سوق كرماشان بعد الإضراب... ضغوط وإغلاقات وحرب نفسية تستهدف التجار

تلقى تجار كرماشان سلسلة من التحذيرات والغرامات الإدارية التي أفضت إلى إغلاق منشآتهم عقب مشاركتهم في إضراب منتصف أيلول/سبتمبر الماضي المتزامن مع ذكرى الانتفاضة الشعبية، وسط اتهامات من أصحاب المتاجر للسلطات بفرض ضغوط كيدية مبرمجة بسبب موقفهم الاحتجاجي.

سارة بورخزاري

كرماشان ـ مر أكثر من أسبوعين على الذكرى السنوية الرابعة للانتفاضة الشعبية في إيران ومقتل السلطات الإيرانية للشابة الكردية جينا أميني، حدث لا يزال جرحاً غائراً في الذاكرة الجماعية للشعب، ويُحيى ذكراه كل عام بأشكالٍ مختلفة من المقاومة المدنية.

في ذكرى الانتفاضة الشعبية في إيران والتي تصادف الخامس عشر من أيلول/سبتمبر، وجه التجار وأصحاب الأسواق دعوة لإضرابٍ عام إحياءً لذكرى مقتل الشابة جينا أميني وتجديداً لموقفهم الرافض للجمهورية الإسلامية، دعوةٌ لاقت تأييداً واسعاً من الأسواق في مختلف المدن، وأظهرت مجدداً أن الانتفاضة الشعبية لا تزال حاضرةً في المجتمع.

وفي منتصف أيلول/سبتمبر الماضي، أُغلقت الأسواق في العديد من المناطق الكردية إغلاقاً تاماً، وفي بعض الأماكن إغلاقاً جزئياً، ورغم محاولات الحكومة منع اتساع نطاع هذا الحراك، أصر التجار على قرارهم رافضين الخضوع للتهديدات والضغوط الرسمية، وكانت قد صدرت دعوات عدة قبل أيامٍ من المقاطعة، حاولت السلطات في المقابل تحييدها بالضغط على رؤساء النقابات، مهددةً بإغلاقها وإلغاء تراخيصها التجارية.

وعقب أيام قليلة من انتهاء الاحتجاج، أفادت تقارير محلية في كرماشان ببدء عملية إغلاق قسري للمحلات المشاركة فيه، وفي الأيام الأخيرة تلقى العديد من أصحاب الأعمال إنذارات خطية، يتعلق ظاهرها بمخالفات نقابية، لكنهم يعتقدون أنها في الواقع رد فعل انتقامي على إضراب منتصف الشهر، ووفقاً لهم ازداد وجود قوات الأمن في السوق بشكل ملحوظ منذ ذلك التاريخ، حيث يفرض الضباط غرامات باهظة ويهددون بإغلاق المحلات لأسباب واهية، بدءاً من ضوابط الحجاب وصولاً إلى أمور تنظيمية بسيطة.

 

الأختام والغرامات ضغوط على رجال الأعمال

تقول (ثريا. ب) صاحبة متجر بقالة بمدينة كرماشان والتي شاركت في الإضراب "خلال الأسبوع الماضي زار متجري أربعة من مسؤولي الضرائب على الأقل، ودون أي تفسير محدد اكتفوا بالقول إن عدة رجال ترددوا على متجري اشتكوا من طريقة لباسي كبائعة، وادعوا أنني أبيع البضائع بضعف السعر هذا مع أن معظم زبائني من النساء، ونادراً ما يدخل رجل إلى المتجر".

ومن جانبها تقول الصحفية (محبوبة. س) "إن محاولة الحكومة إغلاق متاجر كرماشان وفرض غرامات باهظة عليها خلال الإضرابات الأخيرة، تحت ذرائع مختلفة، لا تهدف إلا إلى هدف واحد: بث الذعر بين رجال الأعمال، وتوجيه رسالة تهديد مفادها أن أي دعم للاحتجاجات سيُقابل بقمع شديد".

 

نشر الشائعات لزعزعة الثقة في السوق

لكن الضغط على التجار لا يقتصر على الغرامات والأختام، إذ يقول بعض التجار إن موظفي الضرائب، عند زيارتهم يوجهون إليهم اتهامات بناءً على شكاوى من زملائهم أو المتاجر المجاورة، تتراوح بين المغالاة في الأسعار والبيع بأسعار منخفضة، وصولاً إلى إغلاق الطرق، ووفقاً لهم فقد وُجهت هذه الاتهامات في بعض الحالات دون تقديم أي وثائق أو تعريف بالشخص المُشتكي، مما زاد من انعدام الثقة بين التجار.

تقول (سهيلة. ر)، صاحبة محل لمستحضرات التجميل "يقع محلي على زاوية شارع كرماشان، وبعد الإضرابات، طلب مني عناصر الأمن تسليم تسجيلات كاميرات المراقبة، كنت قد أطفأت الكاميرا عمداً فقلت أنها معطلة، وأنها للزينة فقط، فأخبرني الضباط فوراً أن أصحاب محلات أخرى أفادوا بأنني طلبت منهم إطفاء كاميراتهم، وبعد حوالي خمسة أيام، أغلق عدد من الضباط محلي بتهمة بيع بضائع مهربة، على الرغم من أن جميع بضائعي إيرانية الصنع، بل وكنت أحتفظ بفواتير الشراء".

 

ضغوط متعددة المستويات

تُظهر سلسلة من الأحداث والقصص الأخيرة أن ضغوط الحكومة على قطاع الأعمال لا تقتصر على الغرامات والإغلاقات والتهديدات المباشرة، بل هي جزء من استراتيجية أوسع نطاقاً تهدف إلى خلق ضغوط فردية واستهداف التماسك الجماعي، فمن خلال استخدام أساليب متعددة المستويات بدءاً من تهديدات النقابات وصولاً إلى نشر الشائعات وبث الشكوك تسعى الحكومة إلى فصل قطاع الأعمال عن بعضه البعض وتحويل وحدته إلى انقسام.

ويهدف هذا السلوك إلى منع اندلاع المزيد من الإضرابات، وتُدرك الحكومة أن السوق باعتباره أحد الركائز الأساسية للاقتصاد والمجتمع، يُمكن أن يُصبح نقطة انطلاق لانتفاضة واسعة النطاق في أوقات الأزمات، كما أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن الضربة الأولى التي تُوجه للحكومة غالباً ما تأتي من السوق حيث لا يقتصر الإغلاق المُنسق للمتاجر على كونه رسالة سياسية قوية بل يُعطل التدفق الاقتصادي اليومي ويزيد من التكلفة السياسية للحكومة، ولهذا السبب ينبغي اعتبار الضغوط الأخيرة جزءاً من سياسة وقائية سياسة تسعى إلى ترهيب رجال الأعمال وزرع الشكوك في نفوسهم للحد من احتمالية اندلاع إضرابات واسعة النطاق في الأزمات المستقبلية، لكن التجارب السابقة أظهرت أن هذه الضغوط لم تمنع رجال الأعمال من الإضراب.