارات الاستقرار وتضعهن في مواجهة ظروف قاسية تعيق تقدمهن.

فالأزمات الاقتصادية المتفاقمة غيّرت ملامح الهجرة المهنية من إيران، خصوصاً بين النساء، ورغم غياب إحصاءات دقيقة حول حجم هذه الهجرة، تشير البيانات الرسمية إلى أن كل ارتفاع بنسبة 1% في مؤشر الفقر يؤدي إلى زيادة هجرة النساء بنسبة 5%، وخلال العقد الأخير أصبحت الهجرة بغرض العمل خياراً متزايداً للنساء الإيرانيات، وكان العراق وإقليم كردستان من أبرز الوجهات التي اتجهن إليها.

وتُعدّ عوامل مثل الفقر، غياب فرص العمل، تدنّي الأجور، عدم الاستقرار الاقتصادي، إضافة إلى مشكلات اجتماعية كحالات الطلاق، من أبرز الأسباب التي تدفع النساء إلى الهجرة بغرض العمل، وفي هذا السياق، تقول سيما. ك، المقيمة والعاملة في مدينة هولير في إقليم كردستان "لم يكن بإمكاني في إيران العمل 12 ساعة مقابل راتب لا يتجاوز 3 إلى 4 ملايين تومان، فالمهن المتاحة كانت تقتصر على وظائف مثل العمل في شركة تيباكس أو السكرتارية أو المبيعات، وهي أعمال لا تتناسب ساعاتها الطويلة مع الأجر، ورغم المعارضة الشديدة من أسرتي، أصريت على قراري لأنني كنت أبحث عن الاستقلال أيضاً، جئت إلى الإقليم وتمكنت بصعوبة من العثور على عمل".

صراع مستمر

وترى كثير من هؤلاء النساء أن حياتهن اليومية تتحول إلى صراع مستمر مع التابوهات والضغوط الاجتماعية والنظرة التمييزية ضد المرأة، ويواجهن صعوبة كبيرة في العثور على فرص عمل، كما يتعرضن في أماكن العمل لتحديات أخلاقية ولا عدالة اقتصادية، خصوصاً عندما يفتقرن إلى جهة داعمة أو موثوقة، وتشير المعطيات إلى أن نسبة كبيرة منهن تعمل في صالونات التجميل، سواء في الخدمات أو في مهن التزيين.

يتقاضى عدد كبير من هؤلاء النساء، بعد سنوات من العمل في وظائف بسيطة، رواتب لا تتجاوز في المتوسط 500 دولار، وهو مبلغ بالكاد يغطي الإيجار والمواصلات والطعام في بلد المقصد. هذا الوضع يدفع الكثيرات إلى السكن في منازل مشتركة لتقليل النفقات، أو الإقامة في غرف صغيرة داخل أماكن العمل بحدٍّ أدنى من الخدمات، بهدف الادخار أو دعم أسرهن.

ورغم الظروف القاسية، تبقى إجراءات تجديد الإقامة من أكثر التحديات ضغطاً عليهن. وتوضح سنور. م، العاملة في مجال الخدمات، أن هذا الملف تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر قلق دائم، مشيرةً إلى أن تكلفة التجديد السنوي وصلت إلى ألف دولار، ما يزيد العبء على العاملات المهاجرات.

ورغم التحديات التي تواجه العاملات المهاجرات، تمكنت بعض النساء، بفضل مهاراتهن وخبراتهن، من تأسيس مشاريع ناجحة خلال سنوات طويلة، وتحويل الهجرة إلى فرصة حقيقية للارتقاء المهني، غير أن الوصول إلى هذا المستوى لم يكن سهلاً، إذ تطلّب منهن مواجهة صعوبات كبيرة وبذل جهود مضاعفة لتحقيق الاستقرار والنجاح.

تواجه كثير من النساء اللواتي يسافرن للعمل في إقليم كردستان، الإمارات، تركيا وغيرها من الدول، أحكاماً أخلاقية جاهزة تلاحقهن منذ لحظة وصولهن، فالنظرة السائدة تجاه المرأة الإيرانية، والمتأثرة بالظروف الاقتصادية في المنطقة، تجعل هؤلاء النساء عرضة للوصم مرتين، مرة في بلدهن ومرة في بلد المقصد، حيث يجدن أنفسهن مضطرات للدفاع المستمر عن كرامتهن.

مواجهة الثقافة الذكورية

وتوضح سيما. ك أن ظروف العمل القاسية تزيد من تعقيد هذا الواقع، قائلة "في أول وظيفة لي كنت أعمل طوال الأسبوع بلا إجازة ولساعات تصل إلى 13 ساعة يومياً، كان الأمر مرهقاً للغاية"، مشيرةً إلى أن بعض النساء يُدفعن، تحت ضغط الحاجة الاقتصادية وضعف الرواتب، إلى قبول أعمال لا يرغبن بها، الأمر الذي ساهم في تكوين صورة سلبية وغير منصفة عن النساء الإيرانيات في الخارج.

وحتى عند العودة إلى إيران، يبقى المشهد على حاله؛ فالنظرة ذاتها تلاحق النساء العاملات في الخارج، ويُعامَلن بلا أي تمييز عمن يمارسن البغاء، كما لو أن التجربة بكل ما تحمله من مشقة لا تكفي، وبحسب سيما. ك "في مرحلة لا نستطيع فيها العودة إلى الماضي، ولا نرى مستقبلاً واضحاً أمامنا".

قصة سيما. ك تشبه حكايات آلاف النساء اللواتي أجبرتهن الظروف القاسية إلى التضحية بمستقبلهن في ظل غياب بيئة آمنة وعادلة، فتيات رأين وطنهن مكبّلاً، فغادرن بحثاً عن استقلال وحياة أكثر إنسانية، أملاً في تخفيف عبء الفقر، لكنهن ما زلن يواجهن ثقافة ذكورية تُحمّلهن وزر خيارات لم يصنعنها.

قضية تستدعي وقفة جادة، وتطرح سؤالاً ملحاً على المجتمع، كيف يمكن إنهاء هذا الواقع الذي يواصل استنزاف النساء على جانبي الحدود؟