ابتهاج قدورة رائدة الفكر والثقافة والنهج التربوي

من أبرز الرائدات المناضلات في نهضة المرأة اللبنانية والعربية من أجل حقوقها وتحريرها، هي الناشطة ابتهاج قدورة رئيسة الجمعيات النسائية في لبنان ورئيسة الاتحاد النسائي العربي.

مركز الأخبار ـ ابتهاج قدورة رائدة النهضة النسائية في العالم العربي عموماً ولبنان خصوصاً، كرست حياتها بتفان لإعلاء قضايا المرأة ورفع مكانتها وطنياً وإقليماً واسترجاع حقوقها المهدورة.

 

من رائدات النهضة النسوية

إبان الحكم العثماني على بلاد الشام ولدت ابتهاج قدورة في العاصمة اللبنانية بيروت عام 1893، تلقت تعليمها الأساسي في المنزل بين أفراد عائلتها الذين يتمتعون بالثقافة والعلم، ورغم اعتراض وجهاء المسلمين آنذاك واحتجاجهم على "تعليم البنات المسلمات في المدارس التبشيرية"، تابعت تعليمها في المدرسة الأمريكية للبنات ونالت شهادتها النهائية عام 1909 بدرجة تفوق، وألقت خطاباً عن دور المرأة في الهيئة الاجتماعية حتى أن بعض المعاصرين لها اعتبروها بداية تاريخية لتحرر المرأة كونها من أوائل المتعلمات اللواتي آلمهن الظلام الذي تعيشه النساء وفكرت بضرورة تعليمهن وتوعيتهن.

كانت دائمة التفكير في تنمية ثقافتها والبحث عن دراسة تعوضها عن الدراسة الجامعية التي لم تسمح الأوضاع العامة في متابعتها، وأسست عام 1914 "جمعية يقظة الفتاة العربية" بالاشتراك مع عنبرة سلام وعادلة بيهم شفيقة غريب وأمينة حمزة وغيرهن، وهي أول جمعية نسائية في بيروت، لكن صغر سنهن حال دون حصولهن على رخصة لذلك قصدت نجلاء بيهم، ونادت الجمعية بإنهاء الطائفية.

إلا أن أعمال الجمعية تعثرت بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى وعم القمع وانتشرت المجاعة، وفرضت الأحكام العرفية وأرخى العنان للفتك والظلم والتنكيل بالوطنيين على يد القائد الرابع للجيش التركي جمال باشا، ولتلافي الأوضاع السيئة في بيروت والتي زاد فيها أعداد الأطفال المشردين سارعت مع الفتيات لتأسيس ثلاث لجان (لجنة الملاجئ، ولجنة للشؤون الاجتماعية، ولجنة المشغل)، حيث ولجت في الأعمال الكتابية في اللجنة الاجتماعية.

ونظراً لعملها في الملاجئ أصيبت بمرض "التيفوس" إلا أنها استعادت صحتها نوعاً ما لتزاول نشاطها مرة أخرى وتأسس "نادي جمعية الأمور الخيرية للفتيات المسلمات" عام 1917 بالتعاون مع أمينة حمزة وعادلة بيهم وغيرهن، هدف النادي هو رفع المستوى الثقافي والاجتماعي لدى الفتيات حيث كان فيه مكتبة للمطالعة إلا أنه لم يستمر سوى ثلاث أعوام فقط وربما كان أول ناد ثقافي نسائي في العالم العربي، كما أن نشاطها لم يتوقف عند مؤسسة واحدة بل اشتركت مع سلوى محمصاني وشفيقة سلام في "اللجنة النسائية لدار الأيتام الإسلامية" التي تسلمت عمادتها لمدة 25 عاماً ابتداءً من عام 1920 ثم استقالت منها عندما أسست "رابطة الجمعيات النسائية الخيرية الإسلامية.

وبتوجيهات منها استطاعت الرابطة تخليص الأحياء من الفقر والجهل كما عملت على رفع مستوى الأسرة من خلال توجيهها وإرشادها على أفضل طرق استثمار طاقاتها المهملة لنيل حياة أفضل، وبذلك استطاعت أن تمارس نشاطها الاجتماعي من خلال عشر جمعيات موزعة في غالبية أحياء العاصمة اللبنانية.

ولتشجيع الصناعة الوطنية ولزيادة تشغيل اليد العاملة شاركت في تأسيس "جمعية النهضة النسائية" في بيروت عام 1924 بالتعاون مع لبيبة ثابت ونجلاء كفوري وسلمى صايغ وسواهن، وأقامت الجمعية العديد من المعارض حيث ارتدت فيها النساء الأنسجة ذات الطابع الوطني، وزار فريق من الناشطات اللبنانيات المصانع في سوريا واطلعن على طريقة الإنتاج وطالبن باستبدال الأسماء الأجنبية بأسماء المصانع العربية، إلا أن عمل الجمعية توقف تزامناً مع اندلاع الحرب العالمية الثانية واستأنف مجدداً بعد انتهائها فافتتحت المدارس لمحو الأمية في الجنوب اللبناني وجانب كل مدرسة أنشأت مركزاً لتعليم الخياطة والأعمال اليدوية.

وكان لها إسهام واضع في تشكيل "الحركة النسائية المستقلة" عام 1921 التي ضمت معظم الجمعيات النسائية في لبنان والتي تحول بعد أربع أعوام إلى "الاتحاد النسائي في سوريا ولبنان" المرخص الذي توالت ابتهاج قدورة وعدد من الناشطات على رئاسته، وبقي الاتحاد منذ بداياته الهيئة المتزعمة والموجهة للنهضة النسائية اللبنانية.

 

رائدة العمل النسائي اللبناني والعربي

نضال ابتهاج قدورة لم يتجاهل القضية الفلسطينية خاصة أن الوضع في فلسطين بات مزرياً بسبب السياسة البريطانية والإسرائيلية والاضطهاد الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، فلبت نداء وفد من نساء القدس العاملات في المجال الاجتماعي وعلى رأسهن زليخة الشهابي اللواتي حملن على عاتقهن واجبات وطنية، لمناقشة وبحث وضع فلسطين ودور المرأة في الأقطار العربية، وعلى خلفيته عقد في 12 تشرين الأول/أكتوبر من عام 1944 مؤتمر عام لجميع النساء العربيات بدعوة من "هدى الشعراوي" في العاصمة المصرية القاهرة، إلا أنها لم تستطع الحضور بسبب وعكة صحية أصابتها لذلك أرسلت برقية إلى ابنة أخيها زاهية قدورة خرطبيل أن تحضر نظراً لتواجدها آن ذاك في القاهرة، وكان الوفد اللبناني برئاسة روز شحفة.

وحضر الاحتفال الذي أقيم في اليوم التالي للمؤتمر في مقر الاتحاد النسائي المصري العام، شخصيات من الحكومة المصرية بالإضافة لنواب وسفراء، وافتتحت هدى الشعراوي كلمتها بتحية لابتهاج قدورة صاحبة الفضل الأول لعقد الاجتماع وأثنت على مآثرها ودورها، وبعد المؤتمر استمر الاتصال سنوات طويلة بين ابتهاج قدورة وهدى الشعراوي لتنسيق العمل النسائي العربي وكذلك تطوير الحركة النسائية ولخدمة القضية الفلسطينية، وبعد وفاة الأخيرة انتخبت عام 1948 بالتزكية لتكون خلفاً لها في رئاسة الاتحاد النسائي العربي العام الذي يضم الاتحادات النسائية من جميع الدول العربية ويعقد دوراته في مختلف عواصمها، واستمرت رئاستها للاتحاد اثني عشر عاماً على حقبتين متفرقتين انتهت الثانية عام 1967 أي عند وفاتها، وتحت مظلة رئاسة الاتحاد شاركت في عدة محافل دولية نقلت من خلالها صوت المرأة العربية.

ففي عام 1961 ترأست الوفد النسائي اللبناني المشارك في مؤتمر الآفرو ـ آسيوي المنعقد في القاهرة وشاركت في أعمال المؤتمر وحضرت اجتماعات اللجنة التحضيرية له كرئيسة لوفد الاتحاد النسائي العربي، وبحث المؤتمر آنذاك الملف الفلسطيني والجزائري، حيث ألقت فيه ابتهاج قدوري كلمة عبرت فيها عن دعم المرأة اللبنانية النضال في البلدان حتى ينالا استقلالهما.

رثتها الصحافة حيث كتبت حنان الشيخ في مجلة "الحسناء" "معظم رؤساء الدول العربية عرفوا ابتهاج قدورة وشجعوا ثورتها من أجل مساواة المرأة بالرجل، فجأة انطفأت الشعلة المتوهجة طوال الأعوام السبعين الماضية، خمسون عاماً ورغم مرض السكري الذي داهمها لم تتخلف يوماً عن مد يد المساعدة والتفكير في حياة أفضل للمرأة العربية"، كما قالت أول امرأة خاضت الانتخابات النيابية في لبنان إميلي فارس إبراهيم "أحد أعمدة الصرح النسائي هوى، بل الجسر الركيز اقتلع، أنها ابتهاج قدورة الكبيرة في القيادة النسائية، أنها الإنسانة التي لامست كل قلب، الوداعة في الكبر والجندي في القيادة، اسمها سيظل يحوم بالخواطر كلما ذكر نضال نسائي في دنيا العرب كلها".