مسيرة النشاط النسوي في السعودية (1)

يعيش المجتمع السعودي في نطاق منظومة مشددة من القوانين والأنظمة الاجتماعية المرتبطة بالدين والقبيلة، بحيث حولت العادات والتقاليد والتعاليم الإسلامية السلفية والنظام الأبوي إلى قوانين صارمة التطبيق.

المجتمع السعودي منظومة متشددة من الانظمة الاجتماعية والدينية

مركز الأخبار ـ  
ترتكز القوانين في المملكة العربية السعودية على أفكار الحركة الوهابية وتيار الصحوة، وتعمل بشكل مكثف على تعزيز النظام الأبوي في المملكة وهيمنة الرجل على المرأة، وإعطاءه الحق بالتحكم في جميع تفاصيل حياتها. 
لتسليط الضوء على قضية المرأة السعودية ومعرفة درجة نجاح محاولاتها لتغيير واقعها وموقعها في مجتمعها لا بد من معرفة وفهم البيئة التي تعيش فيها، منذ تأسيس الدولة، والتأثير المباشر والأساسي للمؤسسة الدينية على بنية المجتمع ومكانة المرأة فيه. 
وتختلط الممارسات الدينية بالعشائرية في السعودية ويرتبطان، حتى لا يكاد المرء يفرق بين التعاليم الدينية والعادات والموروثات العشائرية. 
تجذر الفكر المتشدد... الوهابية منذ تأسيس المملكة
يعود تاريخ التشدد في أمور الحياة وتطبيق الشريعة الإسلامية في السعودية إلى تأسيس الدولة السعودية الأولى أي قبل بزوغ تيار الصحوة بأكثر من 235 عاماً، بدأ ذلك عندما أعلن الأمير محمد بن سعود آل مقرن مؤسس الدولة السعودية الأولى عام 1792، قبول أفكار محمد بن عبد الوهاب (مؤسس الفكر الوهابي المتشدد)، في نجد، واتفقا على إقامة دولة تحمل طابع القومية الدينية يقودها فكر محمد بن عبد الوهاب. 
الوهابية هي حركة سياسية سميت على مؤسسها محمد بن عبد الوهاب، سعت في بداية تأسيسها للقضاء على جميع مظاهر الشرك، مثل التبرك بالنبي والأولياء الصالحين وبناء الأضرحة، الذي كان منتشراً في شبه الجزيرة العربية، ثم أصدرت العديد من الفتاوى التي تكبل المرأة، وركزت على فصل الجنسين.  
بهذا التحالف سعت الدولة السعودية للحفاظ على الروح القبلية للدولة والتي تبقي النساء تحت سلطة الأقارب الذكور، وهذا الارتباط الديني المتشدد تسبب في عدم نهوض المرأة التي هي محور تطور المجتمع.  
خُصت المرأة في فكر الدولة (القومي الديني)، مثلما ركزت التيارات القومية والعلمانية والدينية عليها باعتبارها ركيزة أساسية في المجتمع رغم الاختلافات في الرؤيا والحلول والطموحات بين التيارات الثلاث.  
وعلى الرغم من التأثير الكبير للعقلية القبلية والعشائرية في المجتمعات العربية إلا أن هذا لا يعد سبب كافي لتوقف دور المرأة السعودية إذا ما قورنت بنظيرتها في الكويت أو عمان وجميع الدول الخليجية التي تتشابه مجتمعاتها وتتصل عشائرها بصلة قرابة عابرة للحدود بين دول الخليج العربي. 
وعلى الرغم من المستوى المتدني لمستوى حريات المرأة وقضايا الجنس في الدول الخليجية إلا أنها أكثر تحرراً إذا ما قورنت بالسعودية، لأنها لا تبني شرعيتها على أساس القومية الدينية، فيما تفعل السعودية ذلك وتخضع فيها النساء لمتطلبات سياسية قومية دينية، ويحملن مسؤولية بقاء المجمع التقي، وغرس فكر التصدي "للمؤامرة الغربية"، الساعية للقضاء على الدين، في عقولهن، باعتبار تحرر المرأة جزء أساسي من هذه المؤامرة المزعومة.
وبكل حيادية، وانصافاً للمرأة والمجتمع السعودي علينا القول بأن الفكر الوهابي غير عادات وتقاليد كافة المناطق السعودية وأسس بيئة خصبة لاحتقار المرأة، ورفع من شأن المرويات التي تؤسس لدونيتها مثل النساء ناقصات عقل ودين والمرأة عورة، وأكد على قوامة الرجل مؤسساً لنظام الولاية حتى وأن كانت المرأة هي صاحبة البيت والمال.
تقول المعارضة السعودية وأستاذة علم الإنثروبولوجيا الدينية في جامعة لندن مضاوي الرشيد في كتابها "الدولة الأكثر ذكورية" أن الوهابية ساعدت في ظل انتشار العادات القبلية على محاصرة النساء، والتفرقة بين الجنسين، وتضيف أن "حدود الإقصاء لا ترتبط بالإحياء الوهابي فحسب؛ أدى التفاعل بين الدولة والقومية الدينية والأشكال الثقافية والاجتماعية للنظام الأبوي إلى إرساء الأشكال القاسية للتهميش".  
اعتبرت المؤسسة الدينية أن نساء الصحراء بعيدات عن التدين بسبب انتشار الممارسات الدينية التي يدخل فيها الشرك والشعوذة مثل استحضار الأرواح وانتشار السحر، فارتأت المؤسسة الدينية تمكين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تلك المناطق.
وسحبت المؤسسة الدينية من رجال القبيلة الحق في معاقبة النساء المخطئات لكن ليس للدفاع عنهن بل لمعاقبتهن على طريقتهم، مثال على ذلك تبديل الأعراف بالعقوبات الدينية كاستبدال عقوبة جريمة الشرف والنفي للباغيات بإقامة الحد عليهن وهو الرجم.
لم يكن من السهل تقبل رجال القبائل فكرة التخلي عن حماية نسائهم وتوكيل الدولة بذلك بمساعدة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعلياً نقل تبعية المرأة والنظام الأبوي من القبيلة إلى الدولة. 
كذلك أفتي بتحريم صوت المرأة فأصبحن تحت سلطة علماء القرية بعد أن كن يؤلفن الأغاني ويهتفن بأصوات عالية لتشجيع الرجال قبل الغزوات التي كانت شائعة حتى عام 1930، والتضييق عليهن بعد أن كن مساهمات في الاقتصاد والرعي والنسيج والتبادل التجاري مع القرى. 
تصف سيدتين انكليزيتين زارتا واحات حائل في القرن التاسع عشر حياة نساء الأعيان والعامة في ذلك الوقت وترويان في كتابهما "رحلة في شمال الجزيرة العربية"، عن نساء يشعرن بالفخر لأنهن لم يغادرن منازلهن إلا عندما تزوجن، ويرتدين العباءات السوداء الطويلة لتمحو آثار اقدامهن من على الرمال.
ويشير الكتاب إلى نساء العبيد والعامة والبدويات اللواتي احتفظن بحريتهن وكن يظهرن في الأسواق والطرقات محجبات لكنهن غير مرتديات الخمار، وعملن في الرعي والحلب والطبخ في أماكن مكشوفة، حيث تربطهن صلات رحم مع شريحة واسعة من القبيلة، وساعد على ذلك أيضاً خضوعهن لأحكام القبيلة وقوانين الشرف المحلية، مع العلم أنهن لم يتمتعن بحقوقهن ويحرمن من الميراث ولا يؤخذ رأيهن في مسائل الزواج وغيرها.
بعد العام 1932 وحتى وقت قريب كان اقصاء النساء هو السمة الأساسية تحت مسمى "سد الذرائع"، وهو معتقد استباقي يُحرم الأعمال التي يظن أنها تؤدي إلى المفاسد والفوضى الأخلاقية، عمل على مراقبة احتشام النساء وأخلاقهن وامتثالهن الديني وبشكل عام ازدادت مراقبة الحياة العامة في الأسواق والشوارع والجامعات وجميع الأماكن حتى الأسرة كانت مخترقة من قبل الدولة الدينية.  
ظهور عرضي وتحديات التعليم
يعود أول جيل نسوي مثقف في السعودية إلى عام 1960، وقد استفاد من التعليم في البلدان العربية، حصلت المتعلمات على فرص عمل في مجالي التدريس والإدارات وبعد ذلك في الصحافة حيث كتبن في الصحف المحلية بأسماء مستعارة، وعملن أيضاً في الخدمات الطبية، ورغم أن أصواتهن لم تكن مسموعة إلا أنهن مثلن نواة مجتمع فكري نسوي. 
بين عامي (1932ـ1960) استطاعت مجموعة صغيرة من الفتيات تعلم الحروف (محو أمية)، والحساب، وتلقين دروساً في تحفيظ القرآن، مع العلم أن في هذه الفترة لم يكن تعليم الذكور أفضل حالاً، ولم يكن هناك مدرسين مختصين حيث كان شيوخ المساجد يشرفون على التدريس.  
أول مدرسة للإناث كانت باسم مدرسة الصولتية انشأتها هندية مهاجرة، عام 1874 وتعلمت فيها الفتيات القرآن بشكل سماعي فقط دون أن يتعلمن الحروف والكتابة.   
كان للملكين سعود بن عبد العزيز آل سعود الذي حكم البلاد ما بين عامي (1952ـ1962) وبعده فيصل بن عبد العزيز آل سعود حتى اغتياله عام 1975 دور مهم في النهوض بحقوق المرأة ولو بشكل بسيط، لكن على أساس أنهن ضعيفات وبحاجة إلى حماية ويشار إليهن دائماً على أنهن امهاتنا، اخواتنا، بناتنا، زوجاتنا، دون تمكينهن بشكل فعلي وحقيقي، باختصار يمكن توصيف ذلك بالرعاية الأبوية. 
ازدهر تعليم الإناث بشكل ملفت أثناء حكم الملك فيصل والذي كان مقتنعاً بأهمية تعليم الفتيات لذلك أرسل بناته للتعلم في سويسرا واعتُبرت زوجته "عفت بن ثنيان بن سعود"، العقل المدبر في توسيع نطاق تعليم الفتيات، بفضل دراستها في تركيا، وبعد زواجها من الملك فيصل أسست أول مدرسة سعودية لتعليم الفتيات في القرن العشرين باسم دار الحنان عام 1955، وقدمت المدرسة أنشطة ثقافية وإعلامية وغيرها، رغم المعارضة الشديدة التي ابدتها المؤسسة الدينية خاصة في نجد معقل التشدد وهي منطقة واسعة وسط السعودية وتضم مناطق من العاصمة والقصيم وسدير وشقراء والزلفي.
لم يكن تعليم الفتيات الزامياً بسبب المعارضة الشديدة التي ابداها المجتمع الذكوري وقال فيصل لوفد من رجال الدين زاره بغرض ثنيه عن قراه "إن الدولة ستفتح مدارس لتعليم الفتيات لكنها لن تجبر أحداً على ذلك".
بشكل عام تلقت بنات العائلة الملكية التعليم في القصر حيث استقدمت مدرسات من الدول المجاورة لتعليمهن اللغة العربية والعلوم والتاريخ.
وحثت بعض الكاتبات أمثال سارة بو حميد التي تلقت تعليمها في لبنان، وسميرة خاشقجي من خلال مقالاتهن في الصحف المحلية الأهل لإرسال بناتهم لتقي العلم لما لدور المرأة من أهمية في نهضة الأمة، وحتى عام 1970 لم تتعدى نسبة محو الأمية بين الاناث 2 بالمئة. 
كان الخطاب العام الداعي لتدريس الفتيات منصباً لهدف واحد وهو جعلهن زوجات مثاليات وأمهات أفضل، وأجبر المجتمع على تقبل ذلك بعد ازدياد ظاهرة زواج الرجال السعوديين من نساء غير سعوديات متعلمات، وبهدف استبدال المعلمات القادمات من دول الجوار بمعلمات سعوديات؛ لحفظ المجتمع من التغيير الذي حملته تلك المعلمات ذوات الثقافة المنفتحة نسبياً، ولأجل ذلك تأسست أول كلية للتربية في الرياض عام 1970 لهذا الغرض، وتبعها افتتاح عدة مؤسسات في مكة وجدة والدمام وغيرها. 
وافتتح التلفزيون السعودي عام 1962، وظهرت أول مذيعة على شاشة التلفاز وهي نوال بخش لكنها منعت بعد ذلك بسبب رفض مجتمعي واسع.
 
(سناء العلي)