القضاء الإيراني يشدد إجراءات الحجاب وسط انقسام حكومي ومقاومة شعبية
تواجه الإجراءات القضائية المشددة بشأن الحجاب في إيران مقاومة اجتماعية واسعة تفجرت في أعقاب الانتفاضة الشعبية، والاحتجاجات الشعبية المناهضة لسياسة الفرض الإلزامي، ويمثل هذا الصدام المباشر بين القوانين القضائية الصارمة والرفض الشعبي محركاً أساسياً للانقساما
مركز الأخبار ـ أطلقت السلطة القضائية الإيرانية إجراءات جديدة وصارمة للتعامل مع ما وصفته بـ "انتهاك الأعراف" و"عدم ارتداء الحجاب"، وسط تصاعد دعوات من مسؤولين وشخصيات مقربة من النظام لحسم هذا الملف.
شهدت الأسابيع الأخيرة مطالبات متزايدة من قبل رئيس السلطة القضائية، ورئيس تحرير صحيفة "كيهان"، وعدد من أئمة الجمعة، بتشديد الرقابة وتطبيق القوانين الخاصة بالزي، وفي المقابل تعكس تصريحات مسؤولي الحكومة تبايناً في وجهات النظر حول التوقيت وآليات التنفيذ وآثارها.
وأكد رئيس السلطة القضائية الإيرانية على ضرورة الرد الحاسم لمواجهة ما وصفه بـ "الابتذال والعُري"، موجهاً النائب العام بمتابعة الملف لضمان "وضع الأمور في نصابها الصحيح"، ومطالباً المسؤولين القضائيين بعدم الالتفات إلى "الضجة الإعلامية". وأشار رئيس السلطة القضائية إلى أن هذا التحرك يحظى بموافقة رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان.
وفي السياق ذاته، تصاعدت الضغوط من الشخصيات المقربة من النظام؛ حيث وجه رئيس تحرير صحيفة "كيهان" وممثل المرشد الإيراني، مذكرة إلى رؤساء السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وصف فيها التراخي في التعامل مع النساء غير الملتزمات بالحجاب الإلزامي بأنه "تقاعس" يرقى إلى "التعاون غير المقصود مع العدو".
وشدد على أن الظروف العسكرية أو حالات الحرب لا تبرر إيقاف تطبيق الحجاب كـ "ضرورة دينية وقانونية"، داعياً إلى تحرك فوري ضد ما أسماه "كشف الحجاب والاعتداء على الحشمة العامة".
وجاءت هذه التصريحات رداً على نقاش دار سابقاً بين بعض مسؤولي الجمهورية الإسلامية حول شروط تطبيق سياسة الحجاب، وقال عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، إن الحكومة لا تستطيع الخوض في "قضية الحجاب" بالقدر الكافي نظراً لـ "ظروف الحرب"، مشيراً إلى أن المجلس الأعلى للثورة الثقافية قد أصدر الموافقات اللازمة في هذا الشأن خلال السنوات الماضية، وأنه لا حاجة لصياغة موافقات جديدة .
من جهة أخرى، كان نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية، قد صرح سابقاً بشأن قانون "العفة والحجاب" بأن الدراسات الحكومية أظهرت أن القانون يعاني من "مشاكل خطيرة"، وأن العديد من بنوده غير قابلة للتنفيذ، وأن تطبيقه قد يُسبب مشاكل تتعلق بالأمن الوظيفي للأفراد والتماسك الاجتماعي، ويُعد هذا الموقف إلى جانب القرار السابق بعدم إصدار قانون "العفة والحجاب"، أحد العوامل التي جعلت تطبيقه الكامل غير مؤكد.
وعلى الصعيد البرلماني، أعلن رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، أنه لم يُصدر قانون "العفة والحجاب" لأنه تلقى أمراً كتابياً من أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي بعدم إصداره.
تجاوزت الضغوط المطالبة بفرض الحجاب الصارم أروقة كبار المسؤولين الإيرانيين لتصل إلى المستويات المحلية والمنابر الدينية في المحافظات، فمن جهة طالب إمام جمعة بجنورد الحكومة بالتدخل لتطهير المجتمع وتطبيق القانون في الأماكن العامة، بينما أعلن محافظ يزد عن توجه لتطبيق برامج ثقافية واجتماعية موجهة محلياً على مستوى الأحياء السكنية لفرض الالتزام.
وتعكس هذه التحركات بمجملها تحولاً جذرياً في التعاطي مع قضية الحجاب، مخرجةً إياها من إطار "التوصيات الثقافية" إلى ساحة "الملاحقة القضائية والقانونية" المباشرة. فبينما يمنح القضاء اليوم المدعين العامين في شتى أنحاء إيران صلاحيات واسعة لفرض "تدابير خاصة" لمواجهة ما يراه سلوكاً جماعياً "منظماً"، وتدفع نخب سياسية وإعلامية مقربة من النظام نحو التشدد؛ تظل في المقابل مواقف مسؤولين آخرين (كالمساعد القانوني للرئيس وحداد عادل) مؤشراً على وجود خلافات وسجالات داخلية مكتومة حول مدى إمكانية تطبيق هذه القرارات وعواقبها المحتملة على استقرار البلاد.