رفع التحفظات عن بعض مواد سيداو في الجزائر حبر على ورق أم إصلاح حقيقي؟
ظهرت أصوات نسائية تخفف من حدة الجدال حول قرار رفع التحفظ عن بعض مواد اتفاقية "سيداو"، حيث ترى أن رفع التحفظ عن البند الرابع من المادة 15 من الاتفاقية هو مجرد إعلان سياسي لا أكثر.

رابعة خريص
الجزائر ـ لا يزال القرار الرسمي برفع التحفظ عن بعض مواد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" في الجزائر يشكل محور النقاش في المجتمع. هناك من يعتبره مكسباً جديداً للمرأة وخطوة مهمة نحو تحقيق أحلام الكثيرات في التنقل والسكن والهجرة من أجل العلاج أو الدراسة. وفي المقابل، هناك من يحذر من التداعيات الاجتماعية لهذا الإجراء من جوانب واقعية وعلمية.
خطوة رفع التحفظ على البند الرابع من المادة 15 من اتفاقية "سيداو" ليست مكسباً حقيقاً للمرأة الجزائرية، كما يصور للكثيرين بل ستصطدم بعرف اجتماعي لا سيما في الولايات التي لا تزال تسيطر عليها الذهنية الذكورية والطابع المحافظ للمجتمع الجزائري.
هذه المادة تُعد من الركائز الأساسية في الاتفاقية، لأنها تضع إطاراً قانونياً واضحاً لمساواة المرأة مع الرجل في الحقوق المدنية والقانونية، وتُشكل أساساً لمراجعة القوانين الوطنية التي قد تتضمن تمييزاً.
إجراء شكلي
تقول الناشطة الحقوقية زينة بن لعلام لوكالتنا إنه "من الناحية العملية وعلى أرض الواقع المرأة في الجزائر لا تواجه موانع قانونية تحد من حريتها في التنقل والهجرة مثلاً من أجل الدراسة أو العلاج بل لا تزال الأعراف الاجتماعية أحد أبرز وأهم عوائق تمكين المرأة على مختلف المحاور"، وهنا يمكن الإشارة مثلاً إلى المجتمعات الريفية والمتحفظة التي لا تزال المرأة تئن تحت وطأة الوصاية الذكورية.
بالنظر إلى إمكانية أن يؤدي رفع التحفظ إلى تعديل مواد قانون الأسرة الجزائري، ترى أن من غير المرجح حدوث تغييرات جذرية في الوقت الراهن، بل المتوقع هو إدخال تعديلات على مستوى تفسير بعض التطبيقات القضائية، لا سيما فيما يتعلق بمسكن الزوجية، فالقضاء يعتبر الزوجة التي لا تنتقل مع زوجها عند تغيير محل السكن بأنها في حالة نشوز، وهو ما يُعرف في قانون الأسرة الجزائري بنشوز الزوجة، وقد نص المشرّع على إمكانية الطلاق بسبب النشوز في المادة 55 من القانون ذاته، وقبل الوصول إلى مرحلة الطلاق، يصدر القضاء حكماً يُلزم الزوجة بالعودة إلى مسكن الزوجية.
وبعد رفع التحفظ الجزائري عن المادة 15 من الاتفاقية، تقول زينة بن لعلام إنه "قد نلمس تغييراً في معالجة مثل هذه النزاعات القضائية لأن البند الرابع من الاتفاقية يُتيح للمرأة حقاً متساوياً مع الرجل في اختيار محل السكن والإقامة".
اتفاقيات دولية بلا أثر تشريعي ملموس
بالرؤية نفسها، عبرت المحامية والناشطة الحقوقية عائشة زميت عن موقفها من الجدل الدائر، مشيرةً إلى أن الأمر لا يتعدى كونه خطوة شكلية تهدف إلى تجميل صورة الجزائر في تقارير حقوق الإنسان، قائلة "بالنسبة لي، أراه إجراء روتيني لا يحمل سوى هدف تحسين الانطباع الخارجي عن البلاد في هذا المجال".
وحول ما إذا كان رفع التحفظ سيؤدي إلى تعديل القوانين، باعتبار أن مثل هذه الاتفاقيات تتطلب عادةً مواءمة التشريعات الداخلية معها، ترى أن القرار لن يُفضي إلى أي تغييرات فعلية في التشريع، مؤكدة أن المطالب بالتعديل ستُؤجل تحت ذرائع اجتماعية ودينية.
وأشارت إلى أن المجتمع الجزائري لا يزال محافظاً، تحكمه الأعراف والتقاليد، خصوصاً في المناطق الداخلية، موضحةً أن المرأة في المدن الكبرى قد تتمكن من استئجار مسكن خاص والعيش فيه بشكل مستقل، بينما يعد هذا الخيار غير متاح في المناطق الداخلية، ومن هذا المنطلق تعتبر أن هذه الخطوة لن تُحدث تحولاً جوهرياً في الذهنية المجتمعية، وتبقى في نظرها مجرد إعلان سياسي لا أكثر.
وقالت "أعتقد أننا كدولة على غرار دول عدة تتمتع فيها المرأة بجانب من الحرية فيما يخص الإقامة والسفر والتنقل وما دامت صادقت عليها فهي أكيد لا تعارض القوانين الوضعية وبالتالي فهي غير مضطرة إلى سن قوانين جديدة ما عدا ربما بعض التعديلات التي لا تتناسب مع التحولات التي طرأت على المجتمع الجزائري".
وكالة الأنباء تُطمئن... والأحزاب تُجادل
وكانت وكالة الأنباء الجزائرية التي تُعبر عن الخط الرسمي للحكومة قد قدمت توضيحات مفصلة في مقال مطول عن هذه الخطوة وقالت إنها مجرد "تحصيل حاصل" لن يلُزم البلاد بأي تغيير في قوانينها الداخلية وعلى رأسها قانون الأسرة.
وتسارعت مواقف الأحزاب السياسية منذ الساعات الأولى لصدور المرسوم الرئاسي في ديناميكية ملفتة، فسارعت حركة مجتمع السلم إلى مناهضة القرار واعتبرته "متسرعاً" و "غير منسجم" مع الأطر القانونية والدستورية.
ففي بيان رسمي اطلعت وكالتنا عليه، ذكرت الحركة أن "انضمام الجزائر إلى "سيداو" سنة 1996 تم بمرسوم رئاسي بعد موافقة المجلس الانتقالي، وأن رفع التحفظات يجب أن يخضع لنفس الإجراءات عبر البرلمان حفاظاً على قاعدة توازي الأشكال في التشريع، وتعتقد حركة مجتمع السلم أن رفع التحفظ قد يترتب عليه آثار عملية تمس بنية الأسرة، بما أنه يكرس قانونياً حق المرأة في اختيار السكن والتنقل دون الرجوع إلى زوجها أو وليها، مما قد يفتح باب النزاعات الأسرية ويهدد الاستقرار الاجتماعي".
وفي صف المؤيدين، سارع التجمع الوطني الديمقراطي (أحد أبرز أحزاب الموالاة) إلى الدفاع عن القرار باعتباره خطوة سيادية ودستورية، كما أوضح أن "المرأة الجزائرية تُمارس فعلياً هذه الحقوق في حياتها اليومية، سواء في الدراسة أو العمل أو السفر، وأن التخوف من تفكيك الأسرة مبالغ فيه لأن الأسرة محمية بقوانينها وأعرافها الراسخ"، وربط الحزب القرار ببعده الدولي، معتبراً أن الجزائر عززت صورتها كدولة مسؤولة تحترم التزاماتها الدولية دون التفريط في ثوابتها، تماماً كما فعلت دول مسلمة أخرى وجدت التوازن بين الخصوصية الوطنية والالتزامات العالمية.