من قارة إلى قارة... نضال المرأة قديماً وحديثاً (3)

يذخر تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بتجارب غنية للحركة النسوية، ورغم التغيير الحاصل في العديد من القوانين جراء الكفاح المستمر للنساء إلا أن التمييز العنصري لم ينتهي

من أساتا إلى ماريسا كفاح المرأة الأمريكية ضد التمييز العنصري

مركز الأخبار ـ . ومن النساء اللواتي برز اسمهن في الولايات المتحدة الأمريكية الثورية في حركة حرية الزنوج أساتا أولوغبالا شكور. التي اضطرت نتيجة السجن والتعذيب الفرار من البلاد. وفي يومنا الراهن تواصل النساء الكفاح والنضال ضد العنف الجنسي، وعنف رجال الشرطة وضد الاغتصاب. كما تشغل قضية المرأة الملونة ماريسا ألكساندر التي حكم عليها بالسجن 60 عاماً بعد أن أطلقت طلقة تحذيرية في الهواء ضد زوجها الذي كان يعنفها وهددها بالقتل، الرأي العام النسائي في أمريكا.
الولايات المتحدة الأمريكية ورغم كونها دولة كبرى، إلا أن المعلومات المتوفرة عن الحركة النسوية في هذا البلد شحيحة جداً. فالتاريخ الذي دونه الرجال لم يتطرق إلى تاريخ الحركة النسائية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتد إلى مائة عام، حيث بدأت الحركة النسائية بداية في المصانع. 
في يوم الثامن من آذار/مارس عام 1857، وهو اليوم الذي تحول فيما بعد إلى يوم المرأة العالمي، أعلن أكثر من 40 عامل من عمال مصانع النسيج في مدينة نيويورك الأمريكية، معظمهم من النساء، الإضراب عن العمل مطالبين بتحسين ظروف العمل، إلا أن الاحتجاجات تعرضت للقمع من قبل الشرطة وتم إغلاق أبواب المصانع على العمال، واشتعلت النيران في المصانع مما أدى إلى مقتل 129 امرأة عاملة في تلك الحادثة. وشارك 10 آلاف شخص في تشييع جثامين النساء الضحايا. وفي الفترة الواقعة بين 6 و27 آب/أغسطس عام 1910 عقدت نساء من أنصار الأممية الثانية اجتماعاً في مدينة كوبنهاغن (الكونفرانس الدولي للنساء الاشتراكيات). وخلال الاجتماع اقترحت كلارا زيتكين، وهي من طليعيات الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، اعتبار يوم الثامن من آذار/مارس يوم المرأة العالمي وفاءاً لذكرى النساء اللواتي فقدن حياتهن في ذلك اليوم من عام 1857 في حريق مصانع النسيج، وتم الموافقة على مقترحها بأغلبية الأصوات.
 
تجارب غنية للحركة النسوية
أحد الجوانب الأخرى المتجذرة لنضال المرأة في الولايات المتحدة الأمريكية هو نضال الحركة النسوية. وبدأت نشاطات الحركة النسوية على شكل حركة جماهيرية في أواخر القرن التاسع عشر تحت شعار "المساواة"، وفي نفس الفترة انطلقت الموجة الأولى من نشاط الحركة النسوية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتمحورت مطالب النساء بحقوق متساوية مع الرجال، وتقاضي أجور مماثلة مع الرجل في الأعمال المماثلة والسماح للنساء بالدراسة في الجامعة والسماح بإشغال الوظائف. هذا الحراك النسوي تمكن منذ نهاية القرن التاسع عشر من التأثير على العديد من البلدان. حتى بداية القرن العشرين لم تكن الموجة الأولى من الحركة النسوية في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي كانت حركة للنساء البيض، تهتم بقضايا النساء الملونات. ولكن اعتباراً من عام 1940 طورت نساء ملونات نظرية الحركة النسوية الملونة مناهضة للحركة النسوية للبيض. 
من الأسماء البارزة في الحركة النسوية في الولايات المتحدة الأمريكية، هي الثائرة، ورائدة حركة حرية الملونين في أمريكا والمعتقلة السياسية أساتا أولوغبالا شكور.
 
انضمت إلى حزب (الفهود السود) Black Panther Party
ولدت أساتا أولوغبالا في مدينة نيويورك الأمريكية عام 1947، اسمها عند الولادة جوان ديبورا بايرون. وتتحدث أساتا عن مسيرتها النضالية في كتابها "أساتا: سيرة ذاتية"، وفي مؤتمر صحفي في شهر كانون الثاني/يناير وصفت أساتا نفسها بـ "عبدة القرن العشرين البائسة". وتقول أساتا أنها عانت البؤس في الولايات المتحدة وأن فترة سجنها كانت استمراراً للعبودية، لكنها عاشت في كوبا كلاجئة سياسية. انضمت في شبابها إلى حركة الطلبة، وعندما بلغت العشرين من عمرها انضمت إلى حزب الفهود السود الذي كانت تمثل حركة حرية الملونين (الزنوج)، وأصبحت من رواد وقادة الحركة في فرع الحزب في حي هارلم، وهو حي الزنوج في نيويورك. في البداية وبهدف إنهاء التمييز القومي داخل الحزب قدمت وجبات إفطار مجانية للأطفال الزنوج الجياع في العشرات من الأماكن.
تقول أساتا أولوغبالا أنها وأثناء جولتها في العديد من الأماكن في الولايات المتحدة الأمريكية مثل ولاية كاليفورنيا، أدركت أن هناك العديد من الناس من آسيا وأمريكا الجنوبية يخوضون نضالاً مشابهاً لنضالهم. وناضلت أساتا في نفس الوقت ضد الدكتاتورية العسكرية وناهضت حرب فيتنام، وانضمت في تلك الفترة إلى (جيش التحرير الأسود) Black Liberation Army.
 
اعتقلت بعد أن قتل رفيق دربها
في أعوام السبعينيات اعتبر مكتب التحقيقات الفدرالي أن حركة الحقوق المدنية وحركة حرية الملونين "من أكبر الأخطار التي تهدد أمن الولايات المتحدة الامريكية" وبدأت بشن حملة وسلسلة من العمليات السرية غير القانونية تحت اسم COINTELPRO، استهدفت حركات حقوق الملونين، وتضمنت عمليات COINTELPRO عمليات اغتيال والتسلل إلى حركات السود وتشويه سمعتها والعديد من الوسائل الأخرى. وكانت أساتا أولوغبالا تشكل هدفاً مهما لهذه العملية. ومع استمرار الملاحقة، أصبحت أساتا أحد ضحايا حملة التشوية التي شنتها عمليات COINTELPRO، ويكاد لا يمضي أسبوع واحد إلا وتتصدر أساتا عناوين الصحافة العنصرية حيث كانت تتهم بقضية ما لتشويه سمعتها. وفي شهر أيار/مايو عام 1973 أقدمت شرطة ولاية نيوجيرسي القريبة من نيويورك على اعتراض سيارة تقل أساتا وأثنين من رفاقها، وبعد أن تم إيقاف السيارة وركنها على طرف الطريق أطلقوا النار عليهم. وأسفر إطلاق النار عن مقتل صديق أساتا زايد مالك شكور، كما قتل رجل شرطة برصاص سلاحه. أما أساتا وسوندياتا أكولي فقد تمكنتا من الفرار من الشرطة، حتى ألقي القبض عليها بعد أيام من الحادثة. ورغم أن أساتا رفعت يدها عندما تم إطلاق النار إلا أنها أدينت خلال محاكمة سريعة. وألصقت السلطات العديد من التهم الأخرى بها.
 
الاعتقال والتعذيب
تعرضت أساتا أولوغبالا للتعذيب وشروط اعتقال تتنافى مع قوانين لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أرسلت أساتا إلى سجن الرجال، رغم أنها كانت حاملا، وقد ولدت في ظروف سيئة. أمضت ستة أعوام في المعتقل، وفي عام 1979 تمكنت من الفرار من سجنها بمساعدة من جيش التحرير الأسود. وخلال الخمس سنوات التالية لاحقت الشرطة الفدرالية واغتالت كل من كان على علاقة مع أساتا. 
في تلك الفترة نظمت حركة مساندة ودعم أساتا اجتماعاً جماهيراً، حيث تلقت أساتا دعماً كبيراً من الأهالي، حتى الباعة علقوا لافتات على محلاتهم كتبوا عليها "نريد أساتا هنا". اضطرت أساتا خلال سنوات العيش مخفية تحت الأرض إلى أن انتقلت إلى دولة كوبا لتعيش هناك كلاجئة سياسية. وفي كوبا التقت أساتا مع المجتمعات التشاركية الحرة والتي تضم العديد من العبيد الذين فرو خلال أيام الاستعباد إلى كوبا، وغالبيتهم من الزنوج الأفارقة. في كوبا درست أساتا الدراسات العليا وألفت كتاباً.
في عام 2013 اعتبرت أساتا أولوغبالا أول امرأة تعلنها الولايات المتحدة الأمريكية كإرهابية، وأدرجت في قوائم الملاحقين من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي، كما تم رصد جائزة بقيمة مليون دولار لكل من يساعد في اعتقالها. وتسببت أساتا بأزمة سياسية بين الولايات المتحدة وكوبا. المحامون الأفارقة استنكروا الولايات المتحدة الأمريكية في المؤتمر العالمي وقالوا إن رصد جائزة المليون دولار يذكر بالجوائز التي كانت ترصد من أجل استعادة العبيد غير الشرعيين.
 
ما هي قضايا النساء في الولايات المتحدة الأمريكية في يومنا الراهن؟
لا تزال القضية الأساسية للنساء في الولايات المتحدة الأمريكية هي قضية العنف الجنسي وعنف رجال الشرطة. إضافة إلى عنف الشرطة، فإن قضية قتل النساء الملونات المتحولات جنيساً تشغل الحركة النسوية. وبحسب الإحصائيات التي أجريت عام 2015 فإن امرأة واحدة على الأقل (من النساء المتحولات جنسياً) تتعرض للقتل أسبوعياً، والمتهم في حوادث القتل هم مجموعات عنصرية من البيض. وقد نظمت مؤخراً فعالية إشعال الشموع في ذكرى النساء الضحايا.
 
نساء تحملن السرير
في السنوات الأخيرة تصاعد الاحتجاج والنضال ضد الاعتداءات الجنسية والاغتصاب وخاصة في الجامعات الأمريكية. الطالبة في جامعة كولوميا في مدينة نيويورك إيما سالكوفيتش، تحمل معها منذ شهر أيلول/سبتمبر السرير الذي تعرضت عليه للاغتصاب أينما ذهبت. وتستمر هذه الفعالية احتجاجاً على إقدام أحد الطلاب على اغتصاب إيما وامرأتين أخريين، ولم يتم معاقبته من قبل إدارة الجامعة، ويتجول بحرية في حرم الجامعة، وقد امتدت الفعالية إلى العديد من الجامعات الأخرى. الطالبات اللواتي تنظمن فعالية حمل الأسرة تسعين إلى توجيه الأنظار إلى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية هي أماكن مفتوحة ومؤهلة للاعتداء الجنسي والاغتصاب، وعليه تم تحريك دعاوي قضائية ضد العديد من مدراء الجامعات.
وهناك في الولايات الأمريكية العديد من القوانين التي تحمي النساء. ولكن غالباً ما يتم تبرئة المتهمين بقضايا الاغتصاب بحجة أن الضحية "لم تعلن رفضها جهاراً". وكنتيجة للنضال المتواصل للنساء تم تعديل القانون لصالح النساء. وبحسب العديد من النساء فإن هذه التعديلات القانونية سوف تساهم في وضع حد للأشخاص الذين يستخدمون الخمور والمخدرات من أجل الاغتصاب في الجامعات.
 
القوانين تحمي البيض
وترى العديد من الأوساط إن هذه القوانين ومثيلاتها تستند إلى سلطة الدولة من أجل تحقيق العدالة، وبالتالي فإنها تؤدي إلى "النسوية الأسيرة"، تقول فيكتوريا لاو في مقال نشر على موقع (جاكوبن) تحت عنوان "النسوية الأسيرة"، إن حل مسألة العنف الجنسي الذي تتعرض له النساء لا تحل عبر الدولة بل من خلال دعم ومساندة النساء. وتؤكد فيكتوريا إن الشرطة والقضاء في الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف بعدائية تجاه النساء فيما يتعلق بالاعتداءات المتكررة ضد النساء الملونات في المعتقلات من قبل رجال الشرطة. وتشير إلى أن التعديلات القانونية تناسب فقط النساء الثريات، وكذلك النساء اللواتي لم تتعرضن للتمييز العنصري.
 
أطلقت النار في الهواء لتحمي نفسها من زوجها
بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير عام 2016 أقدمت ماريسا ألكساندرا التي كانت تتعرض على الدوام للعنف من قبل زوجها، أقدمت على إطلاق النار في الهواء من أجل حماية نفسها من عنف زوجها، واجهت الحكم بالسجن لمدة 60 عاماً، وأخيراً أطلق سراحها بعد أن قضت 3 أعوام في السجن. ولأنها لم تنهي فترة حكمها، فإنها تعيش قيد الإقامة الجبرية في منزلها. قضية ماريسا تشير إلى أن قوانين الولايات المتحدة الأمريكية غير عادلة بالنسبة للنساء وبشكل خاص النساء الملونات. وخلال السنوات الفائتة نظمت العديد من التظاهرات تحت شعار "الحرية لـ ماريسا".
وفي إيالة فلوريدا أخلت المحكمة عام 2012 سبيل الرجل الأبيض جورج زيمرمان، الذي قتل الشاب الأسود ترايفون مارتين بإطلاق النار عليه بعد ملاحقته أثناء عودته إلى المنزل، بحجة "الدفاع عن النفس". في قضية ماريسا ألكساندرا تم رفض حجة ماريسا بأنها دافعت عن نفسها، ولكن في دعوى، جورج الذي قتل شاباً أعزلاً لم يكن قد تعرض له، تم إخلاء سبيله بحجة الدفاع عن النفس. ماريسا لم تؤذي زوجها الذي كان يعنفها على مدى سنوات وهددها في ذلك اليوم بالقتل. والأمر المثير هو أن نفس المدعي الذي ادعى على ماريسا هو نفسه الذي برأ جورج.
 
استمرار التمرد ضد السياسات المحافظة
منذ ثلاثة أعوام تتصاعد احتجاجات النساء ضد سياسات المحافظين. خلال الحملة الانتخابية الرئاسية أطلق دونالد ترامب عبارات تنم عن التمييز الجنسي، وبتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2017 عندما استلم ترامب مهامه الرئاسية خرجت الآلاف من النساء في تظاهرة احتجاجية.
واستمر الأمر في أعوام 2018 و2019 حيث خرجت النساء في نفس اليوم للتظاهر في عدد من مدن الولايات المتحدة الأمريكية، واستنكرن سياسات الرئيس دونالد ترامب. وانطلقت تظاهرة النساء الكبرى في واشنطن وامتدت إلى باقي المدن الأمريكية.
ومؤخراً خرجت تظاهرات احتجاجية في عموم البلاد احتجاجاً على قوانين حظر الإجهاض في بعض الولايات التي يسيطر عليها المحافظون. وخرجت كبرى الاحتجاجات أمام مبنى المحكمة العليا في واشنطن التي تنظر في البت في قضية حظر الإجهاض.