برغم التقدم التشريعي... خدمات الصحة الجنسية والإنجابية للنساء في تونس "منقوصة"
سلطت مجموعة توحيدة بالشيخ الضوء على الفجوة القائمة بين الترسانة القانونية المتقدمة في تونس بمجال الحقوق الجنسية والإنجابية، والواقع العملي المعقد الذي تواجهه النساء نتيجة العوائق الجغرافية ونقص الوعي والمنظومة الفكرية الأبوية السائدة في المجتمع.
تونس ـ أكدت منسقة مجموعة توحيدة بالشيخ، هاجر بن ناصر، أن تونس تمتلك مكاسب تشريعية ضمنت للمرأة بعض الحقوق المتميزة مقارنة بدول الجوار، كالحق في استخدام وسائل منع الحمل والإجهاض الآمن، إلا أن الواقع الفعلي يثبت وجود عراقيل عديدة تحول دون وصول النساء المتساوي إلى هذه الخدمات.
تزامناً مع اليوم العالمي لوسائل منع الحمل وقبل يومين من اليوم العالمي للإجهاض الآمن، نظمت مجموعة توحيدة بالشيخ لقاءً إعلامياً مع مجموعة من الصحفيين لتسليط الضوء على الحقوق الجنسية والإنجابية في تونس.
ورغم أن المادة 43 من الدستور التونسي والقوانين المحلية تضمن هذه الحقوق بشكل صريح، إلا أن المشاركين في اللقاء أكدوا وجود عوائق وهياكل اجتماعية وسلوكية تحول دون ممارستها، حيث تصطدم هذه القوانين بالمنظومة الفكرية الأبوية وربط المجتمع لهذه المسائل بالجانب الديني.
وشدد الحاضرون على المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق وسائل الإعلام في توعية النساء وإيصال المعلومات الدقيقة لهن، إلى جانب دورها المحوري في تفكيك وكسر الوصم الاجتماعي المرتبط بهذه الحقوق.
وفي سياق متصل، أعرب المشاركون عن قلقهم البالغ إزاء الفجوة المعرفية لدى الفئات الشابة، حيث تشير البيانات إلى أن ربع الشباب في تونس يفتقرون للمعلومات الكافية حول وسائل منع الحمل، وهو مؤشر مقلق قد تترتب عليه تداعيات ومخاطر صحية وخيمة.
ومنذ عام 1973 أقرت تونس قانوناً يسمح بالإجهاض الآمن، يُمكن النساء من القيام بهذه العملية في مراكز الصحة الأساسية والمستشفيات العمومية بشكل مجاني وسري، لكن المجتمع المدني يؤكد أن هذه الحق ليس متاحاً لكل التونسيات خاصة في المناطق الداخلية من البلاد.
وقالت هادية بلحاج، رئيسة مجموعة توحيدة بالشيخ، إن برنامج الصحة الجنسية والإنجابية يُعد ركيزة محورية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في تونس، ومكوناً أساسياً لممارسة حقوق المواطنة والوصول إلى الخدمات الاجتماعية.
وأوضحت أنه رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، فإن ميزانية الصحة قد شهدت ارتفاعاً، داعيةً إلى ضرورة أن تأخذ السياسات الاجتماعية والصحية بعين الاعتبار أن الوصول إلى خدمات تنظيم الأسرة والإجهاض الآمن يمثل عنصراً جوهرياً واستراتيجياً لمستقبل تونس والشباب.
عراقيل تحول دون الوصول إلى الخدمات
بدورها، أشارت هاجر بن ناصر، منسقة مجموعة توحيدة بالشيخ، إلى أن تونس تمتلك مكاسب تشريعية تعود إلى فترة طويلة ضمنت للمرأة حقوقاً مهمة مقارنة بدول الجوار مثل الحق في استخدام وسائل منع الحمل والاجهاض الآمن.
وأكدت أنه كان من المفترض أن تتمتع جميع النساء بهذه الحقوق على قدم المساواة، إلا أن الواقع يثبت وجود عراقيل عديدة تحول دون الوصول الفعلي إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، خاصة فيما يتعلق بوسائل منع الحمل وخدمات الإجهاض.
وبيّنت أن البعد الجغرافي يمثل أحد أبرز هذه العوائق، إذ تعجز النساء في المناطق الريفية في تونس عن التنقل الميسر للوصول إلى مراكز الخدمات الطبية المرتبطة بالإجهاض ومنع الحمل، مما يضطرهن للتنقل لمسافات أبعد قد تعجز إمكانياتهن عن تحملها أو يمنعهن الظرف من مغادرة منازلهن أصلاً.
واعتبرت أن المشكلة تتضاعف بسبب نقص المعلومة وغياب الوعي، مشيرةً إلى دراسة أجرتها المجموعة البحثية بمجموعة توحيدة بالشيخ حول مستوى الإلمام بوسائل منع الحمل بين الشباب، والتي خلصت إلى نتائج مقلقة، حيث تتجاوز نسبة الشباب الذين ليست لديهم أي فكرة عن تلك الوسائل 50 بالمائة، وتصل أحياناً إلى 100 بالمائة تجاه أنواع محددة منها.
وعلى صعيد متصل بخدمات الإجهاض، أكدت هاجر بن ناصر أن غياب المعلومات يشكل عائقاً رئيسياً آخر، لافتة إلى جهل فئة واسعة من الشباب بوجود قانون تونسي يبيح الإجهاض ويجعل خدمته مجانية وسرية ومتاحة لكل النساء من دون أي تمييز، وهو نقص معرفي يتكامل مع تحديات أخرى تتعلق بالذهنيات ومواقف التعامل مع هذه الملفات.
وأوضحت أن العوائق لا تقتصر على الجغرافيا ونقص المعلومة فحسب، بل تمتد لتشمل مواقف بعض الكوادر الطبية، حيث تُرفض أحيانا تقديم الخدمات للنساء، واعتبرت أن تراكم هذه العراقيل يحرم النساء من حق الوصول الفعلي إلى هذه الإجراءات، موضحةً أن خدمات الصحة الجنسية والإنجابية ليست مجرد رعاية صحية عادية، بل هي قضية حقوق إنسانية أساسية.
وقالت إن تمتع المرأة بهذه الحقوق وحصولها على المعلومات والخدمات المرتبطة بمنع الحمل والإجهاض متى احتاجت إليها، يمهد الطريق لضمان حقوقها الأخرى، كالحق في الدراسة والعمل والعيش الكريم بمعزل عن العنف.
واختتمت هاجر بن ناصر حديثها بالإشارة إلى أن التحكم في الخيارات الإنجابية سواء عبر وسائل منع الحمل أو الإجهاض يتيح للنساء تنظيم التباعد بين الحمل وتحديد عدد الأطفال، مما يمكنهن من مواصلة تعليمهن والخروج لسوق العمل وتحقيق الاستقلال المادي الذي يساعدهن على الخروج من دوائر العنف الأسري أو المجتمعي، معتبرةً أن الحقوق الجنسية والإنجابية تمثل الركيزة الأساسية لاستقلال المرأة وضمان كرامتها وسلامتها النفسية والجسدية.