بين الذاكرة المشتركة وتعقيدات الواقع... ندوة في مصر تناقش هوية العرب والكرد
أكد مشاركون ومشاركات في ندوة حول المشتركات الثقافية بين العرب والكرد، أن التعايش الحقيقي يبدأ من الوعي الفردي ويتجسد في الممارسة اليومية، وأن الحوار الثقافي يظل مساحة ضرورية لتعزيز الشراكات الإنسانية في مواجهة الانقسام.
أسماء فتحي
القاهرة ـ في ظل عالم تتشابك فيه الهويات وتتصاعد فيه التوترات السياسية، تعود الثقافة لتطرح نفسها كمساحة ممكنة للحوار والتقارب، ومن هذا المنطلق، جاءت ندوة "المشتركات الثقافية بين العرب والكرد... ذاكرة واحدة وتنوع يثري الهوية" لتفتح نقاشاً حول ما يجمع بين الشعوب بعيداً عن الاصطفافات والصراعات.
استضاف أتيليه القاهرة أمس الثلاثاء 7 نيسان/أبريل، ندوة حوارية بعنوان "المشتركات الثقافية بين العرب والكرد... ذاكرة واحدة وتنوع يثري الهوية"، بحضور نخبة من المثقفين والباحثين، الذين سعوا إلى تفكيك العلاقة بين الذاكرة المشتركة والتعدد الثقافي، وطرح رؤى مختلفة حول مفهوم الهوية وحدوده، بين ما هو ثابت ومتغير، وما هو سياسي وثقافي في آنٍ واحد.
وخلال الندوة، تباينت الطروحات بين التأكيد على عمق الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع العرب والكرد، وبين الإشارة إلى تعقيدات الواقع الراهن، الذي تفرضه التحولات السياسية والإعلامية، بما ينعكس على تشكيل الوعي الجمعي لدى الطرفين.
كما طرحت تساؤلات مهمة حول من يُنتج هذه السرديات الثقافية، ومن يتم استبعاده منها، خاصة فيما يتعلق بحضور النساء ودورهن في حفظ ونقل الذاكرة الجمعية، وهو ما يفتح الباب لإعادة قراءة الهوية من منظور أكثر شمولاً وعدالة.
ويعد الحديث عن "المشتركات الثقافية" ليس مجرد استعادة للماضي، بل محاولة لفهم الحاضر واستشراف ما يمكن أن يكون عليه المستقبل.
من هذا السياق، تبرز أهمية العودة إلى فكرة "الذاكرة المشتركة" كمدخل لإعادة بناء جسور الحوار، خاصة بين العرب والكرد، في ظل ما شهدته العلاقات من تحولات وتوترات، وتضع أمام الحضور مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز الشعارات، نحو تفكيك أعمق لمعنى الهوية وحدودها.
قبول الآخر... مدخل لإعادة قراءة العلاقة بين الشعوب
في ظل أجواء فكرية وثقافية ثرية، فتحت الندوة نقاشاً واسعاً حول مفهوم "قبول الآخر" كمدخل أساسي لفهم العلاقة بين الشعوب، ولم يأتِ هذا الطرح بمعزل عن السياق الإقليمي، بل ارتبط بشكل مباشر بما تشهده المنطقة من توترات وصراعات متداخلة.
كما سعت الندوة إلى تجاوز الطرح النظري، والاقتراب من التجارب الإنسانية اليومية التي تعكس شكل العلاقة بين العرب والكرد. وهو ما أضفى على النقاش طابعاً واقعياً يتجاوز الشعارات إلى عمق الممارسة.
وفي هذا السياق، برزت تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان التعايش القائم يعكس قبولاً حقيقياً، أم أنه مجرد استجابة لظروف مفروضة، وخلال كلمتها، أوضحت الدكتورة ليلى موسى ممثلة مجلس سوريا الديموقراطية في مصر، أن الندوة تأتي في مرحلة حساسة تمر بها المنطقة، في ظل تصاعد الحروب والصراعات، رغم وجود قواسم مشتركة عميقة بين مكوناتها، وأضافت أن العامل السياسي لعب دوراً كبيراً في تأجيج هذه الصراعات، حتى بدا وكأن الشعوب لم تعد تعرف بعضها البعض.
وأوضحت أن قبول الآخر لا يجب أن يُختزل في خطاب دبلوماسي أو شعارات، بل هو موقف داخلي يعكس قدرة الإنسان على الاعتراف بحق الآخر في الاختلاف، دون خوف أو تهديد، مؤكدة أن هناك فرقاً جوهرياً بين أن نعيش معاً وبين أن نقبل بعضنا البعض، وأن التعايش قد تفرضه الظروف، مثل العمل أو السكن، لكنه لا يعني بالضرورة وجود قبول حقيقي، فالقبول هو قرار داخلي يحتاج إلى وعي وإرادة، وهو ما يسهم في بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
السياسة وصناعة الصور النمطية... كيف تتشكل الفجوة؟
في سياق النقاش، طُرحت تساؤلات حول دور السياسة والإعلام في تشكيل صورة الآخر، ومدى مساهمتهما في تعميق الفجوات بين الشعوب. وهو ما دفع الحديث نحو تحليل جذور الصراعات وليس فقط نتائجها.
كما أشار المتحدثون إلى أن كثيراً من هذه الصراعات لم تكن أصيلة في المجتمعات، بل جرى تضخيمها أو صناعتها عبر خطاب مشحون وممارسات متراكمة، هذا الطرح فتح الباب أمام فهم أعمق لكيفية تحول الاختلاف الطبيعي إلى مصدر توتر وصراع.
وأوضحت الدكتورة ليلى موسى، أن الصراعات المذهبية والدينية والطائفية التي تشهدها المنطقة لم تكن موجودة بهذا الشكل من قبل، لكنها تم تصديرها وصناعتها، مؤكدة أن تكرار الصور النمطية، سواء في الإعلام أو الخطاب اليومي، يسهم في ترسيخ الانقسام بين الشعوب.
وأشارت إلى أن الطفل لا يولد وهو يحمل رفضاً للآخر، بل يكتسب هذه الأفكار من البيئة المحيطة به، سواء من الأسرة أو المجتمع، وأضافت أن المرأة، سواء كأم أو معلمة، تلعب دوراً محورياً في تشكيل هذا الوعي، إذ يمكن أن تزرع قيم القبول أو تكرّس الصور السلبية.
وأكدت على أن العلاقة بين العرب والكرد ليست علاقة طارئة، بل تشكلت عبر تفاعلات يومية وتجارب إنسانية مشتركة، حيث عاش الطرفان جنباً إلى جنب، وتشاركوا اللغة والعادات والمناسبات، مشددةً على أن هذا التاريخ، رغم أهميته، لا يكفي إذا لم يتحول إلى ثقافة واعية وسلوك يومي قائم على احترام الاختلاف، لافتةً إلى أن القبول الحقيقي يظهر في التفاصيل الصغيرة، مثل طريقة الحديث واختيار الكلمات والقدرة على الاستماع.
العلاقات المصرية الكردية... جذور تاريخية وهوية ممتدة
وفي سياق البحث عن المشتركات الثقافية، يبرز التاريخ كأحد أهم المفاتيح لفهم طبيعة العلاقات بين الشعوب. إذ لا يمكن قراءة الحاضر بمعزل عن الامتدادات التاريخية التي شكلت ملامح هذا التقارب عبر الزمن، كما يعكس استحضار هذه الجذور محاولة لإثبات أن العلاقات بين الشعوب ليست طارئة، بل تشكلت عبر تفاعلات طويلة ومعقدة. وهو ما يمنح النقاش بعدًا أعمق يتجاوز اللحظة الراهنة.
وفي هذا الإطار، تتجلى العلاقة بين المصريين والكرد كنموذج لهذا التداخل التاريخي والثقافي، وأوضحت الدكتورة عزة محمود علي حسن، استشاري الإدارة العامة بوزارة الثقافة، في تصريح خاص لوكالتنا على هامش الندوة، أن العلاقات المصرية الكردية تعود إلى العصور القديمة.
وأشارت إلى وجود تداخلات تاريخية منذ مصر القديمة، من بينها علاقات المصاهرة بين الملوك، لافتةً إلى أن هذا التداخل تعزز عبر محطات تاريخية بارزة، من بينها فترة حكم صلاح الدين الأيوبي في مصر، إلى جانب قيام الدولة الأيوبية، وهو ما يعكس حضوراً كردياً مؤثراً في التاريخ المصري.
ونوهت إلى أن هذا الحضور لم يقتصر على السياسة، بل امتد إلى مجالات الثقافة والفكر، لافتة إلى أن عدداً من الرموز البارزة في مصر تعود أصولهم إلى جذور كردية، مؤكدة أن هذا التداخل يعكس وحدة النسيج المجتمعي وقدرته على استيعاب التنوع.
الندوات الثقافية مساحة لتعزيز الشراكات وقبول الآخر
في ظل التحديات التي تشهدها المنطقة، تتزايد أهمية الفعاليات الثقافية كمساحات للحوار وتبادل الرؤى. إذ تمثل هذه اللقاءات فرصة لإعادة بناء جسور التواصل بين الشعوب بعيداً عن التوترات السياسية، كما تساهم الندوات في خلق بيئة تسمح بتعدد وجهات النظر، بما يعزز من فرص التفاهم المشترك، وهو ما يجعلها أداة فعالة في دعم قيم التعايش وقبول الآخر.
وأكدت الدكتورة عزة محمود علي حسن، أن وجود الأفراد في ساحة ثقافية مشتركة لتبادل الآراء يُعد أمراً ضرورياً، خاصة في ظل الأزمات والحروب التي تمر بها المنطقة، مشددة على أهمية التمسك بالجذور الثقافية المشتركة باعتبارها عاملاً في مواجهة محاولات تفكيك العلاقات بين الشعوب.
وأضافت أن مثل هذه الندوات تسهم في تعزيز الشراكات الفكرية والثقافية، داعية إلى توسيع المشاركة فيها، خاصة من جانب الشباب وطلاب الجامعات، لما لذلك من دور في بناء وعي قائم على الحوار وقبول الآخر.
وفي ختام الندوة، بدا أن النقاش حول المشتركات الثقافية بين العرب والكرد لا يقتصر على استدعاء التاريخ أو التأكيد على الروابط الممتدة، بل يتطلب أيضاً مواجهة صريحة لتعقيدات الواقع، خاصة في ظل تأثيرات السياسة وخطابات الانقسام، فبينما قدمت بعض الطروحات رؤية متفائلة تستند إلى عمق العلاقات وجذورها، كشفت مداخلات أخرى عن فجوة تحتاج إلى وعي حقيقي يتجاوز التعايش الشكلي نحو قبول فعلي قائم على الفهم والاحترام.
وأكد الحضور على أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات الثقافية كمساحات ضرورية للحوار، ليس فقط لإعادة تأكيد ما يجمع، بل لإعادة بناء الثقة بين الشعوب على أسس أكثر عدالة وشمولاً، فقبول الآخر لا يظل مجرد شعار يُرفع، بل ممارسة يومية تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع، وهو ما يفتح الطريق أمام شراكات أكثر إنسانية واستقراراً في المستقبل.