دلبند رفيق... 25 عاماً بين خلايا النحل ورحلة البحث عن عسل طبيعي

منذ خمسة وعشرين عاماً، تواصل دلبند رفيق تربية النحل في قرية توبزاوا بقضاء كويه في إقليم كردستان، محافظةً على مهنة ورثتها عن أسرتها، ومواجهةً تحديات الإنتاج والتسويق بإصرار جعل من خلايا النحل مصدر رزقها وحكاية حياتها.

شلير كويي

كويه ـ تبدأ دلبند رفيق يومها بين مسؤوليات المنزل ورعاية أطفالها، لكنها ما إن تنهي أعمالها حتى تتجه إلى المكان الذي ارتبطت به منذ ربع قرن؛ خلايا النحل. في قرية توبزاوا التابعة لقضاء كويه بإقليم كردستان، تحولت تربية النحل بالنسبة إليها من مهنة ورثتها عن أجدادها وآبائها إلى أسلوب حياة، ومصدر الرزق الرئيس الذي تعيش منه مع أسرتها.

لم تدخل دلبند رفيق هذا المجال بمشروع كبير، بل بدأت بعدد محدود من خلايا النحل، ثم واصلت تطوير عملها عاماً بعد آخر حتى أصبح لديها مشروع متكامل يعتمد على الجهد اليومي والصبر الطويل. وتقول إن هذه المهنة لا تعرف التوقف، إذ تتطلب متابعة مستمرة طوال العام، فلكل فصل أعماله ومهامه.

وتوضح أن الاستعداد لموسم إنتاج العسل يبدأ منذ شهر شباط/فبراير، حيث يجري الاهتمام بالخلايا وتوفير المياه للنحل بصورة يومية حتى يحين موعد جني العسل في شهر تموز/يوليو الجاري. وبعد استخراج العسل، يُصفّى ويُعبأ ويُوزن استعداداً لتسويقه. لكن العمل لا ينتهي عند هذا الحد، إذ تنقل الأسرة خلايا النحل إلى المناطق الجبلية هرباً من حرارة الصيف في كويه، حيث تتفتح الأزهار مجدداً ويستمر النحل في إنتاج العسل حتى شهر أيلول/سبتمبر، قبل أن تعود الخلايا إلى موطنها.

ورغم أن دلبند رفيق تمارس هذه المهنة منذ خمسة وعشرين عاماً، فإنها تصفها بأنها من أكثر الأعمال مشقة، لأنها تتطلب حضوراً يومياً ورعاية متواصلة، ويشارك جميع أفراد الأسرة في العناية بالخلايا. ومع ذلك، تؤكد أن الصعوبة تتلاشى مع مرور الوقت، وأن من يعتد على هذا العمل يجد فيه متعة خاصة. أكثر ما يثير قلقها، بحسب قولها، هو إصابة النحل بالأمراض، في ظل نقص الأدوية المناسبة وغياب الدعم الذي يحتاج إليه مربو النحل لتأمين مستلزمات عملهم.

ولا تقف التحديات عند حدود الإنتاج، بل تمتد إلى تسويق العسل أيضاً. فهي ترى أن العسل الطبيعي المنتج في إقليم كردستان يواجه منافسة غير عادلة من العسل المستورد، ولا سيما القادم من إيران ودول أخرى، والذي يُباع بأسعار منخفضة جداً لا تعكس كلفة الإنتاج ولا جودة المنتج. وتؤكد أن عسل إقليم كردستان يتميز بجودته العالية بفضل تنوع الغطاء النباتي وكثرة الأزهار والمراعي الطبيعية، وأن بيع الكيلوغرام الواحد بخمسة وعشرين ألف دينار لا يحقق سوى تغطية تكاليف الإنتاج. لذلك تدعو إلى الحد من استيراد العسل الرخيص، معتبرة أن بيعه بأسعار متدنية يثير الشكوك حول جودته، وقد يكون مغشوشاً أو مصنوعاً من السكر.

وأثناء الحديث معها، لم يكن النحل بعيداً عن المشهد، إذ اضطُر فريقنا إلى مغادرة البستان أكثر من مرة بعد أن هاجمتنا بعض النحلات. أما دلبند رفيق، فبدت معتادة على ذلك، وقالت إنها قد تتعرض للسع أربعٍ وعشرين أو خمسٍ وعشرين نحلة في يوم واحد دون أن يؤثر ذلك فيها، لأنها اعتادت الأمر مع مرور السنوات، باستثناء أحد أطفالها الذي يعاني من حساسية تجاه لسعات النحل.

وتوضح أن النحل يدخل منزلهم باستمرار، وقد يلسع الضيوف أحياناً، كما أنه ينفر من اللون الأسود، ويصبح أكثر شراسة إذا شعر بالخطر، سواء بدخول شخص إلى محيط الخلايا أو بمرور طائر فوقها، إذ يسارع إلى الدفاع عن نفسه. مشيرةً إلى أن السلالة التي تربيها تُعرف باسم "كارنيكا"، وهي من السلالات الهادئة نسبياً، مؤكدة أن اختلاف السلالات والبيئات الجغرافية ينعكس أيضاً على مذاق العسل وخصائصه.

ورغم كل ما تتطلبه المهنة من جهد، لا تكتفي دلبند رفيق بالإنتاج، بل تتولى بنفسها تسويق العسل عبر منصات التواصل الافتراضي وحساباتها الشخصية، كما توصل منتجاتها مباشرة إلى الزبائن والأصدقاء. وتقول إن التشجيع الذي تتلقاه يمنحها دافعاً للاستمرار، وتؤمن بأن المرأة قادرة على النجاح في أصعب المهن متى امتلكت الشغف والإرادة.