الاقتصاد النسائي في أفغانستان مسارٌ مستمر رغم كل التحديات

النساء في أفغانستان، رغم قرون من التهميش وتزايد القيود، لعبن دوراً أساسياً في اقتصاد الأسرة والمجتمع؛ وهو دور ما زال مستمراً حتى اليوم، حتى في أصعب الظروف، عبر أشكال جديدة من ريادة الأعمال والمقاومة.

بهاران لهيب

باميان ـ لعبت النساء في أفغانستان منذ العصور القديمة دوراً مهماً في اقتصاد الأسرة والمجتمع، رغم أن هذه الأدوار لم تسجل أو تُوثق في كثير من الفترات التاريخية.

في المجتمعات التقليدية، كانت النساء تشاركن بشكل رئيسي في الأنشطة المنزلية مثل النسيج، وصناعة السجاد، والزراعة، والحِرَف اليدوية، مسهماتٍ بشكل فعّال في الإنتاج ودخل الأسرة، ورغم أن هذه الأنشطة كانت تُصنَّف غالباً كأعمال غير رسمية، فإنها تُعدّ من الركائز الأساسية للاقتصاد المحلي.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أنه حتى في الفترات السابقة للإسلام، ثم خلال مختلف العصور الإسلامية، شاركت النساء في مناطق متعددة من أفغانستان الحالية في الإنتاج الزراعي والصناعات اليدوية، كما تُظهر المصادر المرتبطة بأبحاث طريق الحرير والاقتصاد المحلي أن النساء، خاصة على طول المسارات التجارية مثل هذا الطريق، كان لهن دور ملحوظ في إنتاج السجاد والسلع اليدوية التي كانت تُعرض في الأسواق الإقليمية والدولية.

ومن أوائل النماذج البارزة لدور المرأة الاقتصادي في تاريخ أفغانستان، يمكن الإشارة إلى شخصيات مثل رابعة البلخي (القرن الثالث إلى الرابع الهجري)، ورغم أنها تُعرف أساساً كشاعرة، فإن الحضور النشط للنساء في البلاط والمجالس الثقافية آنذاك يدل على مساهمتهن في تشكيل الاقتصاد الثقافي والاجتماعي.

في العصر الحديث، وخاصة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ومع الإصلاحات الاجتماعية، بدأت النساء تدريجياً بالحصول على فرص أكبر للمشاركة الاقتصادية، وخلال فترة الملكة ثريا (1919 ـ 1929)، بُذلت جهود واسعة لتعليم النساء وتمكينهن، مما مهّد الطريق لمشاركتهن في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، ويمكن اعتبار هذه المرحلة نقطة تحول في نمو ريادة الأعمال النسائية.

وتُظهر تقارير التنمية في أفغانستان خلال منتصف القرن العشرين أنه مع انتشار التعليم والتوسع الحضري، دخلت أعداد أكبر من النساء إلى سوق العمل، وقد نشطن في مجالات مثل التعليم، والصحة، والصناعات اليدوية، والتجارة الصغيرة، كما أن إنشاء ورش صناعة السجاد والحِرَف اليدوية من قبل النساء يُعد مثالاً على بدايات ريادة الأعمال في تلك الفترة.

وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، ورغم الحروب الطويلة في أفغانستان منذ عام 1979، لم تُستبعد النساء من المشهد الاقتصادي، بل إن كثيرات منهن أصبحن المعيل الأساسي لأسرهن، ففي ظل عدم الاستقرار، أسهمن في بقاء أسرهن اقتصادياً من خلال إطلاق مشاريع صغيرة مثل الخياطة، وبيع المنتجات المنزلية، والحِرَف اليدوية.

وبعد عام 2001، ومع زيادة الدعم الدولي والاهتمام بتمكين المرأة، توفرت فرص أكبر لريادة الأعمال النسائية، وقد أطلقت منظمات محلية ودولية برامج لتدريب النساء على مهارات الأعمال، وتسهيل وصولهن إلى الأسواق، وتقديم الدعم المالي لهن، وخلال هذه الفترة، تمكنت النساء من تأسيس شركات ومؤسسات ومشاريع مستقلة، وأصبحن يُعرفن كرائدات أعمال ناجحات.

ومع سيطرة حركة طالبان على السلطة ومنع النساء من العمل خارج المنزل، لا تزال النساء في أفغانستان يؤدين دوراً بارزاً وتواصلن نشاطهن في مجالات مختلفة، ولطيفة إقبالي واحدة من هؤلاء النساء، إذ قامت بإنشاء متجر لبيع مستلزمات النظافة والتجميل الخاصة بالنساء في مدينة باميان.

وتقول "عندما توقفت عن الدراسة، بقيت في المنزل بلا عمل، وكلما طال بقائي دون عمل، ازداد توتري. فقررت أن أفتح متجراً على الأقل لأشغل نفسي".

وتوضح كيفية استثمارها في متجرها بالقول "حصلت على قرض من مؤسسة تعمل في باميان، ولدى هذه المؤسسة برنامج صندوق يقوم على جمع (50 أو 100) أفغاني من النساء، وبعد فترة، يضيفون من طرفهم مبلغاً إلى ما تم جمعه، وأنا أيضاً اقترضت من هذه المؤسسة وبدأت الاستثمار برأس مال بسيط".

وتؤكد لطيفة إقبالي على ضرورة أن تبدأ النساء بمشاريعهن الخاصة لأنه "يمكنهن العمل حتى من داخل المنزل"، ويمكن البدء بأشياء بسيطة جداً، من الحياكة اليدوية إلى أي عمل آخر، فالمهم كما تبين "ألا تبقين بلا عمل".

عندما تبقى المرأة دون عمل، يتزايد التوتر ويؤثر ذلك عليها حتى لو كانت صغيرة في السن، وهذا ما حدث معها "البقاء في المنزل يصيب الإنسان بالمرض ويزيد من الضغط النفسي".

وعن تجربتها الشخصية تقول "كنتُ سابقاً امرأة جريئة. لكن خلال أربع سنوات من البقاء في المنزل، عندما أتحدث يرتجف صوتي، وترتجف يداي، وكلما طالت فترة العزلة، ساءت هذه الحالة أكثر، لذلك على النساء في أفغانستان أن يبدأن من أي مكان ممكن، فهذا مفيد جداً لصحتهن النفسية".

ما تعكسه هذه الرواية هو استمرار الدور الحيوي للنساء في الاقتصاد الأفغاني، رغم القيود السياسية والهياكل الرسمية، فمن الأنشطة التقليدية إلى المشاريع الصغيرة الحديثة، تواصل النساء الكفاح من أجل البقاء والاستقلال والحفاظ على كرامتهن.

وتجارب مثل تجربة لطيفة إقبالي تُظهر أن العمل والمشاركة الاقتصادية لا يمثلان مجرد ضرورة مادية، بل هما أيضاً وسيلة للحفاظ على الصحة النفسية والهوية الشخصية والأمل في المستقبل.