نساء يحرسن الحكاية... أمسية ثقافية نسوية تستعيد التراث الفلسطيني
بين أغنية شعبية وثوب مطرز وحكاية ترويها الجدات، استعادت نساء في غزة جزءاً من ذاكرتهن الثقافية خلال أمسية "نساء يحرسن الحكاية"، في محاولة لخلق مساحة للقاء والتمسك بالتراث الفلسطيني رغم آثار الحرب.
رفيف اسليم
فلسطين ـ تحولت أمسية "نساء يحرسن الحكاية" إلى مساحة تلتقي فيها النساء حول الذاكرة الفلسطينية، من الأغنية والمثل الشعبي إلى الثوب المطرز والدبكة والحكاية، في محاولة لاستعادة تفاصيل الحياة الثقافية التي تعرضت للتهميش والدمار خلال الحرب.
تحت شعار "نساء يحرسن الحكاية"، نظم ملتقى سيدات فلسطين الثقافي مساء أمس السبت الثالث من تشرين الأول/أكتوبر، أمسية ثقافية وفلكلورية وتراثية فلسطينية، في فعالية نسوية هدفت إلى الاحتفاء بالتراث الفلسطيني واستعادة تفاصيله من خلال الأغاني والأمثال الشعبية والدبكة والفنون المختلفة، وسط حضور نسوي لافت.
وجاءت الأمسية انطلاقاً من رؤية الملتقى بأن الحكاية الفلسطينية تتجسد في حضور النساء وصمودهن، وفي الإرث الثقافي الذي حافظن عليه ونقلنه من جيل إلى آخر، ليبقى حاضراً في الذاكرة وممتداً نحو المستقبل.
من النساء إلى النساء
وعلى هامش الأمسية الثقافية قالت فاتن حرب رئيسة ملتقى سيدات فلسطين الثقافي، إن هذه الأمسية تمثل أولى فعاليات الملتقى منذ انطلاقته، وتحمل خصوصية كونها فعالية "من النساء إلى النساء"، وتتضمن فقرات فنية متنوعة، من بينها الأغاني التراثية، والأمثال الشعبية، والدبكة، إلى جانب مسابقات وفقرات أخرى مرتبطة بالهوية الفلسطينية.
وأوضحت حرب أن الفعالية تأتي بعد حرب خلفت دماراً واسعاً، لافتةً إلى أن النساء أردن "الخروج من تحت الركام إلى البناء"، وخلق مساحة تلامس الواقع الفلسطيني وتحافظ على التراث في مواجهة محاولات طمس الهوية الثقافية.
وأضافت أن استهداف المراكز الثقافية والأماكن الأثرية خلال الحرب زاد الحاجة إلى حماية الموروث الفلسطيني واستعادته، مشيرة إلى أن الأمسية لا تقتصر على الجانب الثقافي، وإنما توفر أيضاً مساحة للتفريغ النفسي للنساء، اللواتي يحتجن إلى لحظات للفرح واللقاء واستعادة رموزهن الفلسطينية.
وتزينت المشاركات بالأثواب الفلسطينية المطرزة والكوفية، في مشهد استحضر عناصر من الذاكرة الشعبية والتراثية الفلسطينية.
التراث في تفاصيل الحياة
من جانبها، قالت الناشطة المجتمعية جوليت أبو شنب إن حضورها يأتي دعماً لإبداعات المرأة في المجال الثقافي، ولا سيما تلك المرتبطة بالتراث، مشيرة إلى أهمية إعادة استخدام وتدوير بعض المقتنيات التي أتلفتها الحرب، وتشجيع النساء على الحفاظ على التراث وامتلاك ولو قطعة واحدة منه.
وأوضحت أن الأثواب المطرزة الخاصة بكل مدينة فلسطينية، إلى جانب الأواني الفخارية والنحاسية، تعد من أبرز ملامح التراث، واستحضرت مثلاً شعبياً فلسطينياً شهيراً "من طين بلادك ليس ع خدادك"، الذي كانت الأمهات والجدات يرددنه عندما يقرر أحد الأبناء الزواج من شخص من جنسية أخرى.
وأضافت أن التطريز الفلسطيني حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، من أدوات المنزل واللوحات، ومنها لوحات الأعراس الفلسطينية، إلى الملابس والمقتنيات الشخصية.
وتروي جوليت أبو شنب أنه عندما اضطرت إلى النزوح من منزلها لمدة عشرة أيام، حرصت على حمل مقتنياتها التراثية معها داخل حقيبة صغيرة، وعندما عادت إلى منزلها أعادت كل قطعة إلى مكانها، في دلالة على ارتباط تلك المقتنيات بالذاكرة والبيت والهوية.
مساحة للقاء واستعادة الحياة
بدورها، قالت آمال البطراوي الأخصائية الاجتماعية في تجمع عائلات فلسطين، إن مشاركتها في الأمسية تمثل أول حضور لها في فعالية ثقافية نسوية منذ انتهاء الهجوم، مشيرة إلى أنها التقت خلال الفعالية بعدد من صديقاتها للمرة الأولى منذ فترة طويلة.
وترى أن لقاء النساء بالنساء يساهم في تحسين الصحة النفسية، ويعزز الإنتاجية والإبداع، خصوصاً عندما تتعلق الفعاليات بالتراث الذي لا يقتصر على الأزياء والمقتنيات، بل يشمل العادات والتقاليد وتعاليم الجدات التي انتقلت عبر الأجيال.
"كلمة الجدة كانت تغني عن جوجل"
أما سمية ثابت، فأكدت أن الأمثال الشعبية تمثل جزءاً أساسياً من الحكاية والتراث الفلسطيني، موضحة أن الجدات في الماضي كنّ يشكلن مصدراً للمعرفة قبل ظهور محركات البحث والذكاء الاصطناعي.
وقالت إن كثيراً مما تعيشه الأجيال اليوم سبق أن عبرت عنه الجدات وحذرن منه من خلال الأمثال الشعبية، إذ ارتبطت تفاصيل الحياة اليومية بالأمثال، مثل "الجار قبل الدار"، و"عيش كتير بتشوف كتير"، و"الباب اللي بجيك منه الريح سده واستريح"، و"خزين الصيف بنفع للشتا".
وأكدت أن التراث الفلسطيني بمثابة ميراث ينتقل إلى الأطفال، معربة عن سعادتها بمشاركة شابات وطفلات إلى جانب أمهاتهن للاستماع إلى الحكايات والتعرف إلى تراث غزة.
وتمنت أن يتضاعف عدد المشاركات في الفعاليات المقبلة، مؤكدة أن حضور النساء واستمرارهن في ممارسة حياتهن الثقافية والاجتماعية يمثل بالنسبة لها، تعبيراً عن استمرار المرأة الفلسطينية في التمسك بدورها وحضورها.
"فرقة الخيام"... الفن يولد من قلب الخيام
وفي السياق ذاته، تحدثت هبة أبو هداف، إحدى عضوات فرقة الخيام للفلكلور الفلسطيني، التي تأسست عام 2026، عن تجربة الفرقة التي "ولدت من رحم الخيام" كما وصفتها، حيث جرى اختيار عضواتها من الفتيات اللواتي عشن في الخيام، وتوزعت الأدوار بينهن.
وأوضحت أن الفرقة تضم 16 فتاة يقدمن الأغاني التراثية الفلسطينية، من بينها "ع الهوارة" و"يا غزتنا" وطمين اللي قال"، إلى جانب عروض الدبكة والمسرح.
وأشارت إلى أن الفرقة قدمت حتى الآن 14 عرضاً مختلفاً تنوعت بين الدبكة والغناء والمسرح، رغم التحديات التي تواجهها، وفي مقدمتها عدم توفر مكان ثابت للتدريب والعروض.
وأكدت أن عضوات الفرقة يحاولن تجاوز هذه الصعوبات والاستمرار في تقديم الفن، باعتباره وسيلة للحفاظ على التراث الفلسطيني وإيصال رسالته إلى الأجيال الجديدة.