دروع بشرية... هل أصبحت أرواح المدنيين أداة لبقاء النظام الإيراني؟

مرّ أكثر من شهر على بدء الهجمات، لكن السؤال الأساسي لا يزال بلا إجابة؛ هل الخطر الحقيقي على الشعب الإيراني يأتي من الصواريخ الأجنبية، أم من سياسة تحوّل أرواح المدنيين إلى دروع بشرية في الحرب؟

نسيم أحمدي

كرماشان ـ سعت السلطات الإيرانية منذ الأيام الأولى للحرب لتوجيه الرواية نحو اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل باستهداف الأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات عبر وسائل الإعلام. غير أن شهادات من شهود عيان ومصادر محلية تشير إلى أن السلطات نفسها عرضت المدنيين للخطر من خلال استخدامهم كدروع بشرية.

بحسب شهود عيان في كرماشان، قامت القوات العسكرية التابعة للجمهورية الإسلامية في هذه المحافظة بنقل ونشر واسع للأسلحة بالقرب من المناطق المكتظة بالسكان، بحيث يمكن في حال وقوع هجوم تصويره على أنه استهداف للمدنيين، وأفادت بعض المصادر المحلية بأن السلطات الإيرانية نشرت أسلحة عسكرية في مواقف سيارات قرب مستشفى الإمام رضا، وفي المنطقة الصناعية على طريق بيستون، وكذلك في مدرسة ثانوية بحي آناهیتا، ثم قامت بعد أيام بنقلها إلى مواقع أخرى.

تشير هذه التنقلات المتكررة إلى أن السلطات الإيرانية تتعمد وضع الأسلحة، وخاصة منصات إطلاق الصواريخ، في مواقع غير ثابتة وأحياناً قرب المدارس والمستشفيات، بهدف تجنب رصدها وتدميرها، وفي الوقت نفسه تعريض المناطق المدنية لخطر القصف.

وتروي مريم. ح، وهي من سكان حي كرناجي في كرماشان "قال بعض الجيران إن منصة إطلاق صواريخ وُضعت في مدرسة بحي آناهیتا، وبما أننا قريبون من هناك، خفنا أن تكون مدارس أخرى في حيّنا قد استُخدمت بالطريقة نفسها، وفي الليل، ذهب ابني وزوج ابنتي للتحقق، ولم يجدوا شيئاً في مدرسة كرناجي، لكن في مدرسة آناهیتا كانت هناك تحركات مشبوهة لأشخاص بملابس مدنية ونقل لشاحنات كبيرة، وفي صباح اليوم التالي، أُخليت المدرسة، لكن التحركات المشبوهة استمرت".

 

 

هذه الممارسات ليست جديدة ففي حرب الاثني عشر يوماً، وُضعت منصات إطلاق قرب مستشفى الإمام رضا، ما أدى إلى استهداف المنطقة من قبل إسرائيل، وأظهر الانفجار قرب المستشفى أن اختيار الموقع كان متعمداً.

إلى جانب نشر الأسلحة في المناطق المدنية، أفاد العديد من الشهود في كرماشان أنه بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على نقاط التفتيش والمراكز الأمنية، قامت السلطات الإيرانية بنقل قواتها إلى مناطق قريبة من الأحياء السكنية.

وتوضح بروين. غ وهي ناشطة في مجال حقوق الإنسان وحقوق الطفل أنه "منذ بداية الحرب، أنشأت الحكومة نقاط تفتيش عند مداخل ومخارج المدن، وبعد الهجمات، نُقلت هذه النقاط إلى داخل المدن وقرب المنازل، بحيث إذا تم استهدافها يمكن اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل بضرب المناطق السكنية، وحتى في بعض المدن الحدودية، تركت المراكز الأمنية مواقعها ونقلت سياراتها إلى قرب المنازل أو البساتين المحيطة بالقرى".

وأضافت أن الأمر لا يقتصر على نقل القوات "في العديد من نقاط التفتيش، استخدمت الحكومة بدلاً من القوات العسكرية أطفالاً دون 18 عاماً من عناصر الباسيج الطلابي، مقابل وعود بتقليل مدة الخدمة العسكرية أو منح درجات دراسية مرتفعة، وهذا الأمر حوّل المدنيين وحتى الأطفال فعلياً إلى دروع بشرية، كما أنه وسيلة لحماية القوات الأساسية للنظام".

ولا يقتصر تسليح المدنيين على الطلاب فقط؛ إذ أفاد العديد من الشهود أن السلطات استقطبت بعض العشائر الفقيرة بوعود مختلفة، وزجّت بهم في نقاط التفتيش كقوات عسكرية.

وأشارت بروين. غ إلى أنه "عند مداخل مدن مثل جوانرو، ثلاث باباجاني، قصر شيرين، كرند غرب، سربل ذهاب وصحنه، قامت الحكومة بتجنيد بعض أفراد العشائر بوعود مختلفة لاستخدامهم كدروع دفاعية. هؤلاء الأشخاص لا يمتلكون حتى الملابس أو المعدات المناسبة؛ كثير منهم يرتدون ملابسهم اليومية وأحذية بسيطة، ويغطون وجوههم بكوفيات قديمة أو أوشحة نسائية، والمشكلة الأساسية أن هؤلاء ينتمون إلى الفئات الأشد فقراً، وقد وضعتهم الحكومة بأبسط الإمكانيات في مرمى الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية".

بمقارنة عتاد هذه القوات الفقيرة بعتاد قوات القمع المدججة بالسلاح التي قمعت الاحتجاجات، يتضح أن السلطات الإيرانية تستخدم أحدث الأدوات لقتل شعبها، بينما تتخذ من الأبرياء دروعاً بشرية ضد الأعداء الأجانب.

في الأسابيع الأخيرة، أصدرت السلطات بيانات تشجع الشباب على الانضمام إلى القوات المسلحة؛ لكن هذا التشجيع في حقيقته شكل من أشكال الإكراه لتوفير قوات كافية لتكون بمثابة دروع بشرية في حال شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً برياً.

وتقول سارا. ف وهي ناشطة مدنية تعيش في كرماشان "استخدمت الحكومة منذ بداية الحرب، أرواح المدنيين كوسيلة للدفاع، ومؤخراً أطلقت حملة في الشوارع بعنوان (نحن المنتقمون) هذه الحملةً تُجبر الأفراد الموالين للحكومة على النزول إلى الشوارع والسير في السيارات وعلى الأقدام، ويعتقد كثيرون أن هذا غطاءٌ لنقل القوات والأسلحة العسكرية؛ إذ تنقل الحكومة قواتها الحساسة بوضعها في قلب المجتمع".

وباختصار يمكن القول إن التهديد الرئيسي لحياة الشعب الإيراني لا يقتصر على شبح الحرب فحسب، بل يشمل أيضاً سياسة السلطات الإيرانية الراسخة في التضحية بالأرواح لحماية نفسها؛ فالطريقة التي لطالما بنت بها الجمهورية الإسلامية حصونها الدفاعية بأجساد الأبرياء.