من رحم الواقع وقلب الحقيقة تنقل شمس عنتر معاناة المرأة عبر الكتابة

بقلم نسوي يحمل مشاعرها، تصور الكاتبة في شمال وشرق سوريا، مشاعر المرأة ومعاناتها بدقة وإحساس، لتنقل صدى صرخاتها إلى ذلك العالم الأصم، وتغير نظرة المجتمع لها عبر قصص مستوحاة من رحم الواقع، وقلب الحقيقة

سيلين محمد 
قامشلو ـ
"من يستطيع التّكهن بمشاعر النَّساء... ولكن هل أنا من النَّساء؟... شبه ابتسامة لاحت على مُحياها، تذكرت كلماته، أنتِ أشجع من كل الرَّجال وأجمل من كل النَّساء" كلمات نُقشت على غلاف مؤلف "اجتباء الكسوف" للكاتبة شمس عنتر، تعبر عن قوة المرأة وإرادتها.
 
"اجتباء الكسوف" 28 قصة تُصور معاناة المرأة
واجهت شمس عنتر العديد من الصَّعوبات في بداية مشوارها في الكتابة تقول عن تلك الفترة "عانيت من الحرب الخاصة التي مارستها الذّهنيّة الذَّكوريَّة، والتي تسببت في عرقلة النمو الفكري لدى النساء، ولا سيما في مجالي الكتابة والفنون، وبرز ذلك عبر المُشاركة النّسويّة المحدودة فيهما". 
في البداية كتبت شمس عنتر مذكراتها على شكل قصص، ولهذا أثر كبير في توجهها للكتابة القصصية، "القصة تُسهل التَّواصل مع المحيط، والتَّعبير عن الأفكار وشخصية الكاتب، لذا أردت إبراز معاناة النَّساء في ظل الحرب".
وتصف تجربتها بالقول إن "الخطوات الأولى دائماً صعبة"، وأضافت "في بداية أي طريق يتعثر المرء بالمعوقات لكن يجب أن نكون قادرين على اجتياز جميع ما يعترضنا، وأن نثق بقدراتنا لنصل للقمة، لذا لم استسلم، ودعمني من حولي، وثابرت واجتهدت حتى حققت جزءاً مما أطمح إليه". 
ولدى شمس عنتر أربع مجموعات قصصية منشورة وهي "(سميتني مريم 2015، مئة حبة محترقة 2018، مواسم اليباب 2019، اجتباء الكسوف 2021".
وعن نجاحها تقول "شعرت بالسَّعادة والفخر عندما نشر أول كتاب لي، حتى أنني شاركته على مواقع التَّواصل الاجتماعي، لأول مرة لمست أثر جهدي وعملي ورأيته بأم عينيَّ، وعملت على تطوير نفسي، وتغذية فكري، لأقدم نتاجات ناجحة أخرى". 
وأما المواضيع التي تستهويها فهي مأخوذة من واقع الناس ومعاناتهم، "عندما كنت في الصف التاسع كتبت عن ارتفاع سعر الخبز، وكان الأمر جديد نوعاً ما، أن تكتب فتاة عن هكذا مواضيع، لم يكن تفكيري يطابق الفتيات في مثل سني".
وتابعت "صورت بسعادة المرة الأولى التي حضرت فيها احتفالات عيد النَّوروز في ناحية عامودا، لأنها أول مرة أرى هذا العدد الكبير من الكرد مجتمعين، لقد تسلل إلي شعور غريب، كوننا منعنا من التّحدث بلغتنا في المدارس".
وتقول عن كتابها الجديد الذي يحمل عنوان "اجتباء الكسوف"، وعلى غلافه عبارة عن لوحة للرسام العالمي من أصول كردية خليل حم صورك، "أحببت اللوحة لذا اخترت هذا الغلاف، وصممه لي الآن بيوند، والعنوان جاء من حالة الشَّمس". 
وأكملت "من خلال هذا الكتاب أحاول القول أن كل امرأة تشبه الشمس، رغم أنها من نار، إلا أنها تمنح الدفء وتشع بالنور، فهي تضيء عالماً بأكمله، فالنساء يعشنَّ غالباً في الظّل، لأن نورهنَّ ينعكس على الرّجال".
ويتألف الكتاب من 129 صفحة، ويتضمن 28 قصة، تحاكي الواقع الذي نعيشه، ومعظمها تعنى بالمرأة ومنها "النَّقيب زينب، الأمومة المهدومة، زنوبيا في عامودا، قلب في العراء، لوحة الرَّاعي، الانتظار، تذكرة من الوطن، سفن تبحر على اليابسة، عصيان أبيض، تركان وأردوغان، نزف، رغيف حاف، ورقة، عصر السَّخرية، الإبرة والبئر، في المقبرة ولدت، كفيفة الرَّوح" إضافة للعديد من القصص الأخرى. 
 
"الأمومة المهدورة" قصة أثرت في شخصية الكاتبة
لعل القصة الأكثر تأثيراً فيها هي "الأمومة المهدورة" وتدور أحداثها حول أُم عجوز أهملها أولادها، وبنوا لها غرفة بعيدة عنهم، "تُصور القصة معاناتها في غرفة مظلمة بعيداً عن منزلها الذي اعتنت به لسنوات، ولكن النّهاية تكون عادلة لأنها تعود إليه، بعد أن تذرعت بإصابتها بكورونا، مما جعل من في المنزل يخشون الاقتراب منها فتركوا المنزل هاربين".
أما قصة "خراب كورت" فلها أسلوب مميز يعكس معاناة المرأة، فأحداثها تدور حول طفل صغير يلهو في القرية التي تقع على مقربة من الحدود التَّركيَّة، وفجأة تأتيه رصاصة غادرة متجهة نحو ظهره، مما يؤدي لإصابته بالشلل، ولم تنتهي القصة لأن الطَّفل في الواقع ما زال يعاني، ويحتاج للعلاج، كما تبين. 
وتقول شمس عنتر أن الكتابة تبني الإنسان "نحن نخدم الشّعوب، لأن التّاريخ دائماً ما تكتبه القوى السَّلطويَّة بما يتماشى مع مصالحها، ولكن من ينقلون حياة الطّبقة الكادحة بصدق وبلا تزييف هم أبناؤها، وبهذا تنعكس معاناة المجتمع، فالقصص القصيرة موروث تاريخي للشعوب". 
وتعتبر أن الكتابة بالنسبة للمرأة سلاح، لأنها تحافظ على شخصيتها وحقوقها، إضافة لكونها حالة إبداعية تهذب النفس، لذا حاولت أن تكون أعمالها بلا أخطاء.
وتُشجع شمس عنتر النَّساء على الكتابة "أتواصل معهنّ، وأحاول غرس الثَّقة فيهن، لذا على كل من تملك حس الإبداع والقدرة على الكتابة أن تبدأ بشق طريقها".
 
قِصصُها القصيرة تُجسد معاناة المرأة وإرادتها
عبر "الإبرة والبئر" تجسد الكاتبة قوة المرأة وإرادتها وصبرها، بشخص البطلة "روشن" التي كانت تعاني مع أخويها تحت رحمة أب قاسي القلب يملك المال، إلا أنه لم يسمح لها بالدراسة أو الخروج، بل أجبرها على البقاء في المنزل لخدمة بقية اخوتها.
وبالرغم من هذا ترفض الفتاة الذّل والخنوع، ولا سيما بعد محاولات إجبارها على الزَّواج برجل عجوز، فيساعدها جدها للسفر إلى الخارج، لتصبح بعد سنوات شخصية مؤثرة وناشطة تساعد اللاجئين.
وفي "الأفق الدَّامس" توضح الكاتبة قصة فتاة تدعى "شيرين"، إضافة لأنها رئيسة لإحدى المؤسسات التي تدافع عن حقوق المرأة، تُجبر على الزَّواج من ابن عمها، ولكن التَّعاسة ترافقها، لذا تعمل على استرداد نفسها وتتركه، فتأبى البقاء مع من لا يُقدرها ويعرف قيمتها.