تونسيون يحتجون رفضاً للوضع المعيشي المتردي والقمع
ندد المحتجون خلال وقفة نظمها حراك "نفس" بتدهور الأوضاع المعيشية وتصاعد القمع، مطالبين بضمان الحق في الماء والكهرباء وكشف حقيقة وفيات السجناء، وسط احتقان شعبي متزايد وانسداد سياسي يفاقم الأزمة في تونس.
تونس ـ دعت المشاركات في الاحتجاج إلى كشف حقيقة وفيات السجناء وضمان توفير حقوقهم الأساسية بالعيش الكريم، مؤكدات ضرورة حماية الحريات وإطلاق سراح معتقلي الرأي وسط احتقان اجتماعي متصاعد في تونس.
نظم "حراك نفس" أمس السبت الخامس من أيلول/سبتمبر، وقفة احتجاجية أمام الملعب الأولمبي بالمنزه بالعاصمة تونس، طالب خلالها المحتجون بتوفير أبسط مقومات الحياة الكريمة للشعب التونسي بعد15عاماً من الثورة التي لم يظل غير أسمها، ورفعت الأصوات خلال الوقفة الاحتجاجية بمشاركة مكونات المجتمع المدني ونشطاء مستقلين شعارات مطلبية وحقوقية عكست حجم الاحتقان الشعبي.
وردد المحتجون هتافات نددت بتصاعد القمع الأمني والسياسي، معبرين عن رفضهم للوضع المعيشي المتردي من خلال شعارات تطالب بالحق في الماء والكهرباء والعيش بكرامة.
كما ركزت الاحتجاجات على البعد الحقوقي والإنساني، حيث صدحت الحناجر بالمطالبة بكشف الحقيقة الكاملة حول ظروف وفاة السجناء، إلى جانب رفع شعارات تنادي بإطلاق سراح كافة معتقلي الرأي والمعتقلين السياسيين والصحفيين، منددين بما اعتبروه استمراراً لسياسات التهميش والقمع.
ولم تقتصر مختلف التحركات التي نظمها المجتمع المدني في تونس على المطالب الاجتماعية والمعيشية فحسب، بل نددت أيضاً بالتضييق الممنهج على الحريات العامة والفردية، وفي مقدمتها حرية التعبير والصحافة، عبر توظيف ترسانة قانونية وزجرية على غرار المرسوم 54 ومختلف المراسيم الأخرى التي ساهمت في تقييد الفضاء العام وخنق الكلمة الحرة في تونس.
وأكدت الناشطة في المجتمع المدني ناجية الورغي، أن المسيرة التي خرجت أمس كانت عفوية وممثلة لمختلف مكونات المجتمع المدني للتعبير عن رفض الواقع الكارثي الذي يعيشه التونسيون، مشيرةً إلى أن البلاد وصلت إلى حافة الهاوية في ظل أزمة غير مسبوقة منذ الاستقلال تتمثل في انقطاع المياه وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر عن جميع المجالات حتى بات المواطن يعجز عن إيجاد المياه الصالحة للشرب في فصل الصيف أو تبريدها.
وفي شهادتها حول ما وصفته بـ"الوضع الكارثي" داخل السجون، أوضحت أن عدداً من النزلاء يفقدون حياتهم عطشاً تحت وطأة الحرارة الشديدة لمجرد طلبهم شربة ماء، منتقدةً ما اعتبرته تعتيماً من وزارة الصحة وحجباً للأرقام الفعلية للوفيات "أن الرقم المعلن وهو 28 وفاة لا يعكس الواقع، المستشفيات وحدها قادرة على تقديم الحصيلة الحقيقية".
واختتمت حديثها بالتأكيد أن الأزمة تجاوزت أسوار السجون لتصل إلى الشارع، محذرةً من خطورة الوضع بعد أن شهدت بنفسها حالات إغماء لمواطنين في الشوارع هذا الأسبوع بسبب انعدام مياه الشرب.
الحراك يعكس غضب الشارع
بدورها أكدت المحامية منية إبراهيم، أن المشاركة في تحرك نفس يأتي ضمن سلسلة من الاحتجاجات الميدانية رداً على الانسداد السياسي غير المسبوق وتصاعد القمع والاعتقالات العشوائية التي طالت السياسيين، المدونين، الصحفيين، ورجال الأعمال.
وأشارت إلى أن هذا الحراك يعكس غضب الشارع من التدهور الاقتصادي والاجتماعي الحاد، حيث يعاني التونسيون من أزمات معيشية خانقة تصل إلى حد العجز عن توفير مياه الشرب للعائلات والأطفال، فضلاً عن تسجيل حالات وفاة في السجون نتيجة العطش وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما أكدته منظمات مثل منظمة الأطباء الشبان والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان.
وأشارت إلى أن اختيار الوقفة أمام الملعب الأولمبي بالمنزه جاء لكونه رمزاً للفشل الذريع وغياب المشاريع، متسائلة عن قدرة السلطة على إدارة شؤون البلاد إذا كانت قد عجزت عن صيانة ملعب رياضي لأكثر من ثلاث سنوات، ومحذرةً في الوقت نفسه من تداعيات غياب الرؤى الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
وخلال الوقفة، حضرت عائلة الشاب الراحل علاء، الذي توفي في السجن بعد إيقافه لأربعة أشهر دون استنطاق أو مكافحة، في وقت كان يمكن فيه التحقيق معه وهو في حالة سراح، لتتحول قضيته إلى دليل صارخ على ما وصفتها بالانتهاكات الخطيرة.
وعلى الصعيد القضائي والسياسي، تطرقت منية إبراهيم إلى ملف ما يسمى بـ"قضية التآمر"، منددةً بما وصفته بالتوظيف السياسي للقضاء بعد تعيين قاضية بالدائرة التعقيبية خلال العطلة الصيفية لإصدار قرار برفض الطعن وإغلاق الملف، مما أسفر عن أحكام قاسية بحق رموز المعارضة لمجرد ممارستهم حقهم الدستوري والقانوني في المعارضة السلمية.
واختتمت بالتأكيد على استمرار العائلات وهيئات الدفاع في المقاومة والمطالبة بالإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين، رافضةً أن يكون المواطن التونسي ضحية وقرباناً لفشل السلطة القائمة.
وتعيش تونس على وقع أزمة هيكلية عميقة ومخاض اجتماعي وسياسي متصاعد، اتسم بحالة غير مسبوقة من الاحتقان الشعبي والانسداد، فقد أدت السياسات الراهنة إلى شلل شبه تام في عدد من القطاعات الحيوية، وتجلت في أزمات خانقة مست أبسط مقومات العيش، على غرار الانقطاعات المتكررة والمتعاقبة للمياه الصالحة للشرب والكهرباء، والتي تزامنت مع تدهور حاد في القدرة الشرائية وغلاء المعيشة.
ولم تقتصر هذه الظرفية المأزومة على الجانب المعيشي والاقتصادي فحسب، بل رافقها تراجع خطير في مكاسب الحريات العامة والفردية؛ حيث تشهد البلاد تضييقاً ممنهجاً على حرية التعبير والصحافة عبر توظيف ترسانة قانونية وزجرية قيدت الفضاء المدني والسياسي، في ظل تنامي الاعتقالات وملاحقة النشطاء والسياسيين والصحفيين وآخرها الصحفي محمد اليوسفي، هذا المشهد القاتم عزز شعوراً عاماً بفقدان الوجهة وغياب الحلول الجذرية، مما دفع بقوى المجتمع المدني والمنظمات والشخصيات المستقلة إلى رفع الصوت عالياً عبر التحركات الميدانية المستمرة للمطالبة بإنقاذ البلاد ووقف سياسات التهميش وإطلاق سراح معتقلي الرأي والعودة إلى مسار يضمن للمواطن التونسي كرامته وحقه الأساسي في بيئة عادلة وديمقراطية.