منظمات تونسية تدين الحكم بسجن سعدية مصباح وتصفه بالسياسي

أدانت منظمات وجمعيات حقوقية تونسية الحكم الاستئنافي بسجن الناشطة سعدية مصباح بثماني سنوات، معتبرةً القضية استهدافاً للعمل الحقوقي وتصاعداً لخطاب الكراهية والعنصرية، ومطالبة القوى المدنية بالتصدي لهذا المسار.

تونس ـ يشهد المشهد التونسي تصاعداً لافتاً في مؤشرات تجريم الحريات، وسط توسّع الإجراءات المقيّدة للعمل المدني والحقوقي، وتنامي المخاوف من تضييق المجال العام، ما دفع منظمات وفاعلين مدنيين إلى التحذير من انعكاسات هذا المسار على الديمقراطية والحقوق الأساسية.

أصدرت مجموعة من المنظمات والجمعيات الحقوقية والأحزاب في تونس أمس الخميس 25 حزيران/يونيو بياناً على خلفية الحكم الصادر بحق الناشطة سعدية مصباح جاء فيه "في الثالث والعشرين من حزيران/يونيو الجاري صدر قرار محكمة الاستئناف بتأييد الحكم الابتدائي بسجن المناضلة الحقوقية والنسوية والمدافعة عن حقوق الإنسان سعدية مصباح لثماني سنوات، في قضية لم تكن في جوهرها سوى محاكمة للتضامن الإنساني، وتجريماً للدفاع عن الكرامة الإنسانية، واستهدافاً لصوت رفض الانخراط في خطاب الكراهية والعنصرية الذي تمدد في تونس تحت غطاء سياسي، وتغذى من حملات التحريض والتشويه الاعلامية التي حولت أكثر الفئات هشاشة في تونس إلى أهداف للعنف والعنصرية".

وأكد البيان أن هذا الحكم الصادم لا يستهدف سعدية مصباح وحدها، بل يستهدف ما جسّدته مسيرتها ونضالها ضد العنصرية تجاه السود من قيم المساواة والتضامن والكرامة البشرية، كما يمثل خطوة جديدة في مسار خطير من تجريم العمل المدني والحقوقي، وتشويه المدافعين والمدافعات عن الحقوق والحريات بمحاولة النيل من سمعتهم ونزاهتهم، بينما يُمنح خطاب الكراهية والعنصرية غطاءً سياسياً وإعلامياً غير مسبوق.

وأشار البيان إلى أن سعدية مصباح اختارت الاصطفاف إلى جانب المهاجرين والمهاجرات من إفريقيا جنوب الصحراء في لحظة حاسمة من تاريخ تونس، ففي الواحد والعشرين من شباط/فبراير من عام 2023 أطلقت السلطة السياسية خطاباً رسمياً اتّسم بالتحريض والعنصرية، مستنداً إلى سرديات اليمين المتطرّف الأوروبي، ومنذ ذلك التاريخ جرى تصوير المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء كـ"عدو داخلي" وتحويلهم إلى هدف مشروع للعنف، سواء من قبل أجهزة الدولة أو من قبل مجموعات إجرامية، وأسهمت هذه الحملات في تصاعد الاعتداءات العنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء، بما في ذلك المواطنين التونسيين أنفسهم.

ولفت البيان إلى أنّه وفي سياق ترسيخ هذه السردية التآمرية، جرى تخوين المدافعين والمدافعات عن حقوق المهاجرين وكرامتهم والمتضامنين معهم، ثم تطوّرت حملات الشيطنة الإلكترونية لتأخذ طابعاً جزائياً عبر اعتقال أعضاء ومسؤولي الجمعيات الناشطة في مجال الهجرة، ويأتي ذلك ضمن مسار متكرر في الملفات ذات الطابع السياسي، حيث يتحوّل الخطاب الرسمي إلى حملات سحل وهرسلة تنتهي باعتقالات وأحكام سجنية تصدرها السلطة القضائية.

وأوضح البيان أن الطابع السياسي لملف المناضلة سعدية مصباح يتجلّى بوضوح من خلال التسلسل الزمني لاعتقالها، فقد فتحت النيابة العمومية بحثًاً ضد جمعية منامتي، وأذنت بتفتيش مقرها ثم إيقاف سعدية مصباح في اليوم نفسه، السادس من أيار/مايو 2024 هو التاريخ ذاته الذي وجّه فيه رئيس الدولة اتهامات مباشرة إلى الجمعيات والمنظمات المدنية بالخيانة والعمالة، وأعاد خلال اجتماع مجلس الأمن القومي ترديد السردية العنصرية المتعلقة بـ"التوطين".

ورغم قناعة هيئة الدفاع بالطابع السياسي للملف، فقد قدّمت كل المؤيدات التي تثبت الغياب التام لأركان الاتهامات الخطيرة الواردة فيه، غير أنّ الخوض في تفاصيله القانونية يبدو ثانوياً وفاقداً للمعنى في ظلّ وظيفة قضائية خاضعة للسلطة السياسية، وفق ما جاء في البيان.

وأكد البيان أن سعدية مصباح تدفع اليوم ثمن موقفها التاريخي والشجاع في رفض الصمت والتطبيع مع خطاب الكراهية والعنصرية، ولن تمسّ هذه الأحكام الظالمة من مكانتها الاعتبارية كمناضلة رفضت الانحناء أمام موجة العنصرية المخجلة "كجمعيات ومنظمات وأحزاب ندين ونستنكر هذه الأحكام الجائرة، ونجدد تضامنا الكامل مع المناضلة سعدية مصباح وهي تواصل نحت مسيرة مشرفة في تاريخ تونس الحديث دفاعاً عن قيم المساواة والتضامن ومن أجل مجتمع خالٍ من كل أشكال العنصرية والتمييز".

وأدان البيان تغلغل العنصرية المؤسسية داخل أجهزة الدولة وفي خطابها وممارساتها، ولا سيما بعد بلاغ العار الصادر في الواحد والعشرين من شباط/فبراير 2023 وما نتج عنه من شرعنة للتمييز والكراهية وإنتاج مناخ عام رسّخ الإفلات من العقاب في الجرائم العنصرية. وقد جعل هذا المناخ من خطابات الكراهية والتحريض ضد التونسيين السود، وخاصة ضد سعدية مصباح، أمرًا اعتيادياً ومقبولًا.

كما ندد البيان بموجة التحريض والكراهية التي رافقت القضية، وبحملات التشويه والتضليل والإهانات العنصرية التي استهدفت سعدية مصباح على مدى أشهر طويلة من دون أي مساءلة أو محاسبة، وتحولت بعض المنابر الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه منصّات محاكمة، أُدينت فيها الناشطة مسبقاً وتم التحريض ضدها بسبب مواقفها المناهضة للعنصرية ودفاعها عن حقوق المهاجرين واللاجئين.

وكجمعيات ومنظمات حقوقية في تونس "ندعو كل القوى الحية من منظمات وطنية وجمعيات وأحزاب ومناضلين إلى تحمل مسؤوليتهم التاريخية والمواطنية في التصدي لهذه الموجة العنصرية والدفاع عن قيم المساواة والكرامة ورفض التمييز والعنصرية ضد سود البشرة".

وكان الموقعون على البيان كل من حملة ضد تجريم العمل المدني، جمعية بيتي، جمعية اصوات نساء، الجمعية التونسية من أجل الحقوق والحريات، جمعية نشاز، جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات، منتدى التجديد، منظمة البوصلة، منظمة محامون بلا حدود، جمعية الخط، منظمة العفو الدولية تونس، المفكرة القانونية، المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الاعدام، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، فيدرالية التونسيين مواطني الضفتين، اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس، الأورومتوسطية للحقوق، الحزب الجمهوري، حزب العمال، حزب القطب.