إيمان الشرفي: سبعة عقود والأصوات الناعقة لم تسكت

ترتفع الأصوات في تونس منذ سنوات لتعديل مجلة الأحوال الشخصية وتغييرها بما يعني نسف كل النضالات التي قادتها التونسيات منذ عقود للعيش في بلد يحترم وجودهن كإنسان كامل الحقوق والواجبات لا مُكمل.

زهور المشرقي

​تونس ـ ​عندما اختارت تونس طريق الحداثة غداة الاستقلال، كانت مجلة الأحوال الشخصية إعلاناً صريحاً: أن هذا الوطن لا يُبنى بنصف مجتمعه، جاءت المجلة ثمرة نضالات نساء تونسيات، كسرن القيد قبل أن يكسره القانون، لم تكن منحة، بل كانت انتزاعاً للحق.

​مرت العقود، ومسار النضال لم يتوقف، جاءت الثورة عام 2011 لتوسع المساحة، فانتزعت النساء قوانين أخرى: قانون مناهضة العنف، ومبدأ التناصف في المجالس المنتخبة الذي تم القضاء عليه وكانت كل خطوة تقول إن مكان المرأة ليس هامش الوطن، بل قلبه.

​واليوم، وبعد سبعة عقود من الريادة النسوية والمقاومة، خرجت من جديد أصوات ناعقة، أصوات لم تهضم يوماً فكرة أن تكون المرأة شريكة كاملة، تطالب اليوم بتعديل مجلة الأحوال الشخصية تحت لافتة "المراجعة"، إضافة إلى مساعي ضرب المجلة يقترح البرلمان بالأمس القريب مشاريع للتقاعد المبكر للنساء، بذريعة "أنهن تعبن"... والحقيقة أن الهدف واحد: إعادة المرأة إلى البيت.

​هي ليست مراجعة قانونية، هي محاولة لمراجعة التاريخ، هي أبوية سئمت من التنكر في ثياب الحداثة، فعاد ليطالب بحقوقه علناً: حقه في صمتنا، حقه في غيابنا، حقه في أن نعود ديكوراً يزين المشهد دون أن يصنع القرار.

​وترتفع الأصوات لتعديل المجلة وإلغاء النفقة وقوانين كثيرة للنساء، جاءت بدمائهن، وتحدثت رئيسة جمعية "هن" إيمان الشرفي، عن الوضع الراهن لحقوق المرأة في ظل التحديات التي تواجه مجلة الأحوال الشخصية، مشيرة إلى وجود مؤشرات تدل على تراجع ملموس يمس ذات المرأة، كرامتها، وحريتها.

وأشارت إلى وجود ضغوطات ودعوات تطالب بتنقيح مجلة الأحوال الشخصية وتغيير بعض فصولها، بناءً على ادعاءات بأن المجلة منحت المرأة حقوقاً أكثر مما تستحق، أو أنها تمارس تعسفاً ضد الرجل.

 

​الفجوة بين النص والواقع

​وأكدت إيمان الشرفي أن الحقوق المنصوص عليها أصبحت في كثير من الأحيان "حبراً على ورق". فبينما القوانين موجودة، إلا أن الواقع يشهد اضمحلالاً لهذه الحقوق واندثاراً لها، خاصة مع غياب الضغط الشعبي والمدني للتمسك بها ودعمها.

​ولفتت إلى تزايد ظاهرة العنف ضد المرأة، ومحاولات تحميلها المسؤولية دوماً، مع استمرار النظرة النمطية التي تحصر دور المرأة في "المنزل والمطبخ"، وتُنكر عليها حقوقها الأصيلة بدعوى أنها ليست من حقها.

 

​التأكيد على كفاءة المرأة

​وشددت على أن المرأة اليوم هي المتعلمة والمثقفة؛ وهي القاضية، والمحامية، والطيار، والمعلمة، كما أنها الفلاحة وربة البيت، وكل هؤلاء النساء يشتركن في حق الحفاظ على مكتسباتهن التي تمثل "روح الحياة" بالنسبة لهن.

​وقالت إيمان الشرفي إن أي تنقيح لمجلة الأحوال الشخصية يجب أن يكون للإضافة والتطوير وليس للتراجع، فالمرأة التونسية هي المكتسب الأهم للوطن، والحفاظ على حقوقها هو الضمان الوحيد لاستمرار عطائها ورعايتها للأسرة وللمجتمع ككل.

​وترى أن هناك أولويات أكثر إلحاحاً تخص كرامة وحياة المرأة التونسية، على غرار قضية "شاحنات الموت" حيث تعتبر أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لحماية العاملات في القطاع الفلاحي اللواتي يتم نقلهن في شاحنات غير مجهزة وصفتهن بأنهن يُنقلن كـ "البضائع"، مما يؤدي إلى حوادث سير قاتلة ومتكررة. وترى أن الحفاظ على أرواح هؤلاء النساء اللواتي يكدحن من أجل لقمة العيش أهم من الجدل القانوني حول المجلة.

​وتنتقد التركيز على مواضيع مثل "تعديل الزوجات" أو "تعديل النفقة" في ظل وضع اقتصادي صعب، وتتساءل بسخرية "هل وضعنا الاقتصادي يسمح بتعدد الزوجات؟"، مشيرة إلى أن الرجل التونسي نفسه لن يوافق على ذلك بسبب التكاليف المعيشية.

​وأوضحت أن مبالغ النفقة الحالية (مثل 120 ديناراً، 39 دولاراً)، لا تكفي حتى لدروس خصوصية لمادة واحدة لطفل واحد، فكيف يمكن للبعض أن يطالب بإلغاء نفقة المرأة أو تقليصها وهي "بالأساس لا تضمن حياة كريمة؟".

 

​توفير وسائل نقل آمنة

​وطالبت إيمان الشرفي بأن تلتفت الحكومة والجهات المعنية لتوفير وسائل نقل عمومية أو خاصة آمنة ومحترمة مثل الحافلات أو "التاكسي الجماعي" لهؤلاء العاملات، بدلاً من تركهن يواجهن خطر الموت يومياً، مؤكدة أن كرامة المرأة تبدأ من حماية حياتها وتوفير ظروف عمل إنسانية لها.

​وترى أن الجدل حول مجلة الأحوال الشخصية حالياً هو نوع من "الترف الفكري" أو تشتيت الانتباه عن قضايا مصيرية تتعلق بحياة وسلامة فئة واسعة من النساء الكادحات في تونس.

​يخطئ من يظن أن النقاش الدائر اليوم هو مجرد "مراجعة" لنصوص قانونية. إنها محاولة مكشوفة لمراجعة مسار دولة بأكملها.

​مجلة الأحوال الشخصية لم تكن يوماً منحة من سلطة، بل كانت ثمرة نضال طويل انتزعته النساء التونسيات بإرادتهن. هي عقد اجتماعي لا يُنقح في الغرف المغلقة بمعزل عن أصحابه الحقيقيين: النساء اللواتي يحملن هذا الوطن على أكتافهن.