حكاية النضال حتى آخر نفس تجسدها بهية سيفيم
بين أمٍ حُرمت من وداع أبنائها، وامرأة لم تتخلَّ يوماً عن مشاركتها في الاحتجاجات رغم المرض وكِبر السن، تتجسد سيرة بهية سيفيم بوصفها قصة أمٍ جعلت من النضال أسلوب حياة، وظلت متمسكة بالأمل حتى آخر أنفاسها.
آرجين ديليك أونجيل
آمد ـ في فناء منزلها يقف إطاران فارغان، لكنهما يختصران حكاية عمرٍ كامل من الفقد والمقاومة، فلم تكن بهية سيفيم ترى في الفراغ غياباً، بل حضوراً دائماً لابنها وابنتها اللذين فقدتهما، بعدما صادرت المداهمات الأمنية صورهما مراراً.
كانت بهية سيفيم تشير إلى إطارين فارغين معلّقين في فناء منزلها وتقول "في كل مرة تداهم فيها الشرطة المنزل تُتلف صور أطفالي، لذلك لم أعد أعلّق الصور، بل احتفظت بها بعيداً عن الأذى".
ولم تكن هذه الإطارات الفارغة مجرد ديكور، بل شاهدة على فقدانٍ طويل وحياة كرّستها للنضال، ورغم تقدمها في السن وصعوبة حركتها، لم تتخلَّ يوماً عن المشاركة في الفعاليات والاحتجاجات، وهي تتكئ على عصاها لتؤكد أن النضال بالنسبة لها يستمر حتى آخر نَفَس.
كانت تُرى في المظاهرات والاعتصامات، أو وهي توزع المنشورات في الأسواق رغم مرضها، مرددةً شعارات الحرية، ورافعة علامة النصر في كل صورة، وحيثما ارتفع صوت يطالب بالعدالة، كانت حاضرة.
في الخامس والعشرين من حزيران/يونيو الماضي، توفيت بهية سيفيم عن عمر ناهز 71 عاماً في مستشفى جامعة دجلة، بعد سنوات طويلة من النضال من أجل السلام والحرية، وهي التي وُلدت عام 1955 في قرية جيلين التابعة لقضاء صاور في ولاية ماردين، وسط عائلة شركسية، وقد تزوجت من أحد أقاربها، لكن الحياة لم تمهلها كثيراً، حتى فقدت ثلاثة من أطفالها في مراحل مختلفة بسبب المرض.
وفي عام 1993، انضم ابنها الأكبر يعقوب سيفيم إلى حركة الحرية لتبدأ منذ ذلك الوقت معاناة العائلة مع المداهمات الأمنية.
كانت القوات العسكرية تقتحم منزلهم بشكل متكرر بحثاً عن يعقوب، واعتُقل زوجها قبل أن يضطر إلى الفرار بعد إطلاق سراحه، لتجد بهية سيفيم نفسها وحيدة، وكانت تقول عن تلك المرحلة "منذ تلك السنوات بدأت رحلتي مع النضال، فقد كان عليّ أن أدافع عن شعبي وعن أطفالي".
نزوح وفقر... ثم فقدان الابن
كانت بهية سيفيم حاملاً وأطفالها لا يزالون صغاراً عندما اضطرت إلى مغادرة قريتها، وحاولت العثور على مأوى، لكن الضغوط الأمنية منعت العائلات من استضافتها، وانتقلت على ظهر بغل إلى حي داليا جوري في قضاء بسميل، وهناك بدأت حياة جديدة وسط ظروف قاسية، خاصة بعد اعتقال زوجها، ولإعالة أطفالها، عملت في بيع الحمص والشبت والجوز ورقائق الفاكهة المجففة.
وفي عام 1999 تلقت نبأ استشهاد ابنها يعقوب خلال اشتباكات في منطقة هركول، لكنها لم تتمكن من استلام جثمانه، رغم محاولاتها المتكررة.
إطاران فارغان بدلاً من صورتين
كانت تعلّق صورة كبيرة لابنها على جدار منزلها، لكن الشرطة كانت تصادرها في كل مداهمة، لتعيد طباعة الصورة مرة بعد أخرى، إلى أن قررت في النهاية الاحتفاظ بالصور بعيداً عن الأنظار، وتعليق الإطارين الفارغين بدلاً منها، وعندما سُئلت عن سبب ذلك، أجابت "كبّرت صور أبنائي ووضعتها في إطارات وعلقتها في البيت، لكن الشرطة كانت تصادرها في كل مداهمة، لذلك فضّلت أن أخفي الصور حتى لا تتعرض للتلف".
لم تتوقف خسائرها عند يعقوب، فقد انضمت ابنتها قسمت إلى وحدات حماية الشعب (YPG) وهي في الثامنة عشرة من عمرها، واستشهدت في كوباني عام 2024، ولم تتمكن والدتها أيضاً من استلام جثمانها، كما تعرض بقية أفراد الأسرة للاعتقال مرات عديدة، وقضى ابنها أوميت سنوات طويلة في السجن، بينما لا يزال ابنها أوزغور يقضي حكماً بالسجن لمدة 25 عاماً.
"نحن أصحاب الحق"
عندما كانت تُسأل إن كانت قد تعبت من سنوات النضال، كانت تجيب بثقة "لا، لا أشعر بالتعب. لماذا أتعب وأنا أعلم أنني أسير في الطريق الصحيح؟ نحن لم نظلم أحداً، ولذلك نحن أصحاب الحق".
ورغم فقدانها ابناً وابنة، وسجن ابنها الآخر، بقيت أمنيتها الوحيدة أن يكون لأولادها قبر تزوره، لكنها رحلت قبل أن يتحقق هذا الحلم، أما أمنيتها الثانية، فكانت أن ترى نضال الشعب الكردي يحقق أهدافه.
تصفها شقيقتها شمسة أردم بأنها كانت قائدة العائلة "نحن عائلة شركسية هاجرت من موش إلى ماردين، لكننا وقفنا إلى جانب النضال المشروع للشعب الكردي. سبعة من أفراد عائلتنا انضموا إلى حركة التحرر".
وتضيف أن بهية سيفيم لم تكن مجرد أخت، بل كانت أماً بعد وفاة والدتهما، إذ تولت رعاية إخوتها إلى جانب أطفالها، وكانت تساعد الجميع مادياً ومعنوياً "لم تترك مكاناً إلا وذهبت إليه. واصلت نشاطها من ماردين إلى بسميل، وكانت تقول دائماً يجب أن أكون جديرة بالمقاتلين والشهداء، وبعد ذلك التحقت ابنتها قسمت بمقاومة كوباني، وكانت بهية تحمل بنفسها المساعدات من بسميل إلى كوباني".
حتى آخر نفس
تؤكد شمسة أردم أن شقيقتها لم تكن تذهب إلى أي فعالية وحدها، بل تصطحب معها كل أفراد العائلة "زارت معظم مناطق كردستان باستثناء شرق كردستان، وكانت تتمنى أن تجد قبر ابنها يعقوب، لكنها رحلت وهي تحمل هذا الشوق، وعندما استشهدت ابنتها قسمت ذهبت إلى كوباني، وبقيت هناك تشارك في مختلف الأنشطة".
وكانت بهية سيفيم تردد دائماً "سأقاوم حتى آخر قطرة من دمي"، وقد بقيت وفية لهذه الكلمات حتى أيامها الأخيرة، إذ استمرت في المشاركة في الاحتجاجات والفعاليات مستندة إلى عصاها رغم المرض وصعوبة المشي، لتجسد بالفعل معنى النضال حتى آخر نَفَس.