أزمة الدواء في إيران... صحة المواطنين تتحول إلى ورقة بيد شبكات النفوذ

تعيش إيران واحدة من أخطر أزماتها الصحية خلال العقود الأخيرة، إذ تحوّل نقص الدواء من مشكلة ظرفية إلى ظاهرة بنيوية تُهدّد حياة ملايين المواطنين، خصوصاً الأطفال ومرضى الأمراض المزمنة.

سارة بورخزاري

كرماشان ـ تواجه إيران واحدة من أخطر أزماتها الصحية منذ عقود، إذ لم يعد نقص الدواء مجرد نتيجة للعقوبات أو الأزمات الاقتصادية، بل تحوّل إلى ظاهرة بنيوية تُغذّيها شبكات نفوذ واحتكار مرتبطة بمراكز السلطة.

في الاقتصاد، يُقصد بأثر الإحلال، أنّ الأُسر عندما ترتفع أسعار سلعة معيّنة، تميل إلى التحوّل نحو خيارٍ بديل أقل تكلفة لتخفيف العبء المالي. فعلى سبيل المثال، عند ارتفاع أسعار اللحوم وتراجع القدرة الشرائية، تتجه كثير من العائلات إلى استهلاك الدجاج أو الصويا بدلاً منها.

شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة تكرار هذا السلوك على نطاق واسع، حتى بات جزء كبير من المجتمع يعتمد بصورة شبه دائمة على بدائل أرخص. غير أنّ هذه "سلسلة الإحلال" ليست مفتوحة بلا نهاية، إذ لا يمكن الاستمرار فيها إلا بوجود بدائل متاحة أصلاً لتحلّ محلّ السلع الأغلى.

في مجال السلع الغذائية، يستطيع الناس الانتقال من استهلاك اللحم إلى الصويا، ومن الأرز الإيراني إلى الأرز المستورد، أو من منتجات الألبان إلى بدائل أقل جودة. لكن الدواء ليس سلعة يمكن إيجاد بديل رخيص أو مصطنع لها. فالدواء، بخلاف المواد الغذائية، سلعة حيوية، وغيابه قد يعرّض حياة الكثيرين للخطر مباشرة وهو أمر استغلّه النظام الإيراني لتحقيق مصالحه. 

خلال السنوات الأخيرة، بلغ نقص الدواء في إيران مستوى لا يمكن تفسيره بمجرد الأزمات الاقتصادية أو العقوبات الخارجية. فشبكات توزيع الدواء، وعمليات الاستيراد، وآليات التسعير، وحتى وصف الأدوية، أصبحت جميعها محاصرة داخل طبقات من المصالح الحكومية، والامتيازات المنظمة، والشبكات شبه الاحتكارية. ونتيجة لذلك، حُرم المواطنون من حقّهم في الاختيار بين دواء جيّد وآخر رديء.

في أعقاب الحرب الأخيرة وما ترتّب عليها من تقييد شديد لعمليات الاستيراد، اختفت العديد من الأدوية الحيوية تماماً من السوق. وقد بلغ نقص هذه الأدوية حداً جعل المرضى يضطرون لدفع مبالغ مضاعفة للحصول على أبسط المستلزمات العلاجية. وفي بعض الحالات، حتى الأدوية التي كانت متوفرة بسهولة في السابق باتت لا تُباع إلا عبر الوسطاء والدلالين وبأسعار خيالية؛ وكأن سوق الدواء تحوّل إلى ساحة مزادات خفية لا تُعطى فيها حياة الإنسان أي قيمة تُذكر.

غير أنّ ما يقف خلف هذا النقص الواسع وتكاليف الحصول على الدواء التي تُرهق كاهل الناس، هو شبكة منظّمة من المافيات المرتبطة بمراكز النفوذ؛ مجموعات تدرك جيداً أن الناس قد يتخلّون عن كثير من احتياجاتهم اليومية، لكنهم لا يستطيعون الاستغناء عن الدواء والعلاج. هذا الإدراك دفع تلك الجهات الطامعة إلى استنتاج أن اللعب بأرواح الناس مصدر لا ينضب للثروة؛ ثروة لا تُجنى إلا عبر تعميق النقص، وخلق الاحتكار، ورفع الأسعار بشكل مصطنع.

هذه المافيات، مستندةً إلى نفوذها السياسي والأمني، تتحكم في مسار استيراد الدواء وتوزيعه، وتخلق عمداً نقاط اختناق تدفع السوق نحو الأزمة. والنتيجة أن الدواء تحوّل من سلعة علاجية إلى أداة لتحقيق أرباح فاحشة؛ أرباح تتدفق مباشرة إلى جيوب الدلالين والشبكات القريبة من مراكز السلطة، بينما يُسحق المرضى وعائلاتهم تحت وطأة التكاليف الباهظة.

 

تغيّر الأسعار اللحظي يضيف معاناة جديدة لمرضى السرطان 

تقول "خاطرة. س" وهي امرأة من كرماشان تكافح سرطان الثدي، أنها مستعدة لدفع أي مبلغ لتأمين أدويتها لكن المشكلة أنّ الدواء لا يتوفّر حتى عندما تكون قادرة على الدفع. فالصيدليات، كما تقول، لا تسلّم الدواء إلا لمن يعرض مبلغاً أعلى، وكأن أرواح المرضى تُباع في مزاد. 

وأشارت إلى أنّها في الأسبوع الماضي، وبعد الكثير من الرجاء والموافقة على دفع مبلغ كبير، نجحت في حجز دواءين من صيدلية، لكن يوم الاستلام تغيّر كل شيء؛ إذ وصل سعر الدولار إلى 190 ألف تومان، فاستغلت الصيدلية ذلك وطالبتها بمبلغ إضافي، رغم دفعها للعربون ووضوح الاتفاق. 

تؤكد خاطرة. س أنّ هذا السيناريو يتكرر معها ومع كثير من المرضى؛ فكلما ارتفع سعر الصرف، تمتنع الصيدليات عن تسليم الدواء أو تفرض سعراً جديداً، والآن تُستخدم ذريعة الحرب ونقص الأدوية لرفع الأسعار إلى مستويات خيالية "يبدو أن مرضنا أصبح فرصة للبعض كي يربح. نحن المرضى نقاوم الألم والقلق كل يوم، ومع ذلك علينا مواجهة سوق لا يهمه شيء سوى الربح".
 

شبكة نفوذ واحتكار

خلال السنوات الماضية، تحوّل قطاع الدواء في إيران من منظومة تُعنى بالصحة العامة إلى ساحة تتنافس فيها مجموعات مرتبطة بالسلطات، تجني أرباحاً ضخمة عبر الاحتكار والامتيازات. وفي حين تُنسب أزمة الدواء ظاهرياً إلى العقوبات، تكشف الوقائع أن جزءاً كبيراً منها ناتج عن قرارات متعمدة من جهات تتحكم في استيراد الدواء وإنتاجه وتوزيعه. 

هذه الجهات، عبر خلق نقص مصطنع، والاحتكار، وتحويل الدواء إلى السوق الحرة أو السوداء، بل وحتى إنتاج أدوية منخفضة الجودة، لم تكتفِ بتعريض صحة الناس للخطر، بل استغلت الأزمات لزيادة أرباحها. 

أما جذور هذا النظام الريعي، فترتبط مباشرة بسياسات السلطة. فقد تحوّل تخصيص العملة لاستيراد الدواء إلى وسيلة لنهب الموارد العامة، حيث حصلت شركات مقربة من النظام على ملايين الدولارات من العملة التفضيلية دون أن تستورد الدواء، أو استوردته ثم باعته بأسعار مضاعفة في السوق الحرة أو السوداء. وفي المقابل، كان المرضى يقفون في طوابير للحصول على أبسط الأدوية، أو يُجبرون على دفع مبالغ تفوق قدرة الأسر المتوسطة. 

ولا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه هيئة الغذاء والدواء، التي يفترض أن تكون جهة رقابية، لكنها تحولت إلى مركز لاتخاذ قرارات تخدم مصالح سياسية واقتصادية. فتصاريح الاستيراد، وتحديد الأسعار، وتخصيص العملة، واختيار الشركات المنتجة، جميعها بيد دائرة ضيقة داخل الهيئة، تُتخذ قراراتها وفقاً لمصالح خاصة لا وفقاً لاحتياجات المجتمع. 

هذه السلطة الواسعة فتحت الطريق أمام الشركات التابعة لمؤسسات حكومية، وألغت أي منافسة عادلة. وفي النهاية، يبقى الأطفال بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة واحتياجاً للأدوية، أكبر الضحايا في هذه المنظومة التي تقدّم الربح على صحة الإنسان.
 

أطفال إيران… أول ضحايا القرارات

تقول طالبة الصيدلة محدثة. م إنّ "الأطفال في كل دول العالم يُعاملون كأولوية في الرعاية الصحية والحصول على العلاج، لكن في بلدنا كانوا دائماً أول من يتحمّل تبعات قرارات السلطة. قبل اندلاع الحرب، كانت المشكلة الأساسية هي نقص المواد الأولية الجيدة لإنتاج الدواء، ما جعل الأدوية المتوفرة رديئة بطبيعتها، ورغم ذلك كانت العائلات مضطرة لدفع مبالغ كبيرة للحصول حتى على هذه الأدوية منخفضة الجودة".

وأضافت "منذ بدء الحرب، دخلت الأزمة مرحلة أخطر. فإلى جانب انخفاض جودة المواد الأولية وارتفاع الأسعار، نواجه اليوم غياب الدواء نفسه، بل وتحوله إلى سلعة تُباع لمن يدفع أكثر. وفي هذا الوضع، يكون الأطفال أول من يتضرر؛ فهم لا يستطيعون تحمّل نقص الدواء، وأي تأخير بسيط في علاجهم قد يخلّف آثاراً لا يمكن تعويضها".

وخلال الأشهر الأخيرة، وصل نقص الأدوية الخاصة بالأطفال في إيران إلى مستوى مقلق. فالتقارير الميدانية من الصيدليات والعائلات تشير إلى أن عدة فئات من الأدوية الحيوية والمنقذة لحياة الأطفال أصبحت نادرة أو مفقودة تماماً من السوق. 
 

تجربة أم مع نقص حليب الأطفال

تقول (رودابه. ك)، وهي أم لطفل يحتاج إلى نوع من الحليب المجفف والذي لا يتوفر إلا قليلاً "أطعم طفلي حليب مجفف غير متوفر في أي صيدلية تقريباً. صيدليتان فقط قالتا إنهما تستطيعان توفيره، لكنهما طلبتا سعراً يفوق قيمته الحقيقية بخمسة أضعاف؛ إذ يبلغ سعره ما بين خمسة إلى ثمانية ملايين تومان للعلبة الواحدة. وبعد عناء طويل، تمكنت من العثور عليه في مدينة كلار واشتريته بسعر مناسب. لكن عند وصولي إلى الحدود، أخبروني أن إدخال حليب الأطفال ممنوع، فصادروا العلب ومنعوني من العبور. نحن عاجزون عن إيجاد ما نحتاجه داخل البلاد، ولا يسمحون لنا بجلبه من الخارج، وكأنهم يدفعوننا دفعاً لشراء غذاء طفلنا البريء من السوق السوداء بأسعار خيالية".

تكشف رواية رودابه. ك أن السلطات، من خلال خلق ضغوط متعمدة ونقص مصطنع وقيود محسوبة، قد بنت حول الناس حلقة حصار دوائي تُجبرهم على شراء الأدوية والمنتجات الحيوية بأسعار مرتفعة وتحت رقابة مشددة. وفي النهاية، فإن أزمة الدواء في إيران هي نتيجة مباشرة لبنية سلطوية ضحّت بصحة الناس لسنوات طويلة من أجل مصالحها، بنية تقوم على حياة شعبٍ يجد نفسه يومياً ضحية لأساليب جديدة من سعي النظام الإيراني المحموم وراء السلطة.