"الابن ـ الأم"… فيلم يكشف قسوة الفقر وتسلّط التقاليد على مصير العاملات

في مجتمعٍ تتشابك فيه قبضة الفقر مع سلطة العرف الاجتماعي، وتتحوّل فيه خيارات النساء إلى مساحات ضيقة محاصرة بالخوف والنجاة، يقدّم فيلم "الابن ـ الأم" مرآة حادّة لواقع الطبقة العاملة.

مركز الأخبار ـ يكشف فيلم "الابن ـ الأم" الذي عرض لأول مرة عام 2017؛ بجرأة عن تداخل القمع الاقتصادي والاجتماعي، وكيف تتحوّل الأعراف إلى قوة تتحكم في مصائر النساء وتعيد إنتاج الظلم داخل الطبقات العاملة.

ليلى، امرأة شابة وجدت نفسها بعد وفاة زوجها في مواجهة حياة قاسية لا ترحم. تتحمّل وحدها عبء تربية طفليها أميرعلي، الصبي البالغ من العمر 12 عاماً، وابنتها الصغيرة. تعمل في مصنع بأجر هزيل لا يكاد يسدّ الرمق، وفي ظلّ انعدام شبه كامل للأمان الوظيفي، يصبح استمرار حياتها وحياة طفليها معجزة يومية.

في هذا المكان نفسه، يتقدّم كاظم، سائق حافلة المصنع الذي فقد زوجته أيضاً، بطلب الزواج منها. لكن عرضه ليس بلا ثمن؛ فهو يقدم شرطاً قاسياً ألا وهو ألا يعيش ابنها أميرعلي معهما. ويبرّر ذلك بـ "نظرة الناس" وبوجود ابنته في المنزل، وكأن المجتمع يملك الحق في اقتحام البيوت وفرض شروطه على حياة الآخرين.

ليلى المهددة بالطرد من عملها، تجد نفسها أمام مفترق طرق لا رحمة فيه: قبول الزواج يعني الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار لها ولابنتها، لكنه يعني أيضاً التضحية بابنها. أما الرفض، فيعني السقوط في فقر مدقع يبتلعها هي وطفليها. وفي النهاية، تختار الزواج؛ قرارٌ يهزّ عالم أميرعلي ويقلبه رأساً على عقب.

لا يقدّم فيلم "پسر- مادر" أي "الابن ـ الأم" وهو أول عمل روائي طويل للمخرجة مهناز محمدي؛ مجرد حكاية عائلية، بل يكشف بحدة عن واقع الطبقة العاملة والنساء الأرامل في مجتمع يصبح فيه العمل وسيلة للبقاء لا للتحرّر. ليلى ليست فقط امرأة تكافح، بل عاملة محاصرة بفقر يضغط على كل قرار تتخذه.

المعضلة التي تواجهها ليست خياراً فردياً، بل نتيجة بنية اجتماعية واقتصادية تُحكم قبضتها على مصائر الناس. ليلى عالقة بين انهيار اقتصادي يهدد وجودها، وانهيار عاطفي يهدد علاقتها بابنها. وهذه التجربة ليست استثناءً، بل واقعاً تعيشه كثير من نساء الطبقة العاملة اللواتي يقفن يومياً تحت ثقل المعيشة والأحكام الاجتماعية.

الفيلم يعرّي كيف يمكن للتقاليد والأعراف أن تتحوّل إلى أدوات قمع لا تقلّ قسوة عن القانون. "كلام الناس" يصبح سلطة تتحكم في جسد المرأة، في خياراتها، وفي مستقبلها.

وفي الوقت نفسه، يرسم الفيلم صورة دقيقة لتشابك أشكال الظلم. فليلى تتعرض للقمع كامرأة وكعاملة معاً. العمال الذين يعانون بدورهم من الاستغلال يتحولون، بفعل الضغوط، إلى جزء من منظومة القمع نفسها. هكذا يكشف الفيلم أن الظلم ليس خطياً، بل شبكة معقدة تُعاد إنتاجها داخل الطبقات والعلاقات والبنى الثقافية.

في النهاية، يطرح فيلم "الابن ـ الأم" سؤالاً جوهرياً؛ عندما تُسلب من الإنسان القدرة على الاختيار الحقيقي، هل يمكن تحميله مسؤولية القرارات التراجيدية التي يُجبر عليها؟ أم أن المسؤولية تقع على النظام الذي يصنع هذه الخيارات ويضيّقها حتى تختفي؟

وفي أسبوع العمال، يكتسب الفيلم معنى إضافياً؛ فهو يذكّر بأن العمل، حين يُمارس داخل هياكل غير عادلة، قد يتحوّل من مصدر أمان إلى مصدر هشاشة، ويدفع الناس إلى سلسلة من الخيارات القسرية التي لا مفرّ منها.