فيلم "المحطة"… عزلة إنسانية في قلب الصراع اليمني

تقدم المخرجة سارة إسحاق من خلال فيلمها "المحطة"، قصة إنسانية تدور في فضاء مغلق تحكمه العزلة والخوف، حيث تتحول محطة وقود مخصصة للنساء إلى رمز للحماية والانفصال عن عالم ينهشه العنف.

مركز الأخبار ـ يأتي فيلم "المحطة" للمخرجة اليمنية سارة إسحاق كعمل درامي مشترك بين اليمن والأردن وفرنسا، مقدم ضمن رؤية سينمائية إنسانية تبتعد عن الخطاب السياسي المباشر، وتركز بدلاً من ذلك على تفاصيل الحياة اليومية في زمن الصراع.

عُرض الفيلم الذي أنجز عام 2026، لأول مرة ضمن برنامج أسبوع النقاد في مهرجان كان السينمائي، ليؤكد حضوره في أحد أهم المنصات العالمية للأفلام الصاعدة. ويعالج العمل الواقع الاجتماعي في اليمن من خلال قصة شخصية تعكس آثار الحرب والتحولات القاسية التي يعيشها المجتمع.

يقدّم الفيلم تجربة سينمائية تنطلق من واقع الصراع اليمني، لكنها تتجنب الوقوع في فخ الخطاب السياسي المباشر. فبدلاً من تحويل القصة إلى إدانة سياسية صريحة، تختار المخرجة التركيز على البعد الإنساني لشخصياتها، في معالجة تعتمد على التفاصيل اليومية للنجاة أكثر من الشعارات أو التحليل السياسي.

تدور أحداث الفيلم حول امرأة تُدعى "ليال"، تدير محطة وقود مخصصة للنساء فقط في منطقة شبه معزولة، تعيش داخل منزل كبير محاط بسياج حديدي مرتفع، في إشارة بصرية واضحة إلى رغبتها في العزلة والحماية من الفوضى المحيطة. هذا المكان المغلق لا يبدو مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى رمز للانفصال القسري عن عالم ينهشه العنف والانهيار الاجتماعي.

في الخارج، يفرض مشهد الحرب نفسه بقوة؛ جماعات مسلحة تفرض سلطتها، وشقيق ليال الأصغر "ليث" يتعرض للإهانة والتهديد لعدم قدرته على المواجهة. ومن خلال هذا السياق، يبدأ الفيلم في بناء توتره الدرامي بين عالمين متوازيين، عالم داخلي تحاول فيه النساء خلق مساحة أمان، وعالم خارجي ينهار تحت ضغط السلاح والفوضى.

تتخذ القصة منعطفاً مهماً مع ظهور شخصية "أحمد"، الصبي الذي يهرب من التجنيد الإجباري ويتسلل إلى حياة شقيقة ليال، "شمس"، بعد ركوبه سيارتها عنوة. هذا اللقاء العابر يتحول تدريجياً إلى نقطة تقاطع إنسانية تكشف هشاشة الجميع، وتفتح الباب أمام أسئلة حول الطفولة المهددة، والنجاة، والعلاقات التي تولد في قلب الخطر.

رغم أن افتتاح الفيلم يبدو متردداً في بناء مساره السردي خلال الدقائق الأولى، وكأنه يبحث عن إيقاعه الخاص، إلا أنه سرعان ما يستقر على إيقاع أكثر تماسكاً، جامعاً بين حكايتين متداخلتين: حكاية النساء داخل هذا الفضاء المغلق، وحكاية المجتمع المنهك خارج أسواره، حيث الصحراء القاسية تعكس قسوة الواقع الإنساني والسياسي.

من الناحية البصرية، يعتمد الفيلم على تصوير طبيعي قريب من الواقعية، مع استخدام الإضاءة الطبيعية والفضاءات المفتوحة لإبراز عزلة الشخصيات. كما ينجح في خلق توازن بين الأداء التمثيلي والبيئة المحيطة، بحيث تبدو الشخصيات جزءاً من واقعها لا منفصلة عنه.

تُظهر سارة إسحاق قدرة واضحة على إدارة ممثليها، خصوصاً منال المليكي وعبير محمد، حيث تقدمان أداءً متماسكاً يقوم على الصمت والتوتر الداخلي أكثر من الحوار المباشر. ويعتمد الفيلم على هذه الطاقة المكبوتة ليعكس ثقل الحياة اليومية تحت وطأة الصراع.

في النهاية، يقدّم "المحطة" عملاً يمزج بين الدراما الاجتماعية والفيلم الإنساني، متجنباً الخطاب المباشر لصالح بناء تجربة شعورية، تجعل من المكان نفسه شخصية إضافية تحكم مصير الجميع. إنه فيلم عن العزلة، والخوف، ومحاولة خلق مساحة صغيرة للحياة وسط عالم ينهار ببطء.