ما هي انعكاسات الأزمة الاقتصادية على أوضاع المرأة السودانية؟

تواجه المرأة السودانية تداعيات اقتصادية واجتماعية معقدة خلفها الصراع، إذ تحملت أعباء مضاعفة داخل الأسرة وخارجها، وتعرضت لعنف اقتصادي متزايد، ما جعل دورها أكثر صعوبة رغم محاولاتها المستمرة للتكيف ومواجهة الانهيار الاقتصادي المتسارع.

آية إبراهيم

السودان ـ يمر السودان حالياً بواحدة من أكبر أزماته الاقتصادية في تاريخه الحديث، نتيجة الصراع الذي اندلع عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وما ترتب عليه من انهيار واسع في البنية الاقتصادية والمعيشية. فقد تجاوز سعر الدولار حاجز أربعة آلاف جنيه سوداني، الأمر الذي ضاعف معاناة الأسر في توفير احتياجاتها الأساسية. كما ارتفعت أسعار الوقود بشكل كبير، متأثرة بتداعيات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ما أضاف عبئاً جديداً على المواطنين.

توضح الأخصائية الاجتماعية آمال عبد اللطيف أن الصراع في بلادها كان له آثار اقتصادية كبيرة معقدة ومركبة انعكست على النساء بشكل كبير، معتبرة أن الأزمة الاقتصادية بعد الصراع من أبرز الأزمات في تاريخ السودان الحديث نتيجة انهيار العملة والموارد ومؤسسات الحكومة، ما شكل عبء اقتصادي كبير على النساء، مؤكدة أن كثير من النساء تعتمد عليهن الأسر بشكل كبير.

وتشدد على أن المرأة السودانية تلعب دوراً محورياً في الاقتصاد الوطني، وقد كانت دائماً من أكثر الفئات تأثراً بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية، فهي تتحمل العبء الأكبر داخل الأسرة، ومع تسارع المتغيرات في البلاد أصبح دورها أكثر تعقيداً، إذ باتت مطالبة بإعالة الأسرة وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

وترى أن هذا الوضع يضع المرأة أمام تحديات قاسية تجعل من الصعب عليها توفير بيئة آمنة ومستقرة لأسرتها أو حتى الوصول إلى الحد الأدنى من احتياجاتها.

 

التداعيات النفسية والاجتماعية

وحول ما تواجهه المرأة من عنف اقتصادي، تؤكد آمال عبد اللطيف أن العنف الاقتصادي ضد المرأة السودانية شهد ارتفاعاً كبيراً بعد اندلاع الصراع، موضحة أن كثيراً من النساء اضطررن إلى دخول سوق العمل الهامشي بعد فقدان وظائفهن الأساسية، بحثاً عن أي بدائل تمكنهن من تغطية الاحتياجات الضرورية أو الحد الأدنى للعيش.

وتشير إلى أن من أبرز مظاهر هذا العنف لجوء حاملات الشهادات العليا في مراكز الإيواء إلى أعمال بسيطة في الأسواق، لافتة إلى أن بعض النساء يجدن أنفسهن مضطرات لبيع المواد الإغاثية التي تصل إليهن من المنظمات لتلبية احتياجات أسرهن، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي يتعرضن لها.

وترى أن التحديات النفسية والاجتماعية تمثل واحدة من أخطر الآثار التي تواجه المرأة السودانية اليوم، خاصة في ظل دورها المزدوج بين إعالة الأسرة وغياب الدعم العائلي، هذا الوضع يضعها تحت ضغوط نفسية متراكمة قد تؤدي مع الوقت إلى تراجع ثقتها في قدراتها وإمكاناتها الذاتية بسبب حساسيتها العالية تجاه مسؤولياتها.

وتشير إلى أن هذه الضغوط تعد من أعمق المشكلات المرتبطة بالآثار الاقتصادية والاجتماعية، إذ تنعكس مباشرة على الأبناء وتؤدي إلى مشكلات نفسية مركبة يصعب التعامل معها لاحقاً، مما يجعل الأزمة متعددة الأبعاد وليست اقتصادية فقط.

وحول كيفية مواجهة الآثار الاقتصادية، تقول آمال عبد اللطيف إن المرأة السودانية باتت مثقلة اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً، مؤكدة أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تمثلان وجهين لعملة واحدة، وأن انعكاساتهما تضاعفت على النساء بشكل خاص، ورغم أن الأزمة أثقلت كاهل المرأة بصورة كبيرة، إلا أنها "ما تزال قادرة على مواجهة التحديات عبر محاولات متعددة"، من بينها إنشاء مشاريع صغيرة والاعتماد على اجتهادها الشخصي، إلى جانب ما تتلقاه من دعم بعض الجهات التي تسهم في تخفيف العبء الاقتصادي.

وفي ختام حديثها، أكدت الأخصائية الاجتماعية آمال عبد اللطيف أنه على المرأة أن تلعب دور كبير في عملية التعافي الاقتصادي في بلدها رغم التحديات التي واجهتها، مشيرة إلى أن هذا الدور أثبتته في أوقات سابقة حتى على مستوى التعافي الوطني.

 

هجرة الكفاءات وتأثيرها على الاقتصاد

من جانبها، ترى الإعلامية والمهتمة بالشأن الاقتصادي مي منصور أن الهجرة الواسعة إلى خارج السودان منذ اندلاع الصراع كانت من أول العوامل التي أصابت اقتصاد البلاد "بالشلل"، إذ غادر أصحاب الأعمال ورواد الشركات والمؤسسات التي كانت تشكل جزءاً مهماً من الدورة الاقتصادية، مما أدى إلى تراجع "غير طبيعي" في مقومات الإنتاج.

وتشير إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية فاقم الوضع المعيشي، موضحة أن القطاع الزراعي تأثر بشدة لأنه يعتمد على التقنيات الحديثة التي أصبحت صعبة التشغيل في ظل الصراع، مؤكدة أن الاقتصاد وصل إلى مرحلة "الانهيار الكامل" الأمر الذي انعكس على المجتمع بوضع قاسٍ وغير مسبوق.

في ظل هذا المشهد الاقتصادي المنهار وتداعيات الصراع الممتدة، تبدو المرأة السودانية في قلب العاصفة، تتحمل أعباء مضاعفة وتواجه تحديات مركبة تمس حياتها المعيشية والنفسية والاجتماعية. ورغم قسوة الظروف، يظل حضورها فاعلاً في صمود المجتمع وقدرته على الاستمرار، إذ تثبت مرة بعد أخرى أنها ركيزة أساسية في حماية الأسرة ودعم الاقتصاد المحلي، وأن دورها سيبقى محورياً في أي مسار نحو التعافي وإعادة البناء.