البطالة تدفع خريجات جزائريات لتغيير مسارهن نحو مهن بديلة

تعكس تجارب شابات جزائريات حجم التحديات التي تواجه الخريجات في الولوج إلى سوق العمل، حيث تتقاطع البطالة، وانسداد الآفاق المهنية، واضطرار الكثيرات لتغيير مسارهن نحو مهن بعيدة عن تخصصاتهن الجامعية.

رابعة خريص

الجزائر ـ تظهر المؤشرات الرسمية ضعف حضور النساء في سوق العمل الجزائري رغم حصولهن على شهادات جامعية معترف بها، ما يفاقم شعورهن بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس. وتقدر نسبة البطالة بـ9.7 بالمائة، فيما لا تتجاوز نسبة النساء العاملات 18 بالمائة، بينما تواجه 60 بالمائة من الجامعيات صعوبات في التوظيف، الأمر الذي يدفع الكثير منهن إلى التوجه نحو الحرف اليدوية بحثاً عن بديل مهني أكثر استقراراً.

هذا الحال ينطبق على مريم. ز خريجة كلية الحقوق في الجزائر العاصمة التي واجهت صعوبة كبيرة في الولوج إلى مهنة تنطبق مع مجال تخصصها، تقول مريم. ز "بعد تخرجي واجهت صعوبة كبيرة في الحصول على عمل لائق لعدة أسباب أهمها تشبع سوق العمل بالمهن الحرة مثل المحاماة، التوثيق، المحضر القضائي، إضافة إلى صعوبة الولوج إلى مسابقات التدريب المهني".

وفي تلك المرحلة وجدت مريم. ز نفسها تعيش في دائرة مفرغة استنزفت طاقتها اليومية، وتؤكد أن أخطر ما سببته لها البطالة هو شعور بعدم اليقين والكفاءة والسخط من الحياة مما أثر بشكل كبير على سلوكها "أصبحت حينها في عداد العاطلين عن العمل لم أكن أملك سوى خياران أحلاهما مر، بل ربما يجوز القول إن كليهما مُران الأول التقديم على وظائف جديدة لا تتناسب مع تخصصي العلمي أو البقاء ضمن إيقاع حياة العاطلين عن العمل والذي يتسم عادة بالفراغ والتوتر النفسي".

واستقرت مريم. ز على الخيار الأول والتحقت بقطاع التعليم كأستاذة مستخلفة في المدرسة الابتدائية، لكن العمل كان أصعب مما كانت تعتقد لعدة أسباب تذكر من بينها عدم الاستقرار، تأخر صرف الأجور، انعدام الترسيم والإدماج خلال تلك الفترة وأخيراً عدم الاستفادة من الترقية، لذلك اضطرت للتخلي عن الوظيفة والعودة إلى هوايتها في خياطة الملابس التقليدية.

وأفضت نتائج الدراسة التي أجراها الديوان الجزائري للإحصاء حول النشاط والتوظيف والبطالة شملت الفترة الممتدة بين 2019 ـ 2025، إلى أن نسبة البطالة في الجزائر قد بلغت 9.7 بالمائة، بينما كان معدل البطالة عام 2019 يقدر بـ 11.4 بالمائة وتوزع هذا المعدل بـ 20.4 بالمائة للنساء و19.5 للرجال.

وبحسب الإحصائيات ذاتها، تتمركز النساء في القطاع العام بنسبة 61.1 بالمائة، أما القطاع الخاص بنسبة 38.9 بالمائة، ويكمن السبب وراء ذلك في كون القطاع العام أكثر أماناً وأقل استغلالاً للعامل في نظر المرأة، كما أن هذا القطاع يحفظ ويوفر لها ظروفاً أكثر ملائمة للعمل.

ويتركز عمل النساء والفتيات في الجزائر في الصحة والعمل الاجتماعي بنسبة 45 بالمائة من مجموع الوظائف وفي الإدارة العامة بنسبة 14 بالمائة، وفي الصناعات التحويلية بنسبة 19 بالمائة، وتكشف الإحصائيات المتوفرة أن معدل العمل لذوات المستوى الجامعي يقدر 35.3 بالمائة، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بالمستوى التعليمي الذي بلغته المرأة في الجزائر.

 

متاهة ما بعد الجامعة

فريال قيت، شابة جزائرية أخرى في العقد الثالث من عمرها، خريجة تخصص بيولوجيا، وواحدة من اللواتي عانين من البطالة لسنين طويلة، تقول لوكالتنا إن "السنوات التي أعقبت التخرج كانت من أصعب المراحل التي مررت بها في حياتي سواء من ناحية عدم الشعور بالاستقرار والأمان أو من ناحية الانتظار من أجل الظفر بوظيفة ما تلائم تخصصي".

وتؤكد أن الحالة الموصوفة لم تكن مقتصرة عليها فقط، بل شملت العديد من الصديقات اللواتي كن معها في نفس التخصص الجامعي، ولأنها لم تعثر على فرصة مناسبة تلائم مجال تخصصها، تشير إلى أنها استفادت من تلك الفترة لاكتساب تدريبات مهنية وأكاديمية جديدة لتستقر في نهاية المطاف وبعد سنوات البطالة الطويلة في عالم التجميل الطبيعي كصناعة زيوت طبيعية لتفتيح البقع الداكنة وتوحيد لون البشرة وزيوت لتكثيف الشعر.

الحال لا يختلف عند سمية. ب من مدينة سطيف، حائزة على شهادة ماجستير في البيولوجيا، لكن كانت البطالة من نصيبها، تقول "بعد تخرجي كنت أحلم بالعمل والاستقلال المالي لكن وجدت نفسي بلا عمل".

وتؤكد أنها اصطدمت بواقع "مرير" بعدما فشلت في الحصول على منصب دائم في إحدى مراكز الأبحاث الطبية أو المخابر الحكومية، فأجبرت بعدها على العمل في المخابر الخاصة وبقيت تتنقل بين مخبر وآخر بسبب ضآلة الأجر مقارنة بساعات العمل الطويلة، إذ يبدأ العمل من الساعة الثامنة صباحاً إلى السادسة مساءاً فقررت المكوث في البيت والتوقف عن العمل.

تكشف قصص مريم وفريال وسمية عن واقع معقد تعيشه آلاف الخريجات في الجزائر، حيث تتداخل البطالة مع محدودية الفرص وضعف استيعاب سوق العمل للكفاءات الجامعية. ورغم محاولات التأقلم وتغيير المسار، يبقى تمكين النساء مهنياً وتوسيع فرص العمل ضرورة ملحة لضمان استثمار حقيقي في قدراتهن وتحقيق استقلاليتهن الاقتصادية.