خمس سنوات من الاستيلاء على السلطة... كيف صنعت المصالح الكبرى عودة طالبان؟
سناء العلي
إن فهم عودة طالبان لا يقتصر على طبيعة الحركة أو ضعف الدولة الأفغانية، بل يتطلب النظر إلى أفغانستان باعتبارها موقعاً استراتيجياً يقع عند تقاطع مصالح الصين وروسيا وإيران وباكستان والولايات المتحدة ومن هذا المنظور، يمكن قراءة ما حدث باعتباره جزءاً من إعادة توزيع للنفوذ أكثر منه مجرد نهاية لحرب طويلة.
ولهذه المصالح وخلال العقدين اللذين أعقبا سقوط طالبان عام 2001، حافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري وسياسي كبير في البلاد، ما منحها نفوذاً واسعاً قرب مناطق تعتبرها الصين وروسيا وإيران حيوية لـ "أمنها القومي" لكن مع مرور الوقت، تغيرت حسابات الأمريكي فقد أصبحت المنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أولوية استراتيجية، بينما أصبحت الحروب الطويلة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى عبئاً سياسياً وعسكرياً.
الصين تنظر إلى أفغانستان من خلال موقعها ضمن مشروعها الاقتصادي العالمي، إضافة إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بحدودها الغربية، فقد يمثل استقرار أفغانستان فرصة لربطها بمشاريع البنية التحتية والطاقة والتجارة في آسيا الوسطى، كما أنها تفضل وجود سلطة مركزية قادرة على ضبط الأراضي الأفغانية ومنع انتقال التهديدات الأمنية إلى أراضيها لذلك قبلت على مضض بسلطة طالبان فهي "طرف سياسي يجب التعامل معه وفق حسابات المصالح وليس التوافق الأيديولوجي".
فيما ترى موسكو أن خروج الولايات المتحدة من أفغانستان وهي الداعم الرئيسي للنظام السابق يمثل تراجعاً للنفوذ الأمريكي في منطقة كانت تاريخياً ضمن دائرة اهتمام روسيا الأمنية، ورغم المخاوف الروسية من الجماعات المتطرفة، فإن وجود حكومة أفغانية غير مرتبطة بالغرب قد يُنظر إليه باعتباره فرصة لتقليل النفوذ الأمريكي بالقرب من آسيا الوسطى.
أما باكستان فهي من أكثر الدول تأثراً بالتحولات الأفغانية بسبب الحدود الطويلة والعلاقات التاريخية مع مختلف الأطراف الأفغانية، وقد رأت أن وجود حكومة أفغانية غير معادية لها يخدم مصالحها الأمنية، خصوصاً في ظل التنافس الإقليمي مع الهند لكن العلاقة مع طالبان بقيت معقدة، إذ إن المصالح المشتركة لا تلغي وجود خلافات أمنية وسياسية.
وكذلك تعاملت إيران مع النظام الجديد في أفغانستان رغم الخلافات الأيديولوجية والسياسية بينهما، فطهران تعاملت مع عودة الحركة من منطلق براغماتي، مرتبط بأمن الحدود، واللاجئين، والتجارة، ومنع وجود جماعات معادية لها داخل أفغانستان.
الغطاء السياسي القطري
تُعد العلاقة بين قطر وحركة طالبان من أكثر الملفات إثارة للنقاش في السياسة الإقليمية خلال العقود الأخيرة فمنذ صعود طالبان في تسعينيات القرن الماضي، مروراً بمرحلة سقوطها بعد التدخل الأمريكي عام 2001، وصولاً إلى عودتها إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، برز اسم قطر باعتبارها طرفاً لعب أدواراً سياسية ودبلوماسية مهمة في التعامل مع الحركة.
ويدافع داعمي السياسة القطرية عنها بالقول أنها اختارت لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، لكن الحقيقة قطر وفرت لطالبان مساحة سياسية ودبلوماسية ساعدتها على تعزيز حضورها الدولي رغم أنها "حركة إرهابية".
بالعودة إلى أول سيطرة للحركة على البلاد في منتصف التسعينيات فقد استغلت الحركة حالة الفوضى التي أعقبت انسحاب القوات السوفيتية وانهيار الحكومة الأفغانية، وتمكنت من السيطرة على العاصمة عام 1996 وإقامة ما عُرف بـ "الإمارة الإسلامية".
في تلك المرحلة، كانت الدول التي اعترفت رسمياً بحكومة طالبان محدودة للغاية وأبرزها باكستان والسعودية والإمارات، أما قطر فلم تكن من الدول التي اعترفت رسمياً بحكومة طالبان الأولى، لكن الدوحة بدأت لاحقاً تلعب دوراً مختلفاً مع تغير الظروف الدولية.
كانت طالبان في ذلك الوقت مرتبطة بشبكات إقليمية متعددة، والدعم الذي تلقته يأتي أساساً من قنوات مرتبطة بالبيئة الأفغانية والباكستانية، وليس من قطر كدولة بشكل معلن، ولكن بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001 وسقوط نظام طالبان، انتقلت الحركة إلى العمل المسلح ضد القوات الأمريكية والحكومة الأفغانية الجديدة، مع مرور السنوات، أدركت الولايات المتحدة وحلفاؤها أن إنهاء الحرب يتطلب مساراً سياسياً، وبدأ البحث عن قنوات اتصال مع طالبان، وهنا برزت قطر باعتبارها دولة قادرة على استضافة الحوار بسبب علاقاتها مع مختلف الأطراف وعدم مشاركتها المباشرة في الحرب الأفغانية.
وكان افتتاح مكتب سياسي لطالبان في الدوحة عام 2013 محطة مهمة في تاريخ العلاقة فقد منح المكتب الحركة للمرة الأولى منذ سقوطها منصة سياسية رسمية للتواصل مع المجتمع الدولي مما منح طالبان شرعية سياسية وكأنها معارضة معتدلة يحق لها المطالبة بالعودة إلى السلطة، وفعلاً طالبان استغلت ذلك واعتبرت أن المكتب وسيلة لإظهار نفسها كطرف سياسي وليس مجرد جماعة مسلحة، كما سمح لها بإدارة اتصالاتها الخارجية بصورة أكثر تنظيماً.
وبلغ الدور القطري ذروته مع المفاوضات التي أدت إلى توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان في الدوحة عام 2020 والذي نص على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان مقابل تعهدات أمنية من طالبان، وفتح الطريق أمام المرحلة التي انتهت بسقوط الحكومة الأفغانية في آب/أغسطس 2021 وربما هذا الاتفاق هو من مهد لهذه العودة.
وبعد سيطرة طالبان على كابول أصبحت قطر من الدول القليلة القادرة على التواصل المباشر مع القيادة الجديدة، واستمرت في لعب دور الوسيط في ملفات إنسانية وسياسية، كما استضافت لقاءات مرتبطة بالملف الأفغاني، ولكن لم تعترف رسمياً بحكومة طالبان باعتراف دبلوماسي كامل، لكنها حافظت على قنوات اتصال مفتوحة معها، وهو نهج يشبه سياسة عدد من الدول التي فضلت التعامل مع الواقع الجديد بدل قطع العلاقات.