امرأة قروية غيرت حياتها عن طريق نسج الزرابي
بكثير من الإصرار والتحدي استطاعت زهرة لكزولي رئيسة تعاونية "تزربيت ناغ"، أن تنحت اسمها في مجال صناعة الزربية حتى أضحت واحدة من الأسماء التي فرضت نفسها بمهنية عالية في مجال صناعة الزرابي.

رجاء خيرات
المغرب ـ رغم التحديات والصعوبات التي واجهتها في مجتمع محافظ ومنغلق، إلا أنها نجحت في أن تجعل من التعاونية التي أنشأتها بالمنطقة مشتلاً حقيقياً لتدريب النساء وتعزيز قدراتهن وتكوين مهاراتهن، متحدية بذلك المجتمع الذكوري الذي لا يعترف بجهود النساء وبحقوقهن الإنسانية.
مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة
لم يكن المشوار سهلاً، خاصة بالنسبة لامرأة لم تكن تغادر بيتها إلا للضرورة القصوى، حيث كانت "لالة زهرة" كما يحلو لمحيطها أن يناديها تحيك الزرابي ببيتها كلما وجدت بعض الوقت من أجل توفير حاجياتها الخاصة، دونما حاجة لطلب المال من زوجها. إذ رغم كونها لم تتلق تعليماً في حياتها إلا أن جينات الاستقلالية والاعتماد على النفس كانت مزروعة في بنيتها النفسية منذ البداية "تعلمت أصول المهنة في طفولتي، فقد كان يوجد معمل في حياكة الزرابي بحي سيدي يوسف بن علي حيث نشأت. أذكر أن عملي كان يقتصر على وضع العقدة فقط خلف نسيج الزربية، وبقيت على هذه الحال لمدة ليست بالهينة، قبل أن أتقن المهنة".
قضت زهرة لكزولي خمسة عشرة عاماً في تعلم حياكة الزرابي حتى أضحت واحدة من الحرفيات الماهرات في الزربية، لكن عندما تزوجت وانشغلت بتربية الأطفال، ابتعدت لفترة طويلة عن الحرفة، إلى أن أصيب زوجها في حادث ألزمه الفراش، آنذاك اضطرت من جديد لإخراج المنتج الذي كان قد طواه النسيان، إذ لا تكاد أن تنتهي من قطعة حتى تشرع في أخرى.
وجدت في صناعة الزرابي مشروعاً ساعدها على توفير لقمة العيش لأسرتها من جهة، ومن جهة أخرى جعلها تحيي المهنة التي أحبتها وتعلمتها على يد الحرفيين في حياكة الزربية بشتى أنواعها "صناعة الزربية بالنسبة لي ليست حرفة تعلمتها وأدرت علي مدخولاً ساعدني على تربية خمس بنات، بل هي مشروع جعلني أعيش بكرامة وجنبني طلب الحاجة للغير. أنا بالفعل مدينة للزربية بكل شيء في حياتي، لذلك أنصح دائماً الفتيات اللواتي ينقطعن عن الدراسة أو حتى اللواتي لازلن تتابعن دراستهن بأن تتعلمن المهنة والحرف اليدوية، لأنه حتماً سيأتي يوم وتحتجن لها وتجدن فيها السند والدعم وقت الشدة والحاجة".
نقطة التحول
"ربما تكون الصدفة هي من قادتني إلى هذا المنحى. لم أتصور يوماً أنه سيكون بإمكاني أن أسافر إلى بلدان أوروبية وأشارك في معارض دولية. فقد مكثت لسنوات لا أبرح بيتي. كنت أنهي حياكة قطعة زربية وأبيعها دون حتى أن تطأ قدماي أي سوق، حيث كنت أعتمد على تجار وسطاء لهذه المهمة وأقنع بما تدره علي"، هكذا تستحضر لالة زهرة بدايتها مع صناعة الزربية، قبل أن تطرق مؤسسة زاكورة (مؤسسة تعمل في التنمية البشرية من توظيف الشباب وتعليم الأطفال وتمكين النساء) بابها.
وأضافت "طلبت مني المسؤولة بالمؤسسة التي زارتني بأن أشارك في أحد المعارض، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أغادر فيها بيتي للمشاركة في نشاط من هذا النوع، ولقي المنتج الذي عرضته تقديراً واستحساناً من الزوار، كما استطعت أن أربط علاقات كثيرة مع مهنيات وحرفيات من داخل المعرض".
كانت تجربة المشاركة في المعرض هي البداية التي جرت لالة زهرة نحو الانطلاق إلى عوالم أوسع وأرحب، حيث أسست جمعية رفقة للحرفيات، وهي تجربة لم يكتب لها الاستمرار طويلاً، إلى أن أنشأت أول تعاونية بالجماعة القروية أوريكا تحمل اسم "تزربيت ناغ"، هذه التعاونية كانت نقطة التحول في حياتها، حيث مكنتها من المشاركة في معارض ومحافل دولية، للتعريف بالمنتجات المحلية، كما جعلتها تحظى باحترام سكان القرية، خاصة النساء اللواتي أصبحن يرين فيها ملهمة لهن وأصبحت قصة نجاحها وكفاحها مصدر اعتزاز لهن.
وأصبحت تكرس حياتها لتعليم المنخرطات في التعاونية أصول مهنة الزربية، كما أنها خصصت بيتها لاحتضان فتيات القرية ونسائها للتعلم والاستفادة من دورات تدريبية في مجال إنشاء التعاونيات وتعزيز قدراتهن في مختلف مجالات الحرف والصناعة التقليدية.
لكن ورغم النجاحات التي حققتها في المجال الذي اختارته، إلا أن التعاونية تواجه اليوم مشاكل كثيرة تتمثل في صعوبة التسويق وعدم تقدير الزبون للمنتج الجيد أمام اكتساح السوق بالمنتجات المصنعة الرخيصة.
أفق مسدود
تحرص الحرفيات داخل التعاونية على استخدام المواد الطبيعية من صوف وصباغة (نباتية) تفادياً للحساسية التي تكون لدى بعض الأشخاص، لكن الأبناء لهم رأي آخر، حيث أن أغلبهم يفضلون اقتناء زرابي مصنعة (بالآلات) مقابل أثمنة زهيدة، بينما الزربية التقليدية المنسوجة باليد تعتبر ذات جودة عالية وتتطلب أثمنة مرتفعة نسبياً "صناعة الزربية شاقة ومتعبة والعمل فيها يكون بطيئاً ويستغرق وقتاً، كما أنها تتطلب الكثير من الصبر والتفاني في العمل، لكن تبقى مشكلة التسويق العائق الكبير أمام صانعات الزربية".
بالإضافة إلى مشاكل التسويق تجد الصانعات مشاكل تتعلق بالنقل، حيث يحتاج نقل الزرابي إلى الأسواق آمنة أثماناً مرتفعة أحياناً، دون أن تتمكن الصانعة من بيع قطعة واحدة، مما يضطرها للعودة أدراجها مع خسارة تتمثل في دفع ثمن النقل.
وحول المشاركة في المعارض خارج المغرب، أكدت زهرة لكزولي أن الأمر يتطلب دفع مبالغ كبيرة تصل أحياناً إلى عشرين ألف درهم (ألفاً دولار) مقابل المشاركة، وهو مبلغ يصعب على الصانعات التقليديات اللواتي بالكاد توفرن قوت يومهن أن يدفعنه.
وطالبت زهرة لكزولي بتحسين ظروف عمل الصانعة التقليدية المغربية باعتبارها الوجه الثقافي للبلاد، لافتة إلى أنهن لازلن تتعرضن للاستغلال من قبل التجار الكبار الذين يحتكرون السوق.