"8 مارس" علامة فارقة في تاريخ الصحافة النسوية بالمغرب

شكلت صحيفة "8 مارس" محطة بارزة في التعبير عن التصورات التي كانت تطرحها الحركة النسائية المغربية لتسليط الضوء على نضالهن من أجل حقوقهن ولتكون لسان حال المضطهدات والمظلومات والمهمشات.

رجاء خيرات

المغرب ـ تعتبر صحيفة "8 مارس" علامة فارقة في تاريخ الصحافة النسوية في المغرب، وتصدر بشكل أسبوعي عن اتحاد العمل النسائي، وقد واكبت نضالات الحركة النسائية المغربية وشكلت محطة مهمة في تاريخ الصحافة.

في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1983 أصدر اتحاد العمل النسائي بالمغرب صحيفة أسبوعية تهتم بقضايا النساء وتساهم في الدفاع عن حقوقهن الإنسانية، هذه الصحيفة التي أطلق عليها اسم "8 مارس" شكلت اللبنة الأولى للصحافة النسوية الجادة.

تقول الناشطة الحقوقية وعضوة اتحاد العمل النسائي سعيدة الوادي التي واكبت هذه التجربة منذ صدورها تحت شعار "من أجل حركة نسائية جماهيرية ديمقراطية تقدمية"، أن شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1983 شهد ميلاد أول صحيفة نسائية أصدرها اتحاد العمل النسائي وأطلق عليها اسم "8 مارس" بهدف نشر الوعي والاهتمام بقضايا النساء والدفاع عن حقوقهن الإنسانية، حيث انتشرت بسرعة فائقة، حتى تعدت كل التوقعات بعبورها كل مدن المغرب حتى وصلت مصر وتونس وبلدان أخرى.

وأشارت إلى أن الصحيفة تطلبت الكثير من الجهد، حيث انضمت العديد من الكفاءات النسائية عبر لجان عمل تشكلت في كل فروع الاتحاد في المغرب، وكانت الصحافيات مكلفات بتحرير المقالات وغيرها، وكن تجتمعن بشكل دوري (مرة في الشهر) لطرح المواضيع والقضايا والعمل عليها بمقرها بالعاصمة الرباط قادمات من مدن بعيدة.

وأكدت أن ظروف العمل لم تكن سهلة، حيث المدخول المادي للصحيفة لم يكن تغطي تكاليف الطبع والتوزيع، بحكم أن طبعها كان يتم من خلال المطبعة التابعة لجريدة "أنوال" آنذاك والتي تصدر عن الحزب اليساري المغربي "منظمة العمل الديمقراطي الشعبي" كما أن التعطش لتسليط الضوء على النضال النسائي من أجل حقوقهن وتتبع هذا المسار الذي كان يبعث الأمل لدى القادمات والذي كان أغلبهن من مكونات اليسار، مما جعل الصحيفة مطلوبة أكثر من غيرها حيث كانت تنفد بسرعة من السوق، لكونها لسان حال المضطهدات والمظلومات والمهمشات. 

وأوضحت أن القطاع النسائي التابع لمنظمة العمل الديمقراطي شكلت النواة الأولى لتأسيس صحيفة "8 مارس"، بل إنها لاقت دعماً كبيراً من مناضلي الحزب اليساري التقدمي (الرجال) الذين كانوا يساهمون فيها، بفضل وعيهم وإيمانهم بقضية المرأة. 

 

خلية نحل لا تكل ولا تمل

وبينت أن صحيفة "8 مارس" شكلت علامة فارقة في تاريخ الصحافة النسائية بالمغرب، محققةً انتشاراً واسعاً في المدن والقرى على حد سواء، واستطاعت كسر الحاجز بين نساء المدن ونساء القرى، من خلال خلق جسر للتواصل وإيصال صوت النساء ومعاناتهن والتعريف بقضاياهن الأساسية ومطالبهن المشروعة.

ونوهت إلى أن المناضلات داخل الفروع كن تعملن كخلية نحل (الكتابة، التوزيع، التنظيم وغيرها الكثير من الأمور) لكي تصدر الصحيفة وتنتشر في أوساط النساء وداخل المجتمع برمته، مخترقة كل الحدود والحواجز، كما أنها كسرت الصمت الذي فرض على النساء وجعلهن لا تقوين على البوح بمعاناتهن والمطالبة بحقوقهن الإنسانية.

وأكدت أنها وصلت إلى المدن والقرى وكانت النساء تنتظرن أعدادها الجديدة بفارغ الصبر للاطلاع على ما هو جديد في القضايا النسوية بالمغرب ونضالاتها، كما أنها فتحت المجال على صفحاتها لنساء عديدات للبوح بالمعاناة والاضطهاد الذي تتعرضن له، كما عرت العديد من التابوهات واستطاعت كسر جدار الصمت حول عدد من القضايا المسكوت عنها، وهو ما منحها إشعاعاً وطنياً، وشكلت بالفعل صوتاً لنساء لا صوت لهن.

ولفتت إلى أنه رغم انعدام المقرات وقلة الموارد وتطوع الصحفيات في تحرير الأخبار والمقالات والأعمدة، إلا أن الصحيفة شكلت محطة بارزة في التعبير عن التصورات التي كانت تطرحها الحركة النسائية آنذاك وهي لاتزال في بداياتها تتلمس طريقها نحو الترافع الجاد والهادف والمطالبة بتغيير القوانين كقانون مدونة الأحوال الشخصية والدفاع عن حقوق النساء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فضلاً عن الانخراط بقضايا المجتمع وتغيير العقليات والصور النمطية حول النساء.

 

الحاجة إلى إعادة إصدارها

وقالت إن صحيفة "8 مارس" توقفت عن الصدور في عام 1995 لأسباب مالية، لكن نضالات النساء داخل اتحاد العمل النسائي بقيت مستمرة إلى غاية اليوم، وبعض المكاسب التي حققتها الحركة النسائية كانت في مرحلة مشرقة من النضال بصمت.

وشددت على أن اجتماع المجلس الوطني الأخير للاتحاد كان من بين توصياته استئناف صدور صحيفة "8 مارس" في صيغة إلكترونية بشكل مهني يستجيب لواقع الإعلام الحالي ولمتطلبات الحركة النسائية، نظراً لكون الصحيفة وإسهاماتها لازالت مترسخة في وجدان الكثير من المناضلين/ات وحتى قراءها الذين عبروا في مناسبات كثيرة على الحنين لزمن الصحافة الجادة والهادفة التي تخدم قضايا المرأة والمساواة وحقوق الإنسان.

وفي ختام حديثها أكدت سعيدة الوادي، إن ما كان يميز هذه التجربة هي كونها نتاج لعمل دؤوب جمع كل القطاعات والفروع التي يتكون منها اتحاد العمل النسائي عبر المغرب، مما جعلها تغطي كل التراب الوطني وتصل إلى أكبر عدد من النساء، كصحيفة تدافع عن النساء وحقوقهن الإنسانية وتساهم في الدفع بتغيير القوانين المجحفة بحقهن، ورفع الظلم وإيصال أصوات العديد منهن عبر ربوع المغرب.