عام على كمين "البراق"... من توتر الجامعات إلى اتساع دائرة العنف في سوريا

شهدت سوريا خلال عامٍ مضطرب سلسلة أحداث متصاعدة بدأت بتوترات داخل الجامعات، وامتدت إلى ريف دمشق والسويداء، لتتحول إلى موجة عنف واسعة تركت عشرات الضحايا ورسخت شعوراً عاماً بانهيار الأمن.

روشيل جونيور

السويداء ـ في ربيع عام 2025، عقب انتشار تسجيل صوتي نسب إلى أحد مشايخ مدينة السويداء السورية، وتضمن إساءة دينية، تبين لاحقاً أنه مفبرك من قبل جهاديي هيئة تحرير الشام، وقد أدى انتشار التسجيل على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الافتراضي إلى حالة من الاحتقان والتوتر، انعكست بشكل واضح داخل السكن الجامعي.

خلال تلك الفترة، سجلت حوادث توتر داخل المدن الجامعية شملت مشادات كلامية واعتداءات لفظية وجسدية طالت طلاباً دروز من السويداء، وفق شهادات طلاب تحدثوا عن تعرضهم للضرب والإهانات. وتشير روايات طلابية إلى أن الأجواء داخل بعض المرافق الجامعية شهدت تصعيداً سريعاً، تخللته حوادث اعتداء فردية، من بينها طعن أحد الطلاب وإصابة آخرين.

وعلى خلفية هذه الاعتداءات غادر طلاب مدينة السويداء السكن الجامعي، وسط حالة من التوتر المتصاعد، وتشير شهادات الطلاب إلى أن المغادرة جاءت نتيجة شعور متزايد بانعدام الأمان والخوف على سلامتهم، في ظل حوادث اعتداء وتوترات متكررة داخل البيئة الجامعية.

وفي سياق متصل، انتقل التوتر بعد عدة أيام إلى مناطق ريف دمشق التي تضم الدروز، ومنها جرمانا والأشرفية وصحنايا، حيث سادت أجواء من الاحتقان وتزايدت الشائعات، ترافق ذلك مع حوادث عنف متفرقة وتوترات أمنية.

شهدت مناطق الأشرفية وصحنايا وجرمانا في المرحلة اللاحقة سلسلة من حوادث العنف التي أدت إلى سقوط عدد من الضحايا، قُدر بين 50 و100 قتيل، إضافة إلى اعتداءات جسدية متفرقة. ومع استمرار التوتر، خرجت مجموعات من شباب مدينة السويداء باتجاه مناطق الاحتكاك التي شهدت توتراً بين الدروز في ريف دمشق، استجابةً لنداءات "الفزعة"، إلا أن هذه المجموعة تعرضت لكمين نفذه جهاديي هيئة تحرير الشام على طريق براق، الواقع بين دمشق والسويداء، ما أسفر عن مقتل 47 شاباً.


الفزعة التي تحولت إلى مأساة

راقية الشاعر، الناشطة السياسية في السويداء، قالت في مثل هذا اليوم من العام الماضي تم استهداف شباب من السويداء بعدما لبّوا نداء "الفزعة" للدفاع عن أهلهم في الأشرفية وصحنايا وجرمانا، والتي كانت، بحسب وصفها، تتعرض لهجوم من قبل جهاديي هيئة تحرير الشام، ومن جهات تُسمى بالأمن الداخلي.

وتضيف أن الكمين الذي وقع في 30 نيسان/أبريل 2025، أسفر عن مقتل 47 شاباً من السويداء أثناء قيامهم بواجبهم في الدفاع عن أهلهم، مشيرة إلى أن الضحايا لم يكونوا فقط من شباب السويداء، بل أيضاً من المدنيين في صحنايا والأشرفية وجرمانا، من نساء وأطفال وشيوخ، إضافة إلى الشباب الذين هبّوا للدفاع عن أرضهم وكرامتهم، ليصل عدد الضحايا في تلك المجازر إلى أكثر من مئة قتيل.

وتشير إلى أن لحظة استلام جهاديي هيئة تحرير الشام السلطة في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، كانت في نظرها بداية الانهيار لسوريا الجديدة، بعد سنوات من الانهيار في عهد النظام السابق. فمنذ ذلك التاريخ، كما تقول، بدأ "شلال الدم" من الساحل السوري حيث وقعت مجازر عديدة لا يزال عدد ضحاياها غير معروف بسبب استمرارها وتعتيمها إعلامياً، ثم امتدت هذه الأحداث إلى السويداء في تموز/يوليو 2025، حيث قُتل، وفق روايتها، أكثر من خمسة آلاف شخص، دون إمكانية توثيق الأعداد بدقة بسبب عدم القدرة على الوصول إلى جميع الجثامين نتيجة سيطرة الجهاديين.

وتلفت إلى أن هذه السلطة جاءت "عبر صفقة سياسية، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف نزيف الدم في سوريا"، معتبرة أن الفكر الذي تحمله هذه السلطة هو فكر إقصائي يعتمد على العنف ضد كل من يختلف معها مذهبياً أو عقائدياً.


"الشخص الذي فبرك التسجيل لا يزال حراً"

وتعود راقية الشاعر إلى سبب الأحداث، فتقول إن كل ما جرى بدأ من "تسجيل صوتي مفبرك"، اعترف صاحبه لاحقاً بأنه غير حقيقي. ورغم ذلك، أدى هذا التسجيل إلى حملة تحريض واسعة ضد أبناء الطائفة الدرزية، بدأت من طلاب الجامعات، مروراً بأحداث جرمانا وصحنايا، وصولاً إلى مجزرة السويداء، مضيفة أن "الشخص الذي نشر التسجيل ما يزال حراً، ويقيم في تركيا، بل وزار سوريا والتقط صوراً مع شخصيات من السلطة، بينها وزير الثقافة".

وتختم راقية الشاعر حديثها بأن الحكومة المؤقتة تتحدث عن مشاريع تنموية واقتصادية، لكن الواقع "يشهد ازدياد الطوابير، ونقص المواد الأساسية، وغياب الخدمات، بينما يبقى الإنجاز الوحيد هو استمرار القتل وسفك الدماء، حتى باتت الأرض السورية عاجزة عن استيعاب المزيد من الدماء التي تُراق يومياً".

تظهر الوقائع التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة أن الدماء سفكت في أكثر من منطقة على أساس الهوية والانتماء، من مجازر الساحل التي طالت أبناء الطائفة العلوية، إلى مجازر السويداء التي استهدفت الدروز، مروراً بأحداث حيي الأشرفية والشيخ مقصود التي استهدفت الكرد، وصولاً إلى التفجيرات التي ضربت الكنائس مثل تفجير كنيسة الدويلعة.

وتعد هذه الأحداث جزءاً من سجل الانتهاكات التي تُنسب إلى الحكومة السورية المؤقتة والتي يعتبرونها مسؤولة عن استمرار دوامة العنف والانقسام في البلاد.