قصور مؤسسي مستمر ودعوات للاعتراف بقتل النساء كجريمة "خاصة"
في إطار حملة الـ 16 يوم لمناهضة العنف ضد المرأة، نظمت ديناميكية "بلدان مغاربية دون تقتيل النساء" ندوة حول قتل النساء، كشفت خلالها عن غياب الإحصائيات الرسمية وضعف التشريعات والحماية، ما يكرّس الإفلات من العقاب ويزيد من تفشي العنف.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ أكدت المشاركات بالندوة المُنظمة بالعاصمة تونس على تزايد جرائم قتل النساء عام تلو الآخر في تونس والجزائر والمغرب، مع غياب الاحصائيات الرسمية الذي يترجم وفق رأيهن غياب وعي الحكومات بخطورة هذه الظاهرة وصمتها عن تداعياتها الكارثية على المرأة.
دفع تزايد جرائم قتل النساء في تونس والجزائر والمغرب، المجتمع المدني النسوي للعمل على تقليصها والقيام بدراسات على غرار الدراسة التي قدمتها الديناميكيات النسوية أمس السبت 29 تشرين الثاني/نوفمبر في ندوة حول التعامل القانوني والاجتماعي والإعلامي مع جرائم قتل النساء في المغرب والجزائر وتونس والتي كشفت عن ثغرات كبيرة في التشريعات، وقصور مؤسسي مستمر في حماية النساء ودور متناقض للإعلام في تغطية جرائم قتل النساء.
الاعتراف القانوني بقتل النساء ضرورة
أفادت الناشطة المغربية النسوية سعيدة إدريسي، أنه في إطار الأيام الأممية لمناهضة العنف ضد المرأة، نظمت ندوة إقليمية بعنوان "بلدان مغاربية دون تقتيل النساء"، موضحةً أن النقاش ركّز على جرائم قتل النساء التي غالباً ما تبقى غير مرئية وغير معترف بها قانونياً، إذ لا تعتبرها التشريعات في البلدان المغاربية الثلاث جرائم خاصة تستهدف النساء لكونهن نساء.
وأوضحت أن الهدف من هذا اللقاء هو الدفع نحو اعتراف تشريعي ومجتمعي صريح بجرائم قتل النساء، بما يتيح جمع بيانات دقيقة حول حجم الظاهرة ويساعد على الحد من الإفلات من العقاب، مؤكدة أن التعامل معها لا يجب أن يكون كغيرها من جرائم القتل.
واستشهدت بتجربة كولومبيا التي سنت قانوناً خاصاً بجرائم قتل النساء، وحددت عقوبات تتراوح بين 20 و60 سنة سجناً عندما تكون الجريمة موجّهة ضد امرأة من قبل زوجها أو طليقها أو أحد أفراد العائلة أو السلطة.
وأضافت أن هذه الديناميكية الإقليمية تحمل بعداً تضامنياً وتعبوياً، يقوم على تبادل الخبرات والواقعيات المختلفة، باعتبار أن النساء في المنطقة يتقاسمن أشكالاً متشابهة من العنف، ما يستدعي مواجهة جماعية ومنسقة.
"لا حماية فعالة ولا إحصائيات رسمية لضحايا قتل النساء"
منية قاري، الناشطة في المجتمع المدني والمشرفة على إعداد الدراسة، أوضحت أن النتائج التي تم التوصل إليها في البلدان المغاربية الثلاثة أظهرت تفاوتاً في المعطيات، لكنها تبقى غير مطبقة عملياً، مشيرةً إلى غياب الإرادة السياسية الحقيقية للقضاء على العنف المسلط على النساء، في ظل مجتمعات ما تزال تبرر العنف الذكوري وتتسامح معه.
وأكدت أن هذه البلدان لا تمتلك نصاً قانونياً جزائياً خاصاً بجرائم قتل النساء، ما يدفع القضاة إلى تطبيق القوانين العامة على الجناة بغض النظر عن جنس الضحية. وأن هناك اختلافات بين الدول، ففي تونس يطبق القاضي أقصى العقوبات في حالات القتل، بينما في المغرب غالباً ما تُكيف القضية على أنها "عنف مؤدي إلى الموت". مشيرةً إلى أن تونس لا تعرف ما يسمى بجرائم الشرف، في حين أن بعض البلدان الأخرى ما تزال تقدم أعذاراً للقاتل، كما أن إمكانية الصفح وسحب الشكوى في تونس والجزائر تشجع على تكرار العنف وتزايده.
ولفتت إلى أن الدراسة كشفت عن غياب حماية فعالة للضحايا عند تقديم الشكاوى، إضافة إلى أن التغطية الإعلامية تميل إلى الإثارة عبر استخدام ألفاظ مثل "سكين"، "حرق"، "دماء"، مع البحث عن مبررات للجناة كحالة السكر أو المخدرات، أو تحميل الضحية مسؤولية ما حدث. كما أبرزت أن غياب الإحصائيات الرسمية يعكس تغييباً متعمداً للظاهرة، ويحول دون بناء سياسات قائمة على بيانات دقيقة.
وشددت منية قاري على ضرورة رفع مستوى التغطية الإعلامية، وتمكين الإعلام من معالجة الظاهرة بشكل جاد، مع تدريب الصحفيين وتشجيع الإعلام الاستقصائي في مجال جرائم قتل النساء، إلى جانب مطالبة الحكومات بإعداد إحصائيات رسمية دورية.
وفيما يتعلق بالأرقام المتوفرة عبر المجتمع المدني، أوضحت أنه تم تسجيل 27 جريمة قتل نساء منذ بداية العام وحتى تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مقابل 26 جريمة في السنة السابقة. أما في المغرب، فقد وثق المجتمع المدني ما لا يقل عن 50 جريمة في 2023، بينما سجلت النيابة العامة 65 جريمة، منها 16 حالة عنف مؤدي إلى الموت. وفي الجزائر، سُجلت أكثر من 20 جريمة خلال العام ذاته. وأكدت أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع الكامل للظاهرة.
واختتمت بالتأكيد على أن كل جريمة قتل امرأة تكشف عن حجم هائل من العنف الممنهج، وأن غياب الحماية الكافية للضحايا يعكس خللاً عميقاً في النظام القانوني والاجتماعي. كما أشارت إلى أن متابعة الظاهرة عبر وسائل التواصل أظهرت انتشار خطاب ذكوري يحمّل النساء المسؤولية، ويعتبر الرجال ضحايا لمجلة الأحوال الشخصية والقوانين التي تحمي النساء، وهو ما يعكس استمرار ثقافة التبرير والتطبيع مع العنف.
نحو مغرب عربي خالٍ من جرائم قتل النساء
وأكدت عضوة جمعية النساء الديمقراطيات نبيلة حمزة، على أن الهدف الأساسي يتمثل في بناء مغرب عربي خالٍ من جرائم قتل النساء، موضحة أن قتل النساء هو قتل متعمّد يستهدف النساء فقط لكونهن نساء، في ظل ثقافة أبوية بطرياركية تجعل المرأة الحلقة الأضعف في نظر المجتمع الذكوري.
وأشارت إلى أن هذه الظاهرة شهدت خلال السنوات الأخيرة تصاعداً خطيراً، رغم صعوبة تحديد ما إذا كانت الأعداد في تزايد أو تناقص، بسبب الغياب شبه التام للإحصاءات الرسمية في هذا المجال. مضيفةً أن "الحكومة في تونس لا تقوم بأي دور في جمع البيانات أو توثيق الحالات، ما دفع الجمعيات النسوية إلى تحمل هذه المسؤولية".
وأشارت نبيلة حمزة إلى أن سنة 2024 شهدت وقوع جرائم قتل أو اغتيال نساء فيما لا يقل عن 16 ولاية، مؤكدةً أن هذا الرقم ليس شاملاً ولا يعكس الحجم الحقيقي للظاهرة بسبب غياب الإحصاءات الدقيقة. موضحةً أن أسباب هذه الجرائم متعددة، لكنها جميعاً مرتبطة بالنظرة الدونية للمرأة، وغالباً ما يرتكبها الزوج أو الطليق أو الخطيب، وأحياناً الأب أو الأخ أو العم، لتتراوح الدوافع بين رفض الطلاق، الغيرة، أو النزاعات المتعلقة بالنفقة.
واختمت حديثها بالتأكيد على أن الحركة النسوية طالما نادت بسنّ قوانين صارمة لمواجهة هذه الظاهرة، مشيرةً إلى أن تونس تمتلك القانون عدد 58، غير أن المشكلة تكمن في غياب التطبيق الفعلي له، إضافة إلى نقص تكوين القضاة في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، مشددةً على أن الهدف من هذه الجهود هو إعداد خارطة جغرافية مغاربية توضّح أسباب وظواهر قتل النساء في تونس والمغرب والجزائر، بما يساهم في كشف حجم المشكلة والعمل على مواجهتها.
بيان نسوي مغاربي: لا مزيد من قتل النساء لمجرد أنهن نساء
وأكدت ديناميكية "بلدان مغاربية دون تقتيل النساء" في بيانها بأن العنف الذي تتعرض له النساء في المنطقة لا يمكن اعتباره مجرد حالات معزولة، بل هو متجذّر في منظومة اجتماعية تتسامح مع العنف الذكوري، وتبرّره، وتعيد إنتاجه باستمرار. فكلّ جريمة قتل تُرتكب بحق امرأة تكشف عن فشل المنظومة الحمائية، وعن غياب تعهّد مؤسساتي شامل وفعّال، كما تعكس الصمت المتعمّد لأصحاب القرار وتقاعسهم في مواجهة هذه الظاهرة. يأتي ذلك في سياق عالمي تُسجِّل فيه هيئة الأمم المتحدة للمرأة مقتل 137 امرأة أو فتاة يومياً على يد قريب، أي ما يعادل امرأة كل عشر دقائق.
وأضاف البيان "نحن الأصوات النسوية الموحّدة نطالب حكومات الجزائر والمغرب وتونس بالاعتراف بجريمة قتل النساء والفتيات باعتبارها جرائم تُرتكب بحق النساء فقط لكونهن نساء، وتسميتها بشكل صريح للدلالة عليها ورفع التستر عنها، مع تكريسها في القوانين الجزائية كجريمة خاصة ومستقلة عن جرائم القتل الأخرى، بما يتيح رصدها وتوثيقها ومتابعتها، وبلورة خطط وبرامج وقاية متواصلة ومكثّفة، إلى جانب توفير حماية فعّالة، متاحة ومنسّقة، ومدعومة بموارد بشرية ومالية كافية تضمن استدامتها ونجاحتها، وتوفير تكوين إلزامي ومستمر لجميع المتدخلين والمتدخلات، والمهنيين والمهنيات في مختلف القطاعات المعنية، بما يضمن استجابة فعّالة وسريعة ومنسّقة عند التعهّد بالضحايا، وتوفير حماية حقيقية للضحايا تقوم على تقييم المخاطر وإدارتها بما يضمن سلامتهنّ وأمنهنّ ويحول دون تعرّضهن للتقتيل، وإنشاء أنظمة رصد موثوقة لمتابعة جرائم قتل النساء بشكل متواصل، مع القيام بإحصائيات دورية ونشرها للعموم بما يضمن الاطلاع عليها ومساءلة الجهات المعنية".
وطالبت المؤسسات الدولية والمنظّمات غير الحكومية ذات الاختصاص بدعم المنظّمات النسوية المحلية الناشطة في مجال مناهضة العنف ضد النساء والفتيات، بما يضمن تعزيز قدراتها واستدامة تدخلاتها وتأثيرها في حماية حقوق النساء، وجعل جرائم قتل النساء أولوية في الحوارات التي تُدار، مع المطالبة بالتزامات واضحة، ملموسة، قابلة للقياس والمتابعة لضمان جدّيتها وفعاليتها.
وطالبت المجتمع المدني وتوثيق هذه الجرائم بشكل منهجي، والتنديد بها على جميع المستويات، مع تسليط الضوء عليها لضمان كشفها للرأي العام ومساءلة المسؤولين عنها، والعمل على إطلاق حملات توعية وتثقيف وتعبئة واسعة لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، بهدف كسر المبررات الثقافية التي تشرعن الهيمنة الذكورية وتعيد إنتاجها، وتعزيز التضامن وبناء شبكة نسوية إقليمية تُعنى بالرصد والإنذار والمناصرة، بهدف تحقيق الاعتراف القانوني والمجتمعي بجرائم قتل النساء والفتيات.
وطالبت وسائل الإعلام بالاعتراف بجرائم قتل النساء والفتيات بوصفها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تستهدف النساء لأنهنّ نساء، والتعامل معها بجدّية ومسؤولية في التغطية الإعلامية، ومعالجة جرائم قتل النساء بصرامة مهنية، ومسؤوليّة وأخلاقية عالية، باعتبارها ظاهرة اجتماعية خطيرة، مع ضرورة وضعها في السياق الأوسع للعنف المسلّط على النساء والفتيات، والمساهمة بفعالية في تغيير العقليات ومكافحة ثقافة الإفلات من العقاب والتطبيع مع العنف، وذلك عبر إنتاج محتويات تُدين العنف الذكوري، وتقرّ بالمساواة وتسعى إلى إحداث وعي مجتمعي شامل، وتشجيع الإعلام الاستقصائي على التخصّص في جرائم تقتيل النساء والفتيات، بهدف الكشف عنها ورصدها ومتابعتها بشكل منهجي، بما يساهم في إنارة الرأي العام وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطرها.
وتُؤكد ديناميكية "بلدان مغاربية دون تقتيل نساء" عزمها الراسخ على محاربة ظاهرة قتل النساء والفتيات بجميع الوسائل المتاحة، ومواصلة النضال الجماعي من أجل ألاّ تُقتل أي امرأة أخرى لمجرّد كونها امرأة.