فصل صامت واستغلال بلا حدود... العاملات أولى ضحايا الانهيار الاقتصادي
مع تصاعد الأزمة الاقتصادية وتداعيات الحرب في إيران، تواجه العاملات في كرماشان أكثر من غيرهن حالات الفصل من العمل، وتأخير دفع الأجور، والتمييز الوظيفي، والضغوط الأمنية.
سارة بورخزري
كرماشان ـ في كل عام خلال شهر آذار/مارس، يتكرر صراع بين ممثلي أصحاب العمل والعمال والحكومة في المجلس الأعلى للعمل حول تحديد الحد الأدنى للأجور، صراع يبدو في ظاهره دفاعاً عن حقوق العمال، لكنه في الواقع غالباً ما ينتهي لصالح الحكومة وأصحاب العمل.
في آذار/مارس الماضي وفي الأسبوع ذاته الذي اندلعت فيه الحرب، أقرّ المجلس الأعلى للعمل بشكل متسرع زيادة بنسبة 60% في أجور العمال للعام الجديد، وقد بدا هذا القرار للوهلة الأولى وكأنه مؤشر على دعم الطبقة العاملة، لكن الواقع سرعان ما كشف عن وجه آخر.
فبالتزامن مع إعلان هذه الزيادة، قفزت معدلات التضخم بوتيرة غير مسبوقة، إذ تضاعفت أسعار السلع الأساسية، والمواد الغذائية، والإيجارات، وحتى أبسط متطلبات الحياة اليومية خلال أسابيع قليلة، وفي مثل هذه الظروف، لم تؤدِّ زيادة الأجور بنسبة 60% إلى تحسين القدرة الشرائية للعمال، بل تحولت عملياً إلى ذريعة لتبرير موجة الغلاء الفاحش.
ومن جهة أخرى، وجهت الحرب ضربة قاسية للاقتصاد، فقد أُغلِق العديد من المصانع وورش العمل والمشاريع الصغيرة بشكل كامل، أو اضطرّت إلى تقليص نشاطها بشكل حاد، مما أدى إلى تسريح العمال، وبين مختلف الفئات المهنية، كانت العاملات الأكثر تضرراً، ففي المصانع والوحدات الإنتاجية، كانت النساء أول من أُدرجت أسماؤهن في قوائم الاستغناء عن العمالة؛ وهنّ غالباً يعملن بعقود مؤقتة، ويتقاضين أجوراً أقل، ويتمتعن بأمن وظيفي أضعف.
كما أن العديد منهن المعيلات الوحيدات لأسرهن، أو يتحملن العبء الأكبر في رعاية الأطفال وكبار السن، ومع إغلاق أماكن العمل أو التأخير الطويل في دفع الرواتب، تضاعفت الضغوط الاقتصادية والنفسية عليهن، وإلى جانب هذه التحديات، تواجه العاملات مشكلات أخرى، مثل زيادة ساعات العمل دون تعويض إضافي بحجة نقص الأيدي العاملة، أو قطع المزايا والتأمين.
وفي كثير من الحالات، تعرضت العاملات المحتجات للتهديد بالفصل من العمل إذا قمن بالاعتراض، وهو ما زاد من حجم الضغوط الواقعة عليهن، في الواقع، لم تؤدِّ الحرب والأزمة الاقتصادية إلى شلّ البنى الإنتاجية فحسب، بل عمّقت أيضاً الفجوة الجندرية في سوق العمل؛ فالنساء اللواتي كنّ أصلاً على هامش سوق العمل قبل الحرب، يتم إقصاؤهن اليوم بوتيرة أسرع، فيما يزداد عبء إعالة الأسرة على عاتقهن.
تأخير الأجور والتمييز في دفع رواتب النساء
توضح (مرجان. ن)، التي تمتلك معرفة دقيقة بقوانين العمل، أنه "يمكن القول بثقة إن جزءاً كبيراً من شركات كرماشان لم يطبق حتى الآن أي زيادة في أجور العمال. ففي الظاهر أقرت الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور، لكن رغم دخولنا الشهر الثاني من العام الجديد، لم يتم حتى الآن تعميم أي قرار رسمي بزيادة الرواتب على الشركات. هذا الفراغ الإداري أتاح لأصحاب العمل استغلال ظروف الحرب، والامتناع عن تنفيذ القرار، والاستمرار في دفع الأجور دون أي تعديل".
لكن هذا الظلم لا يقتصر على شهر نيسان/أبريل فقط، فمع اندلاع الحرب في الأسبوع الأول من شهر آذار/مارس، وبسبب قرب المناطق الصناعية في كرماشان من المراكز العسكرية والدفاعية، أُغلِق العديد من المصانع والشركات، ونتيجة لذلك لم تُدفع رواتب شهر آذار/مارس، ولا حتى مكافآت نهاية العام لعدد كبير من العاملين والعاملات، كما تشير تقارير إلى أن بعض أصحاب العمل، وحتى في الحالات التي تم فيها الدفع، قاموا بإعطاء الأولوية للرجال بذريعة أنهم "المعيلون الرئيسيون"، بينما حُرمت النساء فعلياً من رواتبهن ومكافآتهن.
هذا النهج التمييزي زاد من حجم الضغط على النساء؛ فالكثير منهن لا يتحملن فقط جزءاً من نفقات الأسرة، بل تواجهن أيضاً في ظل الحرب ارتفاع الأسعار، وانعدام الأمان الوظيفي، والإقصاء التدريجي من سوق العمل، وفي مثل هذه الأجواء، تصبح النساء أكثر عرضة للتهميش والاستغلال والتجاهل، وتتسع الفجوة الجندرية داخل بيئات العمل.
لقد تحولت الحرب بالنسبة للعديد من أصحاب العمل إلى ذريعة لتعليق التزاماتهم القانونية، وكانت النساء أولى ضحايا هذا الانتهاك غير المعلن، كما أدى غياب الرقابة، وتأخر إصدار التعليمات الرسمية، إلى جانب الذهنية الذكورية السائدة في البنى الإدارية والصناعية، إلى خلق منظومة من الضغوط التي دفعت بحياة العاملات ومعيشتهن إلى حافة الانهيار.
وتروي (إلهام. ب)، وهي عاملة في إحدى الشركات الواقعة في المنطقة الصناعية على طريق سنه في كرماشان ما حدث معها "لقد أوصلونا إلى حافة الموت كي نرضى بالأقل. في الشركة التي أعمل بها، تم فصل معظم العاملات في خط الإنتاج، ولم يتبقَّ سوى أنا وامرأة أخرى، لكن تم تخفيض موقعنا من عاملات إنتاج إلى عاملات نظافة في المصنع، ومع تزايد الغلاء يوماً بعد يوم، أُجبر على قبول أي عمل، لكنني أتمنى ألا يكون هذا العمل شكلاً من أشكال السُّخرة. لم أتقاضَ راتب شهر آذار حتى الآن، كما لم يُدفع راتب نيسان، وقد مضت عدة أيام من الشهر الجديد دون أي خبر عن الأجور. لا نجرؤ على الاعتراض، لأنهم يقولون لنا إن هذه هي الظروف، ومن لا يعجبه فليذهب إلى مكان آخر".
الفصل الصامت... إقصاء النساء من سوق العمل دون تسجيل رسمي
اضطرت العديد من النساء، خوفاً من عدم العثور على عمل جديد، إلى الاستمرار في ظروف مشابهة لما تعيشه (إلهام. ب)، ظروف أقرب إلى الإكراه الصامت منها إلى العمل الحقيقي، لكن هذا ليس سوى جزء من القصة، إذ تؤكد كثير من النساء أن فصلهن لم يُسجَّل حتى بشكل رسمي، وهو ما حرمهن من أبسط حقوقهن القانونية، مثل الاستفادة من التأمين ضد البطالة، فصاحب العمل لم يصدر أي كتاب عدم حاجة، ولم يقدّم أي مستند رسمي، بل اكتفى بعبارة واحدة "لا تأتوا إلى العمل حالياً" هذه الجملة وحدها أدخلت حياة مئات النساء في حالة من الغموض الكامل.
نساء لم يتقاضين رواتب آخر شهرين ولا يعرفن حتى ما الذي سيحدث لهن في الغد، كثيرات منهن بقين في منازلهن دون أي مصدر دخل؛ لا يملكن القدرة على الاعتراض، ولا أملاً في العودة، ولا وسيلة للمطالبة بحقوقهن قانونياً، لعدم وجود أي وثيقة تثبت فصلهن، وإن قررن تقديم شكوى، فسيجدن أنفسهن عالقات في دوامة بيروقراطية طويلة.
هذه الحالة تمثل نوعاً من "الفصل الصامت"، أسلوب يُقصي فيه صاحب العمل العامل دون تسجيل رسمي، ودون تحمّل أي مسؤولية أو مساءلة، في الظاهر، لا يوجد فصل، لكن تُحرم نساء عملن لسنوات من كل شيء دفعة واحدة: من الأجر، ومن التأمين، ومن سجلّهن المهني، ومن الحد الأدنى من الأمان الذي يفترض أن يكفله القانون.
وفي حالات كثيرة، تؤكد النساء أن هذا الأسلوب يُستخدم عمداً لتفادي دفع أي مستحقات، سواء مكافآت نهاية الخدمة، أو التعويضات، أو حتى الأجور المتأخرة، بعضهن منذ بداية الحرب وهنّ في المنازل بانتظار العودة إلى العمل، لكن ما يواجهنه يومياً هو تراكم الديون، وارتفاع تكاليف المعيشة، وقلق دائم يلاحقهن كظلّ.
في ظل هذه الظروف، لا تفقد النساء وظائفهن فقط، بل أصواتهن أيضاً، فالخوف من البطالة، وندرة فرص العمل، والبيئة الأمنية المشددة داخل أماكن العمل، كلها عوامل تجعل حتى الحديث عن الحقوق المسلوبة مخاطرة بحد ذاته، كثيرات يقلن إن مجرد الاعتراض قد يؤدي إلى "تشويه السمعة" ومنعهن من الحصول على عمل في المستقبل، وهكذا تُدفع النساء إلى خيارين كلاهما قاسٍ: البطالة بلا دخل، أو العمل في ظروف استغلالية؛ وكلاهما غير عادل.
البيئة الأمنية في المصانع
وأوضحت مرجان. ن أن المشكلات الاقتصادية، إلى جانب الضغوط التي يفرضها أصحاب العمل على العاملات، ليست سوى جزء من معاناة هذه الفئة، ففي الأشهر الأخيرة، أدى خوف السلطات من اندلاع احتجاجات عمالية إلى فرض رقابة مشددة على المناطق الصناعية والمصانع؛ رقابة تهدف إلى منع أي تجمع أو احتجاج، بل حتى منع طرح مطالب بسيطة مثل تأخير الرواتب أو عدم دفع المستحقات.
لكن الواقع أكثر تعقيداً، فالمناخ الأمني داخل أماكن العمل وضع العمال، وخاصة النساء، في موقف يجعل حتى التعبير عن المشكلات اليومية أمراً مكلفاً، وتشير العديد من العاملات إلى تزايد وجود القوى الأمنية حول المصانع، كما أن الإدارات مستندة إلى "حساسية الظروف"، باتت تعتبر أي اعتراض أو حتى استفسار عن الرواتب المتأخرة تهديداً.
في مثل هذه الأجواء، تصبح العاملات الأكثر هشاشة؛ فهن لا تواجهن فقط التمييز البنيوي والنظرة الذكورية في بيئة العمل، بل تتحملن أيضاً عبء الخوف من الوصم، أو الفصل غير الرسمي، أو حتى الاستجواب.
وأشارت مرجان. ن إلى أن العديد من النساء لا يجرؤن حتى على السؤال عن رواتبهن المتأخرة، خوفاً من إدراج أسمائهن في قوائم "المعترضين" ومن ثم إقصائهن نهائياً من سوق العمل. هذا الواقع خلق نوعاً من الصمت القسري؛ صمت يتيح لأصحاب العمل تأخير الأجور لأشهر، وحرمان العاملات من المزايا، بل وحتى فصلهن دون أي توضيح.
في المقابل، تجد العاملات أنفسهن مجبرات على الاختيار بين أمرين قاسيين: إما تحمّل ظروف عمل غير إنسانية، أو البطالة دون أي مصدر دعم، وفي بعض المصانع، حُظرت حتى الاجتماعات الصغيرة بين عدد قليل من العمال لمناقشة مشكلاتهم، إذ حذّر المديرون، بذريعة "تعليمات من الجهات العليا"، من أن أي تجمع لو كان فقط لتنسيق جداول العمل قد يُفسَّر على أنه تحرك احتجاجي.
هذا المستوى من الرقابة قضى فعلياً على أي إمكانية للتضامن العمالي، ونتيجة لذلك، أصبحت العاملات عالقات في مثلث ضاغط: أزمة اقتصادية تتفاقم يوماً بعد يوم، وضغوط من أصحاب العمل يستغلون فيها الظروف، وضغط أمني يقمع أي محاولة للاعتراض. هذا التداخل دفع بحياة الكثير من النساء إلى حافة يشعرن فيها أنهن غير مرئيات، وغير مسموعات، ولا يُسمح لهن حتى بالمطالبة بأبسط حقوقهن.
بشكل عام، يمكن القول إن ظروف الحرب الأخيرة جعلت النساء أكثر عرضة للضغط من أي وقت مضى، ففي جميع مراحل القمع، والتمييز، وفرض القرارات غير العادلة، كنّ أول من يدفع الثمن من قبل أصحاب العمل والدولة. نساء يجدن أنفسهن عالقات في مستنقع عميق ومُنهِك، يكافحن بكل ما لديهن فقط من أجل الاستمرار، ومحاولة تفادي الانزلاق الكامل في هذه الدوامة القاسية.