مراسم "طواف الطاووس" تقليد مقدس لدى الإيزيديين
"طواف الطاووس" من أهم المراسيم الدينية المقدسة لدى الإيزيديين، يعود تاريخها إلى أكثر من 400 عام منذ وصول الشيخ عدي بن مسافر إلى لالش.
كلستان عزيز
شنكال ـ يعد طواف الطاووس (كيرا طاووس)، المعروفة أيضاً باسم السنجق (سنجق الطاووس)، من أهم المراسيم الدينية المقدسة لدى الإيزيديين، ويعود تاريخها إلى أكثر من 400 عام منذ وصول الشيخ عدي بن مسافر إلى لالش، وخلال هذه المراسم يُحمل مجسم ذهبي لطاووس ملك، الذي يُعد رمزاً للأمان والسلام، إذ يُعتقد أنه لا يزور إلا الأماكن الآمنة، ويُعتبر طاووس ملك أحد أقدس الرموز في الديانة الإيزيدية.
تقول الأم خوجة من قضاء شنكال عن هذا التقليد الذي يُقام هذه الأيام في شنكال ويستمر عدة أشهر، إن هذا التقليد يُمارس منذ القدم، وطواف الطاووس يبدأ بعد الأربعاء الأحمر (رأس السنة الإيزيدية)، ثم تتجه نحو شنكال "تبدأ الجولة من منزل في قرية زورافا يُعرف بـ (المحطة الأولى)، وهناك يُوضع الطاووس على مزار شرف الدين، ثم يحمله الشباب ويطوفون به بين التجمعات الإيزيدية على أنغام الدف والناي، بينما تُلقى المواعظ وتُتلى الأقوال الدينية".
وبحسب المعتقد الإيزيدي، فإن لطاووس ملك سبع صفات رئيسية هي (الحكمة، التجدد والخلود، الكبرياء، الاستقامة، الجمال، المجد، السعادة).
ويُطلق على المجسم الصغير للطاووس اسم السنجق، بينما يسميه البعض طاووس الشيخ عدي، ويعد طواف الطاووس من أقدم وأهم الطقوس الإيزيدية، ويتولى القوالون مسؤولية حمل السنجق والتنقل به مرتين في السنة بين جميع المناطق والقرى التي يقطنها الإيزيديون.
وفي الماضي، كان لكل منطقة سنجقها الخاص، وكانت جميع السناجق تُجمع في لالش قبل أن تُرسل في جولات الزيارة.
نشر السلام وحل المشكلات الاجتماعية
ولفتت الأم خوجة إلى أهمية هذه الجولة "البيت الذي يستضيف الطاووس يصبح بمثابة قبة مقدسة، فلا يجوز لأحد أن يدوسه أو ينام فيه، ونحن نقسم ببيت الطاووس وبمكانه، لأنه مكان مقدس، كما يزور الناس المكان الذي مرّ منه الطاووس ويعتبرونه مزاراً، وعندما يأتي الطاووس نشعر بفرح كبير، أما إذا لم يأتِ فنشعر بالحزن ونقول: لم يأت الطاووس بيننا، ولم نسمع صوت الدف والناي".
وأضافت أن الهدف الأساسي من الجولة السنوية هو نشر السلام والمصالحة الاجتماعية ومعالجة الخلافات بين الناس.

366 محطة للطاووس في شمال كردستان
عندما وصل الشيخ عدي إلى لالش، بدأ تقليد طواف الطاووس لنشر تعاليمه وتعزيز العقيدة الإيزيدية، وتشير المصادر التاريخية إلى أن الجولة امتدت لاحقاً إلى منطقة خلتان (شمال كردستان)، وكان لكل منطقة يسكنها الإيزيديون طاووسها الخاص.
وفي شمال كردستان وحده كان هناك 366 محطة للطاووس، إلا أن حملات الإبادة والفرمانات العثمانية دفعت الإيزيديين إلى الهجرة، كما تعرض سنجق شمال كردستان للنهب وفُقد حتى اليوم.
"الخوان" الطعام الخاص بجولة الطاووس
خلال طواف الطاووس، تقوم كل أسرة بإعداد الطعام وتقديمه صدقةً للبيت الذي يستضيف الطاووس، ويُعرف هذا الطعام باسم الخوان، وتذبح معظم العائلات خروفاً يُعرف باسم "خوان الطاووس"، ويُسلق رأس الخروف ويوضع فوق الطعام.
لكن عندما يصل الطعام إلى القوالين، يُرفع رأس الخروف ويوضع في رغيف خبز ويُعاد إلى الأسرة، ويُعرف هذا الجزء باسم "حصة الملك سليم"، ويجتمع الناس لتناول الطعام، وأداء الزيارة الدينية، والحصول على البركة.

"الطاووس وكيل الحظ والبركة"
وقالت الأم خوجة "تقف كل أسرة أعدت الطعام أمام بيت المحطة، ويكاد لا يخلو بيت من إعداد الطعام، وكل من يأكل من هذا الطعام، صغيراً كان أو كبيراً، ينال بركة الشيخ عدي وصاحب الطاووس".
وأضافت "عندما يأتي الطاووس فكأن الشيخ عدي نفسه أصبح ضيفاً عندنا، والطاووس وكيل الحظ والبركة، ومن خلاله ننال البركة ونؤدي الزيارة".
وأوضحت أيضاً أن الزوج والزوجة لا يؤديان الزيارة الدينية لبعضهما أثناء المراسم، لأنهما يُعتبران في الآخرة بمنزلة الأخ والأخت، كما تُستخدم في الطقوس مياه عين البيضاء وزمزم.
كما تحدثت الأم خوجة عن النساء اللواتي يتقدمن الموكب وهن يحملن البخور، وقالت "النساء اللواتي يحملن البخور في مقدمة الموكب هن أرامل أو مطلقات، يرتدين الملابس البيضاء، وهذه العادة مستمدة من تقاليد الحوريات اللواتي يحملن البخور".

"نمشي حفاة ونرفع أمنياتنا إلى الطاووس"
وتُقام أيضاً حلقات الدبكة الشعبية خلال مراسم طواف الطاووس، ويشارك فيها الرجال والنساء حفاة الأقدام، ولا يجوز للزوجين أن يمسكا أيدي بعضهما أثناء الدبكة، لأن الطقس الديني يعتبرهما بمنزلة الأخ والأخت خلال المراسم.
وعن سبب استقبال الطاووس حفاةً، قالت الأم خوجة "نحن لا ندخل بيوتنا بالأحذية، فكيف بالطاووس الذي هو أقدس من البيت؟ نسير حفاة ونرفع أمنياتنا وندعو لأنفسنا ولأصدقائنا ولمجتمعنا، ونسأل الله الرزق والعدل".
وأضافت "عندما نقف أمام الطاووس نقول: يا صاحب هذا الطاووس، أنصف الإيزيديين الذين تعرضوا للفرمانات، وأنصف جميع الشعوب المظلومة، وعندما نمشي حفاة فإننا نعبر عن احترامنا وتقديرنا. سواء كان الجو حاراً أو بارداً، نقول: ليكن ذلك إكراماً للباطن (المقدس)، ولن يصيبنا مكروه".