من قارة إلى قارة... نضال المرأة قديماً وحديثاً (2)

قبل الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789 للمطالبة بالمساواة والحرية والعدالة، كان للمرأة باع طويل جداً في النضال من أجل المساواة في الحياة والموت

من الثورة إلى الفامينية... فرنسا وطن سيمون وأوليمب 

غرفة الأخبار ـ . حيث تعتبر فرنسا من أولى ميادين الحركة النسوية في العالم. كانت آخر كلمات أوليمب دو غوج التي سيقت إلى المقصلة بسبب إعدادها "إعلان حقوق المرأة والمواطنة" "اهتزوا أيها الطغاة، إن شجاعتي تزيد من وحشيتكم".
سيمون دي بوفوار التي شككت في الجنسوية الاجتماعية وصاحبة فكرة أن "الشخص لا يولد كامرأة بل يُصبح كذلك"، مهدت الطريق أمام النظرية النسوية وتطويرها. في الوقت الذي كان النضال دؤوباً ضد النظام الذكوري في فرنسا، كان العنف الجنسي واللامساواة من أهم قضايا النساء. حيث كانت حوالي 27 امرأة تتعرض يومياً للاغتصاب كما هاجرت حوالي نصفهن.
من بين الدول الأوروبية تعرف فرنسا بأنها الدولة التي تتقد فيها نار ثورة الحرية، وحيث تحتل المرأة محور هذه الثورة. 
النساء اللواتي تم تهميشهن وعدم التطرق إلى وجودهن على صفحات التاريخ المكتوب من قبل الذكور، تم منحهن صفة "البشر" فقط عندما تم سوقهن إلى المقصلة، إلا أنهن لم تحظين بالمكانة التي تستحقنها على صفحات التاريخ.
خلال الثورة الفرنسية الكبرى، خرجت العديد من النساء ومن مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية، من منازلهن وتحولن إلى مناضلات ثوريات وشاركن في الحرب. ولم تتوقف الحركة النسوية التي ظهرت بطليعة وقيادة النساء المثقفات البرجوازيات، عند هذا الحد. بل أن النساء استفدن من ميراث عصر النهضة واستثمرن هذا الميراث وشكلنه وفق طبيعة النضال من أجل "مساواة المرأة"، وحققن تقدماً تاريخياً على هدى التنوير والطاقة التي خلقتها الثورة. الوعي التنويري لدى المرأة في تلك الفترة تجسد في الالتفاف الجمعي حول الثورة، وكذلك في تزايد عدد الجمعيات والنوادي النسائية. وظهرت الآلاف من النساء الطليعيات في النضال من أجل المساواة، واللواتي برزن خلال الثورة الفرنسية عام 1789 وكذلك بعد الثورة. وتحولن فيما بعد إلى رموز. ومنهن كل من أوليمب دي غوج وسيمون دي بوفوار.
 
الثورة الفرنسية وصوت آلاف النساء
عندما سيقت أوليمب دي غوج نحو المقصلة أثناء الثورة الفرنسية كانت تردد "ارتعشوا أيها الطغاة العصريين، سوف يسمع صوتي من أعماق قبري، لأن شجاعتي جعلتكم أكثر وحشية". في تلك الفترة أصبحت أوليمب رمزاً للحركة النسوية، وذكرت عبارتها هذه في "إعلان حقوق المرأة المواطنة" وذلك قبل عامين من كتابتها "إعلان حقوق الإنسان والمواطنة"، هذا التوجه أو هذه الحقيقة التي توصلت إليها أوليمب والتي تنطوي على بعد نظر عميق، يؤكد أنها كانت تناقش ثورة المرأة في "إعلان حقوق المرأة والمواطنة".
كانت تعلم أن "إعلان حقوق المواطنة" يتجاهل حقوق النساء، وأن كلمة "الإنسان" الواردة في الإعلان إنما يقصد بها الرجل. وكانت تتخذ مواقف صارمة ضد جبهة السلطة الذكورية التي تتجاهل المرأة.
 
من هي أوليمب دي غوج الناشطة الثورية الجميلة
أوليمب دي غوج إحدى النشاطات الثوريات إبان الثورة الفرنسية. عرفت بكتاباتها عن الحركة النسوية. في عام 1791 كانت تطالب بالمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة في فرنسا، أعدت "إعلان حقوق المرأة والمواطنة" رداً على "إعلان حقوق المواطنة والإنسان" الذي أصدره المجلس. 
ولدت أوليمب دي غوج عام 1748 في مدينة مونتوبان جنوب فرنسا، كان والدها يعمل لحاماً وأمها خياطة ملابس. وهي من عائلة تنتمي إلى طبقة البرجوازية الصغيرة، وعرفت باسم ماري غوزي. تزوجت عام 1765 من لويس آوبري، وما لبثت أن انفصلت عنه بعد فترة قصيرة وهي لا زالت في عمر الثامنة عشرة. انتقلت إلى باريس واتخذت اسماً جديداً هو إوليمب دي غوج. أوليمب دو غوج النسوية، والناشطة السياسية والكاتبة المسرحية، سيقت إلى المقصلة وأعدمت عام 1793 على يد محاكم الثورة.
 
الفلسفة الفامينية وسيمون دي بوفوار
سيمون دي بوفوار استلمت راية النضال من أوليمب دي غوج. سيمون واحدة من النساء اللواتي أطلقن الموجة الثانية في تأسيس الحركة النسوية. سيمون الكاتبة والفيلسوفة عرفت بمقولتها الشهيرة حول الجنسوية الاجتماعية "الشخص لا يولد كامرأة بل يُصبح كذلك".
سيمون- إرنستين، لوسي ماري برتراند دي بوفوار، تدعى سيمون دي بوفوار، ولدت في باريس في التاسع من شهر كانون الثاني/يناير عام 1908. وهي الابنة الكبرى لجورج برتراند دي بوفوار، وهو محام كان يطمح أن يكون ممثلاً ووالدتها فرانسيوس براسير ابنة لرجل أعمال غني وكاثوليكي متدين.
تقول سيمون دي بوفوار أنها ترعرعت في عائلة أبوية، كانت شخصية مناقضة لشخصية والدتها الكاثولوكية المحافظة وشخصية والدها الغامضة. قامت بإنهاء امتحانات البكالوريا في الفلسفة والرياضيات في عام 1925، وحصلت على شهادة الدراسات العليا في الأدب اللاتيني والفرنسي. وفي عام 1926، ذهبت للعيش مع جدتها لتدرس الفلسفة في السوربون. وقد حصلت على شهاداتٍ في الفلسفة العامة، تاريخ الفلسفة، المنطق واليونانية عام 1927. وبعد ذلك حصلت على شهاداتٍ في علم النفس وعلم الاجتماع والأخلاق عام 1928. وكانت حينها السيدة التاسعة التي تحصل على إجازةٍ من السوربون في ذلك الوقت.
حازت على الدرجة الثانية في اختبار فلسفة التجميع حول كتابة أطروحة على لايبنتز، لتكون أصغر من اجتازوا ذلك الامتحان في وقتها، وأصبحت فيما بعد أصغر معلمةٍ للفلسفة في فرنسا. وهناك التقت زميلها جان بول سارتر الذي كان الأول في الامتحان.
بعد الحرب العالمية الثانية عملت في صحيفة Les Temps Modernes السياسية، وبقيت تعمل في تحرير المجلة حتى آخر أيام حياتها. توفيت سيمون دي بوفوار في الـ 14 من نيسان/أبريل عام 1986.
 
رائدة الموجة الثانية
بعد الموجة الأولى للحركة النسوية، خاضت الحركة النسوية نضالاً مختلفاً. وفي تلك الفترة تحديداً عملت سيمون دي بوفوار من خلال مؤلفاتها الفكرية على القضايا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وأصبحت سيمون واحدة من رواد الحركة النسوية وفتحت الطريق أمام الحركة النسوية بمواصلة النضال على قضايا التمييز. وطرح موضوع التمييز من وجهة نظر المرأة وبشكل لم يتم التطرق إليه من قبل، تم تعريف التمييز وبدأت الموجة الثانية من مسيرة الحركة النسوية. في تلك المرحلة الجديدة حيث كانت تطرح قضايا المساواة من قبل التوجه الليبرالي، وبدل المطالبة بالمساواة مع الرجل تم طرح قضايا التمييز الجنسي. جهود ومساعي النساء من أجل تغيير واقع الاجحاف الاجتماعي، قفز إلى مرحلة جديدة من خلال اكتشاف وطرح ومناقشة الأدوار الجنسوية الرجعية. وأنجزت دراسات معمقة تتعلق بالتمييز الجنسي في مختلف المجالات الأدبية والفنية والعلمية والسياسية والتربية، وجميع ميادين الحياة الأخرى. نسويات المرحلة الثانية تجاوزن أطروحات ونقاشات الموجة الفامينية الأولى ووضعن أسس مناقشة سياسات التمييز والمساواة والجنسوية الاجتماعية.
 
ناهضت الاستعمار
سيمون دي بوفوار التي يعود لها الفضل في تطوير النظرية النسوية، ناهضت أيضاً سياسات الاستعمار التي مارستها بلادها خلال فترة حرب الاستقلال الجزائرية. سيمون دي بوفوار كتبت حول ممارسات فرنسا في الجزائر "لا تختلف هذه الممارسات عن الممارسات النازية ضد الأعراق الأخرى" وبهذا عبرت عن مناهضتها ومعارضتها لما تفعله بلادها. ناضلت بشكل فعال ضد الاستعمار الفرنسي من خلال المشاركة في إصدار "بيان 121" الشهير والمشاركة في التنظيم.
 
مؤلفات سيمون دي بوفوار
كتبت سيمون دي بوفوار روايتها الأولى باسم "المدعوة Lînvîtêe"، وطرحت في مؤلفاتها في الفلسفة الوجودية العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والنسوية، وجميع آرائها الأخرى. كما كتبت سيمون العديد من المؤلفات الفكرية مثل "مذكرات فتاة رصينة، الجنس الآخر، كيف تفكر المرأة، المدعوة، المثقفون، المرأة المجربة، أخلاقيات الغموض" وغيرها من المؤلفات. 
 
مناقشات النظرية النسوية في السبعينيات
خلال أعوام السبعينيات تطورت الفلسفة أو النظرية الفامينية بشكل كبير بفضل مساعي سيمون دي بوفوار. والنظرية التي سميت وقتها بالنظرية النسوية (الفامينية) في فرنسا، تأثرت بالدرجة الأول بالأفكار ما بعد الحداثوية من جهة، ومن جهة أخرى أثرت وساهمت في تطور هذه الأفكار. شكلت الفامينية (النسوية) عاملاً وسبباً للوصول إلى مستويات معينة من التطور النظري، إضافة إلى إحداث تغييرات مهمة في قضية (النسوية). 
المنظرات النسويات الفرنسيات من أمثال لوسي إريجاري، وجوليا كريستيفا، وهلين سيكسوس، تمكن من إعادة تقييم وبحث النظرية الفامينية من خلال تطوير مصطلحاتها ورموزها اللغوية، كما أعدن النظر ومناقشة عالم الرجال. ونوقشت في تلك الفترة العديد من القضايا مثل اللغة، الآلية الجنسوية وغيرها من القضايا.
 
220 امرأة تتعرض للعنف من قبل أزواجهن سنوياً
في دولة مثل فرنسا حيث تطورت إلى حد كبير النقاشات حول النسوية الأكاديمية والفلسفية، تتزايد أيضاً قضايا ومشاكل النساء الناجمة عن العقلية الذكورية. وتعتبر قضية مناهضة والنضال ضد قوانين العنف الذكوري من أهم القضايا التي تشغل بال النساء الفرنسيات. وكنتيجة للنضال والكفاح المتواصل للحركة النسوية تم إزالة العديد من التعريفات المتعلقة بالتمييز الجنسي من نصوص القوانين المعمول بها. وبحسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات في فرنسا INSE فإن حوالي مليون ومائتا ألف امرأة تعرضن للعنف خلال أعوام 2010-2014، وتتعرض 220 امرأة سنوياً للعنف المنزلي، ولكن 3 % من هؤلاء النساء تقدمن بشكاوى لدى الشرطة، وبحسب إحصائيات وزارة الداخلية فإن 148 امرأة فقدت حياتها جراء العنف المنزلي خلال عام 2012. وهذا يعني أن امرأة واحدة تعرضت للقتل على يد زوجها كل ثلاثة أيام. 10 آلاف دعوى اغتصاب تقدم للمحاكم سنوياً.
 
المهاجرات أكثر عرضة للخطر
في فرنسا التي تعتبر من أكبر اقتصاديات أوروبا تزداد مستويات العنف ضد المرأة. وبحسب الإحصائيات الحكومية الرسمية، إن النساء لا زلن تفضلن الصمت إزاء تعرضهن للاغتصاب. وأن حوالي 10 آلاف امرأة تراجع دوائر وزارة الداخلية سنويا، في قضايا تتعلق بتعرضهن للاغتصاب ما يعني (27 قضية يومياً)، إلا أن هذه الأرقام ليست دقيقة، ويرجح أن تكون الأرقام أكبر من ذلك بكثير. وتشير الدراسات إلى أكثر من نصف هؤلاء النساء هن من المهاجرات. وتتأثر النساء المهاجرات اللواتي تعشن في فرنسا بسياسات التمييز الجنسي والاضطهاد والتمييز القومي. وبحسب المعطيات فإن النساء من أصل أفريقي والنساء المسلمات مهددات بخطر التعرض للعنف والاغتصاب ضعف النساء الفرنسيات. 
بعد الهجوم الذي تعرضت له صحيفة تشارلي إيبدو الفرنسية شهر كانون الثاني/يناير عام 2015 وأسفر عن مقتل 12 شخصاً، ازدادت فوبيا معاداة المسلمين في فرنسا، مما يزيد المخاطر والتهديدات على النساء المسلمات في فرنسا.