Jin Jiyan Azadî والحجاب... صراع الجمهورية الإسلامية مع حق الاختيار

.

مقال بقلم ماريا كرمي

مع اقتراب ذكرى انتفاضة Jin Jiyan Azadî تعيد الجمهورية الإسلامية مرة أخرى مسألة الحجاب إلى صدارة القضايا في الفضاء العام الإيراني، وقد يبدو الحجاب للوهلة الأولى مجرد خلاف ديني وثقافي حول لباس النساء؛ لكن في عمق هذه المسألة يبرز سؤال أكبر بكثير: من يملك الحق في اتخاذ القرار بشأن جسد الإنسان وحياته وخياراته؟

في الجمهورية الإسلامية، لم يكن الحجاب الإلزامي مجرد حكم ديني على الإطلاق فمنذ أن حوّلته السلطات إلى إلزام قانوني وسياسي، أصبح الحجاب رمزاً لهوية النظام وأداةً لفرض السلطة على الحياة اليومية للمواطنين ولهذا، فإن المرأة التي تخلع حجابها في الشارع أو لا ترتدي ملابسها بالطريقة التي يريدها النظام، لا يُنظر إليها من جانب السلطة على أنها تقوم بمجرد اختيار شخصي؛ بل يُنظر إلى فعلها، بصورة غير مباشرة، على أنه تحدٍّ لحق الدولة في التدخل بحياتها.

في الواقع، المسألة الأساسية ليست الحجاب، بل حق الاختيار. هل المرأة صاحبة القرار في جسدها وحياتها، أم يحق للدولة والشرطة ورجل الدين والأب والأخ والزوج والبنى الذكورية أن تقرر بالنيابة عنها؟ المرأة التي تختار الحجاب يجب أن تكون حرة، وكذلك المرأة التي لا تريد ارتداء الحجاب يجب أن تتمتع بالحق نفسه في الاختيار، فإذا فُرض الحجاب بالقوة، لم يعد هناك اختيار؛ وكما أن فرض عدم ارتداء الحجاب بالقوة لا يمكن اعتباره حرية.

ومن هنا، ومع اقتراب ذكرى مقتل جينا أميني وبدء انتفاضة Jin Jiyan Azadî، عادت قضية الحجاب مرة أخرى إلى المجال العام بحساسية كبيرة، وبالنسبة إلى الأنظمة الاستبدادية، لا تمثل الذكرى السنوية مجرد تاريخ؛ إنها ذاكرة، والذاكرة، عندما تمتلك القدرة على تحريك المجتمع، يمكن أن تتحول إلى تهديد للسلطة السياسية.

في 15 سبتمبر/أيلول 2022 سافرت جينا أميني من سقز إلى طهران، وبعد أن أوقفتها دورية الإرشاد، توفيت أثناء الاحتجاز لكن موتها لم يبقَ في إطار حادثة عادية. كانت امرأة كردية من شرق كردستان، ذهبت إلى العاصمة الإيرانية، وهناك أوقفتها السلطات، فتحول مقتلها إلى شرارة لانتفاضة سرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء إيران.

وقد تحوّل شعار Jin Jiyan Azadî الذي تمتد جذوره عميقاً في الثورات والحركات الاجتماعية في كردستان، خلال فترة قصيرة إلى لغة مشتركة لقطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، وفي تلك المرحلة لم تعد القضية تقتصر على الحجاب؛ بل التقت عند نقطة واحدة مجموعة من أوجه السخط، بدءاً من القمع والتمييز، وصولاً إلى الأزمات الاقتصادية والسياسية.

ولهذا تحاول الجمهورية الإسلامية تقديم ثورة Jin Jiyan Azadî على أنها حدث مؤقت أو نتيجة لتحريض خارجي، ولإثبات هذه الرواية، يتعين على السلطات الإيرانية أن تقدم صورة مختلفة عن المجتمع؛ صورة لمجتمع متدين وتقليدي وذكوري وموالي للقيم الرسمية للنظام، وفي هذا السياق، تشكل الاستعراضات في الشوارع، والنساء المنتميات إلى الباسيج، والمشاركون في مراسم التكفين، وعائلات عناصر القوات الذين قُتلوا، والمجموعات الدينية، جزءاً من محاولة بناء هذه الصورة.

لكن هذا الاستعراض الواسع للقوة يمثل في حد ذاته علامة على القلق، فعندما تضطر السلطة السياسية إلى اللجوء إلى الشارع والباسيج والمناسبات الدينية والدعاية المنظمة لإثبات شرعيتها، يبرز السؤال: هل هذه علامة على القوة الحقيقية، أم علامة على الخوف من انهيار صورة القوة؟

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عند النظر إلى الوضع الداخلي في إيران فالجمهورية الإسلامية لا تواجه مشكلة الحجاب وحدها؛ إذ يواجه البلد مجموعة من الأزمات المتشابكة: التضخم وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة السكن، والبطالة والهجرة، وأزمة المياه والطاقة، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، والفساد، والعقوبات، والضغوط الخارجية، وعدم الاستقرار الإقليمي، وأزمة الثقة، واتساع الفجوة بين المجتمع والنظام.

وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن تكون إعادة الحجاب إلى مركز السياسة الداخلية ذات وظيفة سياسية فحل مشكلة التضخم والبطالة أمر صعب؛ وحل أزمة المياه والطاقة أمر صعب؛ وإعادة بناء الثقة العامة أكثر صعوبة؛ أما الإصلاحات السياسية فهي أصعب من كل ذلك، لكن السيطرة على ملابس النساء أسهل بالنسبة إلى بنية أمنية: وضع الكاميرات، فرض الغرامات، الاعتقال، إغلاق المتاجر، وإرسال القوات إلى الشوارع.

وهكذا، يجري اختزال أزمة اقتصادية وسياسية معقدة إلى مسألة أخلاقية بسيطة. تصبح مشكلة المجتمع هي "عدم ارتداء الحجاب" فعندما يتحدث الناس عن الغلاء والفقر، تتحدث الدولة عن الأخلاق؛ وعندما تُطرح أسئلة حول الفساد وسوء الإدارة، يتجه النظام إلى الحديث عن الحجاب.

وفي هذا السياق، تصبح المنظومة الذكورية أيضاً جزءاً من هذا الصراع، فعبارات مثل "أين غيرتكم؟"، و"أين شرفكم؟"، ليست مجرد عبارات دينية؛ بل تنبع من عقلية أبوية ترى المرأة باعتبارها حاملة لسمعة الرجل وشرفه وشرف العائلة.

في هذا التصور، لم يعد جسد المرأة ملكاً لها حيث يصبح لباسها معياراً لقياس غيرة الرجل، وتتحول اختياراتها إلى قضية مرتبطة بـ "شرف" العائلة، لكن لماذا ينبغي أن يرتبط شرف الرجل بشعر امرأة؟

هذه الأسئلة تصل إلى قلب Jin Jiyan Azadî فهذه الانتفاضة لم تكن مجرد رفض للحجاب، بل كانت احتجاجاً على منظومة كاملة من علاقات القوة، تُجبر فيها المرأة على الدفاع عن حقها في جسدها واختيارها وحياتها، ومن هنا، لا يمكن اعتبار عصيان النساء في مواجهة الحجاب الإجباري مجرد سلوك ثقافي؛ فهذا العصيان يمكن أن يكون جزءاً من تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة.

وفي هذا السياق، أصبحت النساء المنتميات إلى الباسيج والداعمات للسلطة جزءاً من محاولة تغيير صورة هذا الصراع، فلو كانت القوات الأمنية الرجالية وحدها في مواجهة النساء، لكان المشهد واضحاً: النظام والقوات المسلحة في مواجهة النساء، لكن عندما تُدفع النساء المؤيدات للنظام أيضاً إلى الساحة، تجري محاولة تصوير الصراع على أنه "امرأة في مواجهة امرأة"، بينما القضية ليست أي امرأة ترتدي الحجاب وأي امرأة لا ترتديه؛ بل هل تتمتع كلتاهما بحق اختيارها؟

ولهذا، يجب أن تختار المرأة ارتداء الحجاب بحرية، كما يجب أن تتمتع المرأة التي تختار عدم ارتدائه بالحرية نفسها، فالحرية لا يكون لها معنى إلا عندما يكون الاختيار حقيقياً. القضية الأساسية ليست الحجاب أو عدم الحجاب؛ بل الإجبار والاختيار.

ومن هذا المنظور، يُعد العصيان المدني للنساء أحد أعمق أشكال مواجهة السلطة؛ ليس لأن كل امرأة بلا حجاب هي بالضرورة ناشطة سياسية، بل لأن آلافاً وملايين السلوكيات المتشابهة يمكن أن تتحدى قانوناً كان يبدو في السابق غير قابل للتغيير.

فالسلطة المستدامة لا تتشكل بالإكراه وحده؛ بل تحتاج أيضاً إلى قبول المجتمع، وإذا كان تنفيذ قانون ما يتطلب باستمرار الشرطة والسجن والغرامات والكاميرات والتهديد، فينبغي طرح السؤال: هل لا يزال لهذا القانون شرعية، أم أنه يُطبَّق فقط بالقوة والإجبار؟

ومن هذا المنظور، يمكن أن تكون استعراضات "الكفن" والشعارات التحذيرية من الفوضى والحرب الأهلية والإلحاد والانهيار محاولةً لإثارة الخوف من التغيير، والرسالة الخفية هي أنه إذا انهار النظام القائم، فلن يبقى شيء سوى الفوضى.

كما لا ينبغي تفسير جميع مشكلات إيران من خلال العقوبات والضغوط الخارجية وحدها فالعقوبات تؤدي إلى تفاقم الأزمة، لكن الاختلالات البنيوية والفساد والسياسات الاقتصادية وغياب المؤسسات الخاضعة للمساءلة تؤدي أيضاً دوراً في تشكيل هذا الوضع، وهذه الأزمات المتشابكة تدفع النظام بصورة متزايدة نحو الرقابة الاجتماعية والقمع، فالاعتقال والتعذيب والمحاكمة والإعدام ليست مجرد عقوبات تُفرض على أفراد؛ بل يمكن أن تكون أيضاً رسائل موجهة إلى المجتمع بأسره.

هل تخشى الجمهورية الإسلامية فعلاً بضع خصلات من الشعر ظهرت من تحت الحجاب؟ بالتأكيد لا. ما يخشاه النظام هو المعنى الذي اكتسبته هذه الخصلات في الظروف الراهنة فالمرأة التي تسير في الشارع من دون حجاب قد لا تكون لديها أي خطة سياسية؛ لكن عندما تفعل آلاف وملايين النساء الشيء نفسه، يتغير المعنى الاجتماعي لهذا السلوك، والقانون الذي كان يفترض أن يُخضع الجميع للطاعة لم يعد قادراً على جعل الجميع مطيعين، وفي هذه اللحظة، تصبح قدرة الدولة نفسها على فرض ذلك القانون موضع تساؤل.

قد تكون فلسفة Jin Jiyan Azadî قد قُمعت في الشوارع، لكن قمع الثورة لا يعني نهاية التغيير الاجتماعي، فالثورات أحياناً تُحدث تغييراً في عقول الناس وفي أساليب حياتهم قبل أن تنتصر في الشوارع.

بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، ليست جينا مجرد اسم لفتاة شابة؛ فهي رمز للحظة التي التقت فيها عدة انقسامات عميقة في المجتمع الإيراني: المرأة والدولة، المجتمع والنظام، كردستان والمركز، الجيل الشاب والبنية التقليدية، والحرية الفردية والسلطة السياسية.

ولهذا، وبعد أربع سنوات من ذلك الحدث، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان النظام قد تمكن من السيطرة على الحجاب أم لا؛ بل لماذا لا يزال النظام مضطراً إلى دفع مثل هذه الكلفة السياسية والأمنية الباهظة للسيطرة على الحجاب؟ يجب البحث عن الإجابة في الأزمة العميقة التي أصابت العلاقة بين النظام والمجتمع.

يمكن للجمهورية الإسلامية أن تسيطر على الشارع، لكن ذلك لا يعني السيطرة على المجتمع، ويمكنها أن تحظر شعاراً، لكنها لا تستطيع القضاء على معنى ذلك الشعار، ويمكنها جمع الصور وإزالتها، لكنها لا تستطيع محو ذاكرة ملايين البشر، ويمكنها إجبار امرأة على وضع الحجاب أو التشادور على رأسها، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة النظرة والموقف اللذين تشكلا بعد عام 2022 تجاه الكرامة والحرية وحق الاختيار إلى الوراء.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية للجمهورية الإسلامية ليست مع الحجاب؛ بل تتمحور حول من يملك الحق في تعريف الإنسان الإيراني واتخاذ القرارات المتعلقة بحياته نيابةً عنه

تريد السلطة أن تعرّف المرأة بالطريقة التي تراها هي؛ بينما يريد جزء كبير من الجيل الجديد أن تحدد المرأة بنفسها هويتها ومكانتها، تريد الدولة اختزال "الحياة" في مجرد استمرار الوضع القائم؛ في حين يريد المجتمع حياةً تكون فيها الكرامة والحرية حاضرتين أيضاً، ترى الدولة الحرية تهديداً لنظامها؛ بينما ترى Jin Jiyan Azadî الحرية جزءاً لا يتجزأ من الحياة الإنسانية.

وفي النهاية، فإن قضية الحجاب ليست مجرد صراع بين الحجاب وعدم الحجاب؛ بل هي صراع بين الإجبار والاختيار، وهي ليست مجرد مواجهة بين التدين وعدم التدين؛ بل نزاع حول حق الإنسان في تحديد علاقته بنفسه بالدين والحياة، كما أنها ليست مجرد خلاف بين النساء المحجبات وغير المحجبات؛ بل هناك سؤال أعمق: من هو المالك الحقيقي لحياة الإنسان؟ ما دام جواب النظام هو "الدولة"، بينما جواب جزء كبير من المجتمع هو "الإنسان نفسه".

إن هذا الصراع سيستمر، ولعل هذا هو السبب في أن الجمهورية الإسلامية تعود كل عام، مع اقتراب ذكرى ثورة Jin Jiyan Azadî، إلى الحجاب والشارع والباسيج والغيرة والشرف واستعراض القوة وتخويف المجتمع؛ لأنها لم تتمكن بعد من التعايش مع الحقيقة التي انكشفت في أيلول/سبتمبر 2022: إن المجتمع الذي طالب مرةً بحقه في الاختيار لا يعود بسهولة إلى الطاعة من جديد.