شابة تونسية تنسج ذاكرة بلدها في قطع فنية

تسعى الحرفية دعاء جرادي إلى حماية حرفة الغربال من الاندثار عبر تقديمه في تصاميم فنية جديدة تحمل الهوية التونسية.

إخلاص الحمروني

تونس ـ اختارت الحرفية التونسية الشابة دعاء جرادي أن تسلك طريقاً مختلفاً في عالم الصناعات التقليدية، واضعة نصب عينيها هدفاً واحداً، وهو المحافظة على التراث التونسي وإعادة تقديمه بصورة تواكب العصر. ولم تجد أفضل من الغربال التونسي، تلك الأداة التي ارتبطت لعقود طويلة بالحياة اليومية للتونسيين، لتمنحه حياة جديدة كقطعة فنية تزين المنازل وتحمل هوية أصحابها، في تجربة تمزج بين الأصالة والإبداع وتؤكد قدرة المرأة التونسية على تحويل الحرفة التقليدية إلى مشروع ثقافي وفني.

قالت الحرفية دعاء جرادي إن علاقتها بالغربال لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت من إيمانها بأن هذه القطعة التراثية تحمل قيمة رمزية كبيرة في الذاكرة الشعبية التونسية، موضحة أن الغربال كان حاضراً في العديد من العادات والمعتقدات القديمة، إذ كان البعض يعتقد أنه يبعد الطاقة السلبية ويحتفظ بالأشياء الجميلة، وهو ما جعلها تتساءل: لماذا لا يتحول الغربال إلى قطعة فنية تبرز جماله وتحافظ على رمزيته في الوقت نفسه؟

وأضافت أن هذه الفكرة دفعتها إلى إخراج الغربال في حلة جديدة، بعيداً عن استعماله التقليدي، ليصبح قطعة ديكور تحمل أسماء أصحابها أو عبارات خاصة بهم أو زخارف يختارونها بأنفسهم، مؤكدة أنها تحرص على أن يكون كل عمل مختلفاً عن الآخر، حتى لا يشعر أي حرفي بأنه يمتلك قطعة مكررة "كل غربال بالنسبة إليّ له قصته الخاصة، وله سحره، لأنني أعمل على تفاصيله وفق شخصية صاحبه ورغبته، سواء من حيث الألوان أو الزخارف أو الكتابات".

وأشارت إلى أنها لا تعتمد على قوالب جاهزة، وإنما تناقش مع كل حريف الشكل الذي يرغب فيه، والألوان التي يفضلها، سواء كانت الأحمر أو الأخضر أو الأبيض أو غيرها، ثم تبدأ في تنفيذ العمل بما يتناسب مع ذوقه، حتى تكون النتيجة قطعة شخصية تحمل بصمته.

وحول مراحل الإنجاز، تقول إن العمل يبدأ أولاً باختيار غربال تونسي أصلي، لأنها ترفض استخدام أي بديل حديث، معتبرة أن الحفاظ على التراث يبدأ من المحافظة على المادة الأصلية نفسها. وبعد ذلك تقوم بإعداد مختلف العناصر، وخاصة الزخارف، قبل المرور إلى مراحل التصميم والتركيب والخياطة والكتابة، ثم تجميع كل العناصر في المرحلة الأخيرة، وهي أكثر المراحل دقة، حتى يخرج الغربال في شكله النهائي كقطعة فنية متكاملة.

وأكدت أن لكل حرفي طريقته الخاصة في العمل، أما هي فاختارت أن يكون أسلوبها قائماً على احترام الغربال التقليدي وإضافة لمسة فنية دون المساس بروحه الأصلية، لأن هدفها ليس تغيير التراث، وإنما إبرازه بطريقة جديدة.

وعن أبرز التحديات التي تواجهها، قالت إن أكبر الصعوبات تتمثل في أن الغربال التونسي التقليدي لم يعد يصنعه سوى عدد قليل جداً من الحرفيين، وهو ما يهدد هذه الحرفة بالاندثار، مضيفة أنها حريصة على التعامل مع الغربال الأصلي حفاظاً على استمرارية هذه الصناعة، معربة عن أملها في أن يعود المزيد من الحرفيين إلى إنتاج الغربال حتى لا يختفي من الموروث التونسي.
 

الحرف التقليدية التونسية قادرة على الوصول إلى العالمية

وفيما يخص تصاميمها، قالت دعاء جرادي "أستوحي الكثير من أعمالي من التراث التونسي، وخاصة من الزخارف التقليدية والتطريزات المستعملة في الجبة التونسية وغيرها من الأزياء التراثية، لكنني في الوقت نفسه أمنح مساحة واسعة لخيالي الفني، لأن الجمع بين الأصالة والابتكار هو ما يمنح العمل خصوصيته ويجعله قريباً من مختلف الأذواق".

وأضافت أن تحويل الغربال إلى قطعة ديكور كان في البداية فكرة غير مألوفة، لذلك استغربها كثيرون، لكنها سرعان ما لاقت استحساناً وإعجاباً، بعدما شاهد الناس الشكل الجديد الذي أصبح عليه الغربال، مؤكدة أن الإقبال على هذه الأعمال ازداد تدريجياً داخل تونس، كما بدأت تتلقى طلبات من خارج البلاد، وهو ما تعتبره مؤشراً على أن الحرف التقليدية التونسية قادرة على الوصول إلى العالمية إذا وجدت من يطورها ويحافظ عليها في الوقت نفسه.

وأكدت أن حلمها الأكبر يتمثل في أن تصبح علامتها الخاصة معروفة داخل تونس وخارجها، وأن يصل الغربال التونسي إلى مختلف أنحاء العالم، ليكون سفيراً للتراث التونسي.

واختتمت دعاء جرادي حديثها متمنية أن يرى العالم جمال هذه القطعة التراثية وما يمكن أن تحمله من إبداع "تونس تزخر بحرف تقليدية تستحق مزيداً من الاهتمام والدعم، وأن الحفاظ عليها مسؤولية جماعية، لأنها تمثل جزءاً من هوية البلاد وذاكرتها الثقافية التي ينبغي نقلها إلى الأجيال القادمة".