إيران... ضغوط المعيشة تدفع النساء للاختيار بين صحتهن ونفقاتهن الأساسية

في منزل صغير على أطراف إحدى المدن الإيرانية، تُجبر مريم. ف كل شهر لاتخاذ قرار يتعلق بكيفية استهلاك منتجات النظافة الشخصية قبل أي نفقات أخرى، وهو قرار يبدو بسيطاً لكنه يترك أثراً مباشراً ويضع أحياناً ضغطاً على صحتها.

مينا سلامي

مركز الأخبار ـ تشهد العديد من المدن الإيرانية ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الضروريات الأساسية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الصحية والمعيشية بين النساء، حيث باتت الاحتياجات المرتبطة بالصحة الشخصية مهددة بالتهميش وسط ضغوط متزايدة على جودة الحياة اليومية.

لم يكن الزقاق قد استيقظ بالكامل بعد، إذ كان ضوء الصباح الخافت يتسلل عبر المباني المجاورة منعكساً على الجدران الرطبة، بينما يسود المكان صمت شبه تام لا يقطعه سوى صوت باب يُفتح أو مرور أحد الجيران بين فترات متباعدة، في هذه الأجواء فتحت مريم. ف الباب بحركة توحي بأنها لا تزال بين حالتي النوم واليقظة غير أن تشتت ذهنها بدا واضحاً منذ اللحظة الأولى، إذ كان منشغلاً بما يتصل بالحسابات والدفاتر التي بدأت يومها معها فعلياً.

تبلغ مريم. ف من العمر 32 عاماً وتعمل في قطاع الخدمات، لكنها لا تقدم معلومات تفصيلية حول طبيعة عملها، مكتفية بالقول إنها "تذهب حيثما يوجد عمل" ومع ذلك فإن حديثها عن وظيفتها لا يتركز على طبيعة المهام أو مستوى الدخل، بل على إدارة جانب لم يكن مطروحاً في السابق على حد تعبيرها.

وأشارت إلى أن هذه الجوانب لم تكن تشكل مصدر قلق في الماضي، إذ كانت الحياة أكثر استقراراً، ولم تكن مثل هذه التفاصيل جزءاً من التفكير اليومي، أما الآن فتقول إنها مجبرة في بداية كل شهر إلى مراجعة عدد الطرود المتبقية لديها، وتقدير مدى قدرتها على الاستمرار ومتابعة ما قد يطرأ من تغيرات.

لم يعبر حديثها عن حماسة أو تذمر، بل اتخذت طابعاً توصيفياً هادئاً لأمر بات جزءاً من روتينها اليومي، توقفت لثوانٍ قصيرة وألقت نظرة إلى داخل المنزل، ثم واصلت حديثها موضحة أنها تضطر أحياناً إلى تقليل استخدام الفوط الصحية، لاسيما في الأوقات المتأخرة من اليوم خشية نفادها قبل نهاية الشهر، مشيرةً إلى أن هذا الاحتمال يضعها في موقف لا تعرف كيفية التعامل معه إذا حدث بالفعل.

وتطرقت مريم. ف إلى هذا الحديث بنبرة عادية تماماً، كما لو أنه لا يتصل مباشرة بالجسد أو بالصحة، وهو ما يجعل هذه النبرة نفسها عنصراً دالاً في القصة، إذ تكشف عن تحول الحاجة الأساسية إلى مسألة يومية تُدار بشكل براغماتي، لا باعتبارها شاناً صحياً أو شخصياً فحسب بل بوصفها جزءاً من ضغوط الحياة المعيشية.

وعن النفقات المعيشة، بما في ذلك الإيجار والطعام والفواتير، قالت عنها بترتيب واضح ومن دون تردد، كما لو أنها مرتبة في ذهنها منذ فترة طويلة ولا تحتاج إلا إلى مراجعتها عند الضرورة "أن الإيجار يأتي في مقدمة الالتزامات، يليه الإنفاق على الغذاء، ثم ما يتبقى من الدخل، إن وُجد يُخصص للاحتياجات الشخصية مثل زيارة الطبيب أو غيرها من المتطلبات الأساسية".

وتوقفت عند هذا الحد من الشرح، ليس إهمالاً بل لأن ما تبقى من المعنى يبدو بديهياً ولا يحتاج إلى تفصيل إضافي، مشيرةً إلى أن جسدها بدأ يتفاعل مع الضغوط المتزايدة من خلال الشعور المتكرر بالتهيج وعدم الراحة، إلا أنها كانت تعود سريعاً إلى موضوع التكاليف، في إشارة إلى أن الجانب الجسدي والجانب الاقتصادي ليسا منفصلين في تجربتها، بل يرتبط أحدهما بالآخر ارتباطاً مباشراً.

في ختام حديثها، لم تُضف مريم. ف أي تفاصيل إضافية بل توقفت لبرهة قصيرة، كما لو أنها غير متيقنة من جدوى الإفصاح عما قالته أو من إمكانية أن يُحدث ذلك فرقاً، وما إن أُغلق الباب حتى عاد الزقاق إلى حالته المعتادة، صمت الصباح ذاته وحركة المرور الخفيفة نفسها، غير أن الموضوع الذي طرح داخل هذا المنزل لا يبقى محصوراً بين جدرانه.

وفي نهاية المطاف، لا تمثّل قصة مريم تجربة فردية فحسب، بل تُعد أيضاً مؤشراً على ضغوط أوسع تواجهها العديد من النساء في حياتهن اليومية، فقد أدت الزيادات المستمرة في تكاليف الضروريات إلى إعادة ترتيب الأولويات، حتى باتت الاحتياجات الصحية الأساسية نفسها عرضة للتهميش، وهي قضايا غالباً ما تترك في دائرة المسكوت عنه، بعيداً عن أنظار الجمهور.
 

"فقر الدورة الشهرية"

ويشير الخبراء إلى هذا الوضع بمصطلح "فقر الدورة الشهرية" وهو الحالة التي يصبح فيها الوصول إلى المنتجات الصحية محدوداً بسبب ارتفاع تكلفتها ما يدفع النساء إلى تعديل أنماط استهلاكهن لتتناسب مع الإمكانات المتاحة، غير أن هذا المفهوم رغم تداوله في الأديبات المتخصصة لا يجد مقابلاً واضحاً في اللغة الدارجة؛ إذ لا يُستخدم كمصطلح، بل يظهر في شكل سلسلة من القرارات الصغيرة والمتكررة التي تُتخذ كل شهر، قرارات تبدو غير مرئية في ظاهرها، لكنها تترك أثراً مباشراً في تفاصيل الحياة اليومية.

وتقول طبيبة أمراض النساء (رزا. ى) عن الآثار الصحية المترتبة على هذا الوضع، إنه عندما تطول الفترات الفاصلة بين تغيير المنتجات الصحية، تتوفر بيئة مناسبة لنمو الميكروبات، الأمر الذي قد يؤدي إلى التهابات متكررة، وقد يتسبب في بعض الحالات بمشكلات صحية طويلة الأمد، مؤكدةً أن جوهر المشكلة لا يكمن في حدوث هذا السلوك بشكل عارض أو متقطع، بل في تكراره المستمر وما يترتب عليه من مخاطر تراكمية.

ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يُؤدي إلى عواقب وخيمة على الصحة البدنية والنفسية للمرأة، بدءاً من ازدياد حالات العدوى والمشاكل الصحية وصولاً إلى الإجهاد والإنهاك الناجمين عن إدارة النقص المستمر، في الواقع، لم تعد هذه المسألة مجرد خيار شخصي، بل أصبحت قضية اجتماعية وصحية.

في مثل هذه الظروف، يبدو أن دور المؤسسات المسؤولة في مجال الصحة العامة أصبح أكثر بروزاً من ذي قبل، بما في ذلك تسهيل الوصول إلى المنتجات الصحية وتخفيف الضغط الاقتصادي، بحيث لا تُجبر أي امرأة على الاختيار بين النفقات اليومية وصحتها أو دفع ثمن هذا الضغط في صمت.