اليوم الدولي لمناهضة التعذيب... من السافاك إلى زنازين إيران الحديثة
أُعيد فتح ملف سجل السلطات الإيرانية في عهدي بهلوي والجمهورية الإسلامية خلال اليوم الدولي لدعم ضحايا التعذيب، حيث يؤكد نشطاء حقوق الإنسان استمرار ممارسات التعذيب وانتزاع الاعترافات القسرية، إضافة إلى إفلات المسؤولين عنها من المساءلة.
مركز الأخبار ـ يتزايد القلق الدولي إزاء استمرار الانتهاكات داخل السجون في عدد من الدول، في ظل غياب آليات فعّالة للمساءلة والرقابة المستقلة، ما يساهم في اتساع دائرة العنف ويُضعف حماية المحتجزين.
بالتزامن مع اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، عاد الاهتمام مجدداً إلى واحدة من أحلك فصول التاريخ الإيراني المعاصر؛ وهي ظاهرة لطالما انتقدتها منظمات حقوق الإنسان بشدة، بدءاً من سجون ومراكز احتجاز جهاز السافاك خلال عهد بهلوي، وصولاً إلى سجون ومراكز احتجاز الجمهورية الإسلامية، باعتبارها أداة لقمع المعارضين، وانتزاع الاعترافات بالإكراه، وبث الرعب في المجتمع. ويؤكد نشطاء حقوق الإنسان أنه طالما يتمتع مرتكبو التعذيب والمسؤولون عنه بالحصانة، ولم تُنشأ آليات مستقلة للمساءلة والرصد، فإن دوامة العنف هذه ستستمر.
تذكير بالمسؤولية العالمية
يصادف الخامس والعشرين من حزيران/يونيو اليوم الدولي لدعم ضحايا التعذيب وهو يوم خصصته الأمم المتحدة لتذكيرنا بالحظر المطلق للتعذيب وضرورة دعم ضحايا هذه الجريمة. في القانون الدولي، يُعدّ التعذيب من الجرائم القليلة التي لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف من الظروف.
فبحسب اتفاقية مناهضة التعذيب لا يُمكن لأي حالة طوارئ، أو حرب، أو تهديد للأمن القومي، أو مكافحة للإرهاب، أو حتى حماية للمصلحة العامة، أن تُشكّل ترخيصاً للتعذيب، ولهذا السبب لا تخضع هذه الجريمة للتقادم، ويُمكن مُقاضاة مرتكبيها حتى بعد مرور عقود على ارتكابها.
إن تجربة محاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية، والتحقيق القضائي في قضية حامد نوري، ورفع الدعاوى القانونية ضد بعض مسؤولي الأمن في نظام بهلوي، بمن فيهم برويز سابتي هي أمثلة على الجهود المبذولة لتحقيق مبدأ المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وثيقة لم يتم تنفيذها بالكامل حتى الآن
لقد تم قبول اتفاقية مناهضة التعذيب من قبل أكثر من 155 دولة، لكن بعض الحكومات رفضت الانضمام إليها، والبعض الآخر، على الرغم من عضويتها، لا يتم الالتزام بها عملياً، في إيران دأبت السلطات على تبرير بعض العقوبات والسلوكيات بالاستناد إلى تفسيرات فقهية وقوانين محلية، وهو أمرٌ لطالما واجه انتقادات واسعة من مؤسسات حقوق الإنسان الدولية، كما شهدت دولٌ عديدة حول العالم حالاتٍ انحرفت فيها الدول الأطراف في الاتفاقية عن المبادئ الأساسية لحظر التعذيب بذريعة مكافحة الإرهاب أو الحفاظ على الأمن القومي. ويعتقد نشطاء حقوق الإنسان أن التنفيذ الكامل لهذه الاتفاقية، دون استثناء ودون تمييز، لا يزال أحد أهم مطالب المجتمع الدولي.
التعذيب أداة قديمة للحفاظ على السلطة
ويُظهر التاريخ البشري أن التعذيب كان مرادفاً تقريباً لتشكيل الحكومات الاستبدادية، فمن صلب العبيد في روما القديمة إلى تعذيب المثقفين في محاكم التفتيش في العصور الوسطى، لطالما استخدم أصحاب السلطة العنف المنظم لإسكات المعارضة وإخضاع المجتمع، وعلى الرغم من أن الحكومات لطالما استشهدت بأهداف مثل اكتشاف الحقيقة أو العقاب أو الحفاظ على النظام لتبرير التعذيب، إلا أن باحثي حقوق الإنسان يعتقدون أن غرضه الرئيسي هو كسر شخصية الأفراد، وخلق الخوف العام، ومنع تشكيل المقاومة الاجتماعية.
كيف اُختير اليوم الدولي لدعم ضحايا التعذيب؟
بعد الكشف عن الأبعاد الهائلة لجرائم الحرب العالمية الثانية حاول المجتمع الدولي جعل حظر التعذيب أحد المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، يُعد يوم 26 حزيران/يونيو يوماً مهماً لأنه يُحيي أيضاً ذكرى دخول اتفاقية مناهضة التعذيب حيز التنفيذ عام 1987، وفي عام 1997 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً هذا اليوم "اليوم الدولي لدعم ضحايا التعذيب".
يؤكد هذا اليوم على ثلاثة مبادئ أساسية: حظر التعذيب بشكل مطلق في جميع الظروف، دعم الضحايا وعلاجهم وإعادة تأهيلهم، إنهاء إفلات مرتكبي التعذيب ومن أصدروا أوامره من العقاب.
مراحل التعذيب في إيران
للتعذيب تاريخ طويل في إيران، ولكن في العصر الحديث، ومع تشكيل جهاز السافاك في ظل نظام بهلوي، تم استخدامه بطريقة منظمة ضد المعارضين السياسيين والناشطين الطلابيين والصحفيين والكتاب والمثقفين .
وبحسب روايات السجناء السياسيين والوثائق التاريخية والتقارير المنشورة، فإن أساليب مثل جلد باطن القدمين، وحرق الجسم بالسجائر والحديد، وتعليق السجناء من أيديهم، والصعق بالكهرباء، واستخدام جهاز يسمى "أبولو" كانت من بين أساليب التعذيب الشائعة في مراكز احتجاز السافاك، عاش العديد من الضحايا مع آثارها الجسدية والنفسية لهذا التعذيب لسنوات بعد إطلاق سراحهم.
بعد ثورة عام 1979، تشير العديد من التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان والمقررين الخاصين للأمم المتحدة وشهادات السجناء السياسيين إلى استمرار التعذيب في مراكز الاحتجاز وسجون الجمهورية الإسلامية.
وقد تم تقديم سجون مثل إيفين، وقزل حصار، وفي السنوات اللاحقة مركز احتجاز كهريزك، بشكل متكرر في تقارير حقوق الإنسان كأمثلة على انتهاكات واسعة النطاق لحقوق السجناء.
الاعتراف القسري أحد الأهداف الرئيسية للتعذيب
وبحسب سجناء سابقين، فإن التعذيب لا يتم فقط لغرض الحصول على المعلومات فقط، يقول نشطاء حقوق الإنسان إن الضغط الجسدي والنفسي يُمارس بشكل أساسي لكسر روح السجين، وإجباره على الإدلاء باعترافات قسرية، أو التعرف على الآخرين، أو التعبير عن الندم، أو المشاركة في اعترافات متلفزة.
خلال احتجاجات عام 2009، وكذلك الاحتجاجات على مستوى البلاد في السنوات اللاحقة، تم نشر العديد من التقارير حول الاعتقالات واسعة النطاق، والضغط على السجناء، ونشر الاعترافات القسرية؛ وهي قضية لطالما واجهت رد فعل من منظمات حقوق الإنسان الدولية.
عواقب التعذيب
ويعتقد خبراء حقوق الإنسان أن التعذيب لا يقتصر على الأذى الجسدي، حيث يواجه العديد من الضحايا اضطرابات عقلية وقلقاً مزمناً واكتئابًا، واضطراب ما بعد الصدمة، وعدم القدرة على العودة إلى الحياة الطبيعية، وحتى أفكاراً أو محاولات انتحارية بعد سنوات من إطلاق سراحهم، ولهذا السبب فإن دعم الضحايا لا يقتصر على إطلاق سراحهم، بل يشمل أيضاً العلاج وإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني.
لماذا من المهم محاسبة المعذبين؟
يعتقد نشطاء حقوق الإنسان أن أهم طريقة لمنع تكرار التعذيب هي إنهاء إفلات مرتكبيه ومن يأمرون به من العقاب، لقد أظهرت تجارب دول مختلفة أنه كلما تم تقديم مرتكبي التعذيب أمام محاكم مستقلة، فإن احتمالية تكرار هذه الجريمة تقل، في المقابل، فإن الحصانة القضائية وانعدام الرقابة المستقلة وانعدام الشفافية، تشكل الأساس لاستمرار العنف المنظم.
استراتيجيات مكافحة التعذيب
ويؤكد خبراء حقوق الإنسان على عدة جوانب أساسية لمكافحة التعذيب: إنهاء الحصانة القضائية لمرتكبي التعذيب ومن أصدروا أوامره، وضمان محاسبتهم، تجريم التعذيب بشكل صريح وتوفير عقوبة فعالة لمرتكبيه، ضمان الوصول الفوري للمحتجزين إلى المحامين وعائلاتهم، استقلال القضاء والأطباء الشرعيين، إمكانية قيام مؤسسات مستقلة ودولية بمراقبة مراكز الاحتجاز والسجون، توثيق انتهاكات حقوق الإنسان ودعم وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، تدريب قوات الأمن والقضاء على أساس معايير حقوق الإنسان واستبدال العنف بأساليب الاستجواب العلمية.
مواجهة التعذيب
يعتقد العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان أن تحقيق هذه الحلول في الأنظمة الاستبدادية يواجه عقبات خطيرة، لأن المؤسسات الأمنية والقضائية في مثل هذه الهياكل غالباً ما تفتقر إلى الاستقلالية وتعتبر نفسها جزءاً من دائرة القمع.
من هذا المنظور تُظهر تجربة إيران خلال فترتي حكم بهلوي والجمهورية الإسلامية أنه بدون مساءلة المؤسسات الأمنية، واستقلال القضاء، والشفافية، والرقابة العامة، والإصلاحات الهيكلية، فإن إمكانية القضاء على التعذيب ستواجه العديد من الصعوبات.
ولهذا السبب، يؤكد نشطاء حقوق الإنسان أن توثيق حالات التعذيب، ودعم الضحايا، ورفع مستوى الوعي العام، وكشف انتهاكات حقوق الإنسان، ومقاضاة الجناة، لا تزال أهم الأدوات لمنع تكرار هذه الجريمة والتحرك نحو العدالة واحترام كرامة الإنسان.