النساء في غزة تعشن معركة يومية ضد التلوث البيئي
في ظل الحرب المستمرة في غزة، تواجه النساء تحدياً مزدوجاً، صراع البقاء وسط القصف المستمر، ومعركة يومية ضد التلوث البيئي الذي يهدد صحتهن ويزيد من معاناتهن الجسدية والنفسية.

رفيف اسليم
غزة ـ تخوض نساء قطاع غزة إلى جانب الحرب المستمرة منذ ما يقارب العامين، حرب روائح تخترق أجهزتهن التنفسية، فالخلل الذي أصاب النظام البيئي نتيجة أطنان الصواريخ والقنابل الفسفورية وغيرها من الأسلحة الكيميائية السامة التي ضربت بها المدينة لم يمر مرور الكرام على نساء المدينة الصامدات، بل أحدث عدة أمراض ربما يصعب شفاؤها.
يضاف لما سبق الحديث عنه طبيعة الحياة التي فرضتها الحرب فإشعال النار في كل يوم وحرق البلاستيك والقماش، وظهور ما يعرف بالمحرقة، وهي مكان لصنع السولار الصناعي البديل نتيجة لرفض القوات الإسرائيلية إدخال المحروقات بشكل عام، كل ذلك كان له أثر على البيئة ورفع البصمة الكربونية، وانتقل تأثيره بشكل خاص على النساء والفتيات والمرضى وكبار السن.
غزة تحترق والنساء تتنفسن الألم
أماني المصري، تقول إن حرب الروائح في قطاع غزة بدأت منذ منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما بدأت القوات الإسرائيلية بقصف المدنية بالقنابل الفسفورية بكميات كبيرة، تلتها أطنان من القنابل والصواريخ التي أغرقت المدينة بشكل جنوني، وكانت صاحبات الأزمات التنفسية هن الأكثر تأثراً.
وأضافت أنها عندما كانت تشعر باشتداد الهجمات الصاروخية الجوية تسرع لإلباس نفسها وزوجها وأطفالها الكمامات، وهو ما ساعد أطفالها على التنفس بأمان حين قصفت القوات الإسرائيلية منزلهم وهم بداخله دون أي تحذير. وابتلعت العتمة وغبار الصواريخ كل شيء، لكن الكمامات حمت الاطفال، وتواصلوا مع بعضهم البعض من خلال الصوت إلى أن جاء الدفاع المدني بعد ثلاث ساعات واستطاع إخراجهم.
وتستعيد أماني المصري الذكريات قبل الحرب لتوضح "كان هناك توازن بيئي جيد في غزة، فهناك الأشجار التي تزرع في كل مكان، والبحر برماله الجميلة وجوه المنعش، والمساحات الزراعية الواسعة في الشمال والجنوب، فكنا كنساء عندما نشعر بالملل نصطحب أطفالنا ونهرب من ضوضاء المدينة للأراضي الزراعية، لكن اليوم أين هي، لقد جرفتها القوات الإسرائيلية مزيلة أثرها بالكامل".
وتشير إلى أن النار التي تشعل على مدار اليوم، إلى جانب روائح الصرف الصحي، تجعل السكان يشعرون وكأنهم يعيشون في بركة من العوادم التي نتج عنها أنواع من الحشرات لم تكن معروفة من قبل. تروي أن طفلتها الصغيرة تعرضت للدغ من حشرة لم يستطع الأطباء التعرف على اسمها أو وصف علاج مناسب لها، مما أدى إلى تدهور حالتها وارتفاع حرارتها لأيام عدة.
لم تكن تلك الطفلة الصغيرة، بحسب أماني المصري الضحية الوحيدة لانهيار المنظومة البيئية، إذ أصيبت صديقتها المقربة بعمى جزئي خلال فترة الليل، وقد صدمت عندما أرادت أخذ ابنتها للمرحاض ولم تستطيع المشي سوى بلمس الجدران وكأنها كفيفة، وشخص الطبيب الحالة على أنها نوع من أنواع الأمراض نتيجة استنشاق غاز سام خلال اشتداد موجة القصف المستمرة لأكثر من عشر دقائق.
مواجهة التلوث والموت البطيء
ولفتت إلى أن ما يعرف بالمحرقة أحرقت ما تبقى من التوازن البيئي في قطاع غزة، وهو مكان لصناعة السولار الصناعي من خلال حرق البلاستيك وإطارات السيارات، مشيرة إلى أنها "تعرف المكان من خلال سحابة سوداء تظهر من بعد 4 كيلو متر تقريباً، تبعث بروائح سامة لا يستطيع المارة التنفس منها، وإذا ما لامست الملابس تبقى عليها بقع لا تزول".
ومن الأمراض التي باتت تلاحظها أماني المصري، جراء تلك الروائح السامة، التعب والإرهاق الشديد ففي السابق كانت تقطع هي وصديقاتها وأطفالهن مسافات مشياً على الأقدام، لكن اليوم يعاني الجميع من السعال والإعياء الشديد وصعوبة التنفس، إضافة إلى انتشار الأنفلونزا وسيلان الأنف المستمر، لافتةً إلى أنها حتى لو جلبت الدواء فالوضع البيئي كما هو، ما سيصلحه الدواء ستفسده الروائح.
وتتوقع أماني المصري، بالفترات المقبلة ارتفاع عدد المصابين بأمراض السرطان والكلى وغيرها من الأمراض، لذلك باتت تتحايل النساء على ذلك الوضع الكارثي من خلال الزراعة حول البيوت والخيام لتحسين جودة الهواء بفعل الأشجار التي تعطي الأكسجين، متمنية إدخال الغاز لقطاع غزة كي تمتنع النساء عن إشعال النار، وإيقاف ما يعرف بالمحرقة بأسرع وقت وتجنيب السكان ويلات الأمراض التي تسببها.