عام من الانتهاكات... سوريا بين سلطوية جديدة وتفكك اجتماعي
تشهد سوريا تحولاً عميقاً أعاد إنتاج السلطوية بصيغ دينية متشددة، ما أدى إلى تراجع الحريات وتهميش النساء والمكونات، وتفاقم الانقسامات المجتمعية في ظل دستور يعمق الفجوة بين النصوص والواقع.
سيلفا الإبراهيم
مركز الأخبار ـ مع انهيار نظام البعث في سوريا أواخر عام 2024، انتقلت السلطة إلى أطراف جديدة، إلا أن البنية التي تشكلت لم تتجه نحو تحول ديمقراطي، بل تطورت إلى نموذج حكم تهيمن عليه الجماعات الجهادية وتيارات الإسلام السياسي. وفي هذا السياق، حافظت آليات الدولة على الإرث الدستوري والقانوني السلطوي الموروث من مرحلة البعث، بينما جرت محاولة إعادة تشكيلها برؤية أيديولوجية راديكالية شبيهة بتلك التي تبناها داعش.
أما التعديلات القانونية المحدودة التي أُجريت، فقد صيغت إلى حد كبير تحت تأثير سياسي وأيديولوجي تركي، واستهدفت ضمن هذا الإطار التدخل في الذاكرة التاريخية عبر طمس ممارسات الدولة العثمانية تجاه الشعوب العربية. ومع بدء العمل بالدستور المؤقت، أصبح المنهاج التعليمي أحد الأدوات الأساسية في عملية التحول الأيديولوجي، حيث جرى التركيز على المرجعيات الشرعية وعلى إبراز المصالح الإقليمية للدولة التركية.
في هذا السياق، تعمل الحكومة المؤقتة على إخضاع مؤسسات الدولة لوصاية دينية، مُطلقاً مشروعاً هيمنياً لا يستهدف مجرد تحول إداري فحسب، بل يسعى إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية برمتها. ويتقدم هذا المشروع ضمن مسار سياسي لا يعترف بالتنوعات الموجودة في سوريا، ويُقصي المرأة بشكل كامل، ويقمع المعارضة، ويُشرعن أساليب الترهيب والعنف.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم البنية الناشئة ليس فقط كتغيير في السلطة، بل كإعادة إنتاجٍ للسلطوية بصيغ أيديولوجية جديدة، تقوم على فرض مركزية مشددة ورؤية أحادية تُعيد تشكيل المجال السياسي والاجتماعي.
منذ صعود هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا، تشهد البلاد تحولات عميقة تتداخل فيها الأبعاد الدستورية والاجتماعية والدينية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الدولة وإمكانات التعددية فيها. ويعد "الإعلان الدستوري" محطة مفصلية تعكس توجهات أيديولوجية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف تتعلق بالحريات وحقوق المرأة والأقليات. أما الفجوة بين النصوص والتطبيق، فتُظهر تعقيدات المرحلة الانتقالية وتكشف عن أزمة تمس تماسك المجتمع السوري.
الدستور الجديد وتفاقم مشكلات التعددية في سوريا
منذ أن تولى جهاديي هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع (الجولاني) السلطة في سوريا في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تعمل الحكومة المؤقتة على فرض الشريعة على المجتمع من خلال سياسات إسلامية متشددة داخلياً، بينما يسعى خارجياً إلى الظهور بمظهر "الجهاديين بربطات عنق" الذين يتقمصون دور الديمقراطية. وقد أصبح هذا الوضع أكثر وضوحاً مع صدور "الإعلان الدستوري المؤقت"، إذ حصر الإعلان مصادر التشريع بـ "الفقه الإسلامي".
ورغم محاولة الحكومة المؤقتة إظهار نفسها بمظهر "الإصلاحية" عبر بعض التعديلات الشكلية، فإن المادة الثالثة تنص بوضوح على أن "دين رئيس الجمهورية هو الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الأساسي للتشريع". ويُنظر إلى هذا النص على أنه أكثر تشدداً مقارنة بالدستور السوري السابق الذي كان يعتبر الفقه الإسلامي أحد مصادر التشريع وليس مصدره الوحيد.
وجاء هذا الإعلان الدستوري في سياق تزايد أحداث العنف، ولا سيما في الساحل السوري ذو الغالبية العلوية. وهذا يتعارض مع ما ورد في الإعلان من تعهد بـ "حماية جميع الأديان السماوية" وضمان حق الناس في ممارسة شعائرهم الدينية ما دامت لا تخل بالنظام العام. هذا التناقض يعكس فجوة واضحة بين النصوص الدستورية والممارسات الفعلية على الأرض.
وتلقي هذه الصورة بظلالها على التنوع الديني والثقافي والمذهبي في المجتمع السوري، الذي يضم مسلمين سنة وشيعة وعلويين، إضافة إلى المسيحيين والدروز والإيزيديين والكرد. إن فرض مرجعية دينية واحدة يتعارض مع قوانين الأحوال الشخصية التي تتيح لكل طائفة نظامها القانوني الخاص، وقد يؤدي ذلك إلى تهميش حقوق الأقليات أو خلق ازدواجية قانونية.
في هذا الإطار، يتبين أن الحكومة المؤقتة لم تتجاوز سياسات نظام البعث فحسب، بل تراجعت في بعض الجوانب إلى ما هو أبعد من ذلك، الأمر الذي جعلها عاجزة عن بناء أرضية سياسية جامعة لمكونات المجتمع السوري المتعددة.
وقد ظهرت في البلاد انتهاكات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، تمثلت في مجازر ضد العلوية في مناطق الساحل، وموجات عنف استهدفت المكون الدرزي في السويداء، إضافة إلى الاعتداءات التي طالت السكان الكرد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب. وتشير هذه الممارسات إلى أزمة لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تعكس أيضاً نهجاً إقصائياً وعقابياً تتبناه الحكومة المؤقتة.
وقد ساهمت هذه التطورات في تعميق الانقسامات داخل النسيج الاجتماعي، وتعزيز حالة عدم الثقة التاريخية تجاه شكل الدولة القائم. وهكذا، فإن المشهد الناشئ لا يدل على فشل إداري فحسب، بل يكشف عن أزمة بنيوية في نموذج الحكم نفسه، وهو نموذج يستبعد شرائح واسعة من المجتمع ويواجه صعوبة في إنتاج شرعية سياسية حقيقية.
الغياب المتعمد للمرأة وحقوقها
يعد تغييب المرأة وحقوقها بشكل متعمد من أبرز الجوانب المثيرة للجدل في الإعلان الدستوري المؤقت. فالمقاربة التي تعتمدها الحكومة المؤقتة، والتي تُعرف المرأة ضمن إطار سياسات الشريعة، لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى المستويين الاجتماعي والأيديولوجي أيضاً. وقد تجلى ذلك في حذف الكلمات المتعلقة بالإرث التاريخي للنساء من المناهج التعليمية، وحصر دور المرأة في المجالين العام والاقتصادي ضمن نطاقات ضيقة، مع التأكيد على أن دورها الأساسي هو "العمل المنزلي". كما يظهر هذا التوجه في انخفاض مستوى تمثيل النساء داخل الحكومة والهياكل الإدارية إلى أدنى الحدود.
إلى جانب ذلك، برزت ممارسات تقوم على تنظيم مجموعات من النساء في إطار ما يشبه "شرطة الأخلاق"، وهو ما يعكس مقاربة تقيد جسد المرأة وتتعامل معه بوصفه موضوعاً للضبط والسيطرة. وتؤكد هذه الصورة إلى حد كبير التقييمات التي تشير إلى تراجع أوضاع حقوق المرأة في سوريا نحو نمط من "الأفغنة"، حيث تتقلص مساحة الحريات وتتراجع مكانة المرأة في الحياة العامة.
حاولت ما يُسمى بـ الحكومة المؤقتة إيجاد توازن بين الحفاظ على الطابع الإسلامي للنظام من جهة، وتقديم تطمينات للمجتمع الدولي وللرأي العام داخل سوريا من جهة أخرى. غير أن التناقض العميق بين الخطاب الرسمي والممارسات الفعلية، ولا سيما فيما يتعلق بالوعود المرتبطة باحترام حقوق المرأة، قد قوضت مصداقية هذه التعهدات وألحق ضرراً كبيراً بثقة المجتمع.
ويشير هذا الوضع إلى أن النساء لا يتم تهميشهن على المستوى القانوني فحسب، بل يتم دفعهن إلى الخلف أيضاً في مجالات التمثيل السياسي، والحضور الاجتماعي، ومساحات الحرية الفردية. وهذا يعكس نمطاً منهجياً من الإقصاء يعمق الفجوة بين النصوص المعلنة والواقع المعيش.
إلى جانب ذلك، يمنح الإعلان الدستوري المؤقت صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية ويؤكد بوضوح الارتباط بالتشريع الإسلامي، مما يعزز حضور المرجعية الدينية في قوانين الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق والميراث، ويفتح المجال أمام تفسيرات محافظة لدور المرأة وحقوقها. وفي المقابل، لم تُسجل تغييرات حقيقية في القوانين الدينية الأساسية؛ إذ بقيت قوانين الأحوال الشخصية على حالها، كما استمرت الثغرات في قوانين الاغتصاب، ومنها الأحكام التي تخفف العقوبة في حال زواج الجاني من الضحية.
ورغم محاولة الحكومة تحسين صورتها عبر تعديلات محدودة تتعلق بالولاية والوصاية المالية للأم، فإن الجوهر لم يتغير؛ فالمرأة ما تزال خاضعة لوصاية دينية وقانونية، وتُقيد إدارياً وسياسياً بما يبقيها في موقع تابع للرجل. كما يستمر الرفض الرسمي والمنهجي للاتفاقيات الدولية.
ووفقاً لتصريحات رئيسة مكتب شؤون المرأة عائشة الدبس، تسعى الحكومة إلى صياغة نموذج للمرأة السورية يستند إلى الشريعة الإسلامية، وترفض الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، باعتبارها "مستوردة" أو غير منسجمة مع الهوية المحلية. وهذا يعكس غياب إصلاح ديني ـ قانوني حقيقي واستمرار البنية التقليدية التي تؤثر سلباً على النساء.
في آذار/مارس 2025، أظهرت الحكومة المؤقتة نهجاً غير ديمقراطي من خلال تعيين وزيرة واحدة فقط في التشكيلة الحكومية، وهي وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات. وقد اعتبرت الحركات النسائية هذا التعيين خطوة رمزية لا تعكس تمثيلاً حقيقياً، مؤكدة أنه على النساء الدفاع عن إرادتهن السياسية، وأن أي مشاركة فعلية تتطلب اعتماد نظام حصص يضمن التمثيل المتساوي للنساء في الحكومة.
وفي سياق أوسع يعكس تهميش دور المرأة، قامت الحكومة المؤقتة بإجراء تعديلات على المناهج التعليمية، حيث تم حذف شخصيات نسائية تاريخية مثل الملكة زنوبيا بذريعة أنها "ليست شخصيات حقيقية". وقد أثار هذا الإجراء انتقادات واسعة في الأوساط النسائية التي اعتبرته محاولة لطمس حضور المرأة من السردية التاريخية وتقليص دورها في المجتمع.
بناء الشريعة والنزعة الجهادية داخل النسيج الاجتماعي
في سياق سعيها لترسيخ الشريعة والنزعة الجهادية داخل البنية الاجتماعية، اتجهت السلطة الجديدة إلى فرض توجهاتها بشكل غير مباشر، بدل اللجوء إلى أساليب صارمة قد تثير ردود فعل دولية. فلم يصدر قانون رسمي للباس، إلا أن تعاميم وإشعارات شجعت على "اللباس المحتشم" و"المظهر الشرعي" نُشرت ووزعت في المدارس والجامعات، بما في ذلك جامعة حلب، وكذلك في دير الزور التي تمت السيطرة عليها مؤخراً.
كما برزت خلال العام الماضي مجموعات نسائية منقبة في مناطق مثل دمشق وحلب وحمص، حيث قامت هذه المجموعات في الشوارع بمحاصرة النساء غير المحجبات أو غير المرتديات للعباءة، ودفعهن إلى ارتداء اللباس الشرعي. وغالباً ما قدمت هذه الممارسات على أنها "تنبيهات انضباطية" تهدف إلى ضبط السلوك الفردي، لكنها في الواقع حدّت من حرية الاختيار وفرضت نمطاً اجتماعياً أحادياً.
إلى جانب ذلك، جرى الترويج لحملات دينية ولوحات طرقية تربط بين "العفة" واللباس الشرعي، بدعم من المؤسسات الدينية المحلية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبحت القيود الفعلية على التعليم المختلط وعلى وجود النساء والرجال في المساحات المشتركة أكثر وضوحاً.
فقد فرضت في وسائل النقل العام قواعد تلزم النساء والرجال بالجلوس بشكل منفصل، مع إجبار النساء على الجلوس في المقاعد الخلفية. كما انتشرت في دمشق، ولاحقاً في حلب، شروط تلزم النساء عند التقدم للوظائف بالحصول على موافقة أخ أو أب أو رجل تعيش معه، بل وأحياناً مرافقة هذا الرجل لها أثناء المقابلات أو الإجراءات.
وتُظهر هذه الممارسات كيف تتغلغل السياسات الهادفة إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج محافظ قائم على الشريعة في تفاصيل الحياة اليومية للنساء. فبدل أن تتراجع هذه التدخلات، أصبحت أكثر انتظاماً وانتشاراً، مما يضيق على حركة النساء، ويحد من حضورهن في المجال العام، ويقيد استقلاليتهن الفردية بصورة متزايدة.
تختلف هذه الممارسات باختلاف السياسات التي تفرضها القوى المسيطرة على المناطق. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي، والتي تشمل جغرافيا واسعة تمتد من عفرين وسري كانيه وكري سبي إلى جرابلس ومارع وحلب والباب، تم تنفيذ سياسات تقوم على الاحتلال والاستغلال والطمس الثقافي، واعتمدت بدرجة كبيرة على إحداث تغييرات ديموغرافية.
وفي هذا الإطار، جرى ترسيخ وجود فعلي لمؤسسات تركية في شمال سوريا، مثل رئاسة الشؤون الدينية التركية، ونظام القائمقام، وهيكلية الجندرمة، إضافة إلى فرض مناهج تعليمية تركية، وتشجيع استخدام اللغة التركية، واعتماد الليرة التركية، بهدف جعل المنطقة مرتبطة إدارياً وثقافياً واقتصادياً بتركيا.
ورغم أن عفرين شهدت في الآونة الأخيرة بعض التراجع النسبي في آثار هذه السياسات نتيجة عودة عدد من السكان، فإن الوضع في بقية المناطق المحتلة يشير إلى إدارة فعلية تعامل هذه المناطق كما لو كانت أقضية وولايات تابعة لتركيا. وبما أن مقاربة تركيا لهذه المناطق تقوم على منطق السيطرة والاستغلال أكثر من استجابتها لاحتياجات المجتمع المحلي، فقد تم تعليق الكثير من الحقوق الأساسية للسكان، وتراجعت آليات الحماية القانونية بشكل كبير.
إلى جانب ذلك، فإن جبهة النصرة، التي أعادت تنظيم نفسها لاحقاً تحت اسم هيئة تحرير الشام، أقامت في إدلب نظاماً لا يختلف كثيراً عن الممارسات السائدة في المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا، يقوم على ترسيخ نهج شرعي وجهادي داخل البنية المؤسسية. وما يزال هذا النظام، الذي يعمل وفق نموذج "الولاية" قائماً حتى اليوم.
ومن هذا المنظور، يبدو أن هيئة تحرير الشام لا تكتفي بإدارة إدلب، بل تسعى إلى توسيع هذا النموذج ليشمل سوريا بأكملها، في إطار مشروع سياسي أوسع. ويبرز "نموذج إدلب" بوصفه نموذجاً أولياً لتصور جديد للحكم، يقوم على مركزية شديدة، لكنه يستند في الوقت نفسه إلى وصاية دينية تُشكل الأساس في إدارة الشأن العام.
إحصاءات قتل النساء
في ظل هذه الإملاءات الدينية والاجتماعية غير المباشرة، ظهرت نتائج أكثر خطورة بالنسبة للنساء، وعلى رأسها تصاعد العنف والقتل والانتهاكات بحقهن. ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، ومنصة "أوقفوا قتل النساء السوريات"، فقد قُتلت ما لا يقل عن 650 امرأة منذ سيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق حتى نهاية عام 2025، إلا أن التقديرات تشير إلى أن الواقع الميداني يتجاوز بكثير الأرقام الموثقة، نظراً لصعوبة الوصول إلى العديد من المناطق، والخوف من الإبلاغ، وغياب آليات الرصد المستقلة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الهجمات التي استهدفت الطائفة العلوية في آذار/مارس 2025 كانت من بين أكثر الأحداث دموية؛ فبحسب التقارير الرسمية المتداولة، قُتل ما يقارب 1500 شخص بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وكانت النساء يشكلن نسبة ملحوظة من الضحايا. أما السويداء، فقد كانت من أكثر المناطق تضرراً حيث أدت الأحداث العنيفة في شهر تموز/يوليو إلى مقتل 130 امرأة وفتاة، بحسب لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا.
وفيما يتعلق بالهجمات التي طالت الكرد، فإن الأعداد الدقيقة لا تزال غير محسومة، إلا أن التقديرات تشير إلى سقوط نحو 1500 ضحية، بينهم عدد كبير من النساء. كما تظهر الإحصاءات أن 520 امرأة قُتلن في هجمات متفرقة استهدفت مسيحيين ومناطق أخرى داخل سوريا، وذلك ضمن عمليات ميدانية نفذتها مجموعات مسلحة تابعة لـ "وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة".
وتكشف هذه الصورة أن الأرقام الرسمية المعلنة لا تعكس الواقع الميداني بالكامل، وأن عدد الوفيات والانتهاكات القائمة على النوع الاجتماعي قد يكون ضعف أو حتى ثلاثة أضعاف ما تم توثيقه. ومن هذا المنظور، يتضح أن العنف ضد النساء لم يعد مجرد انتهاكات فردية، بل أصبح نمطاً بنيوياً مرتبطاً بظروف الحرب والممارسات الأيديولوجية للسلطة القائمة، ما يجعله جزءاً من أزمة اجتماعية أعمق.
الاختطاف والعنف الجنسي بدعم من السلطة
بدأت ظاهرة اختطاف النساء واحتجازهن قسراً واستغلالهن، التي ظهرت أولاً مع داعش، تتحول لاحقاً إلى ممارسة ممنهجة تُستخدم كأداة للهيمنة والقوة، الأمر الذي خلق أزمة خطيرة تتعلق بأمن النساء في سوريا. وعند النظر إلى هذه الممارسات ضمن سياق البنى الاجتماعية والأيديولوجية التي تشرعن العنف ضد المرأة، يتضح أنها تمثل أحد أخطر انتهاكات حقوق الإنسان في العصر الحديث.
وتشير الشهادات والتقارير إلى أن النساء، خصوصاً في المناطق الواقعة خارج نطاق الإدارة الذاتية، لا يشعرن بالأمان، وأن مخاطر الاختطاف والاحتجاز القسري والعنف الجنسي أصبحت أكثر وضوحاً في التجربة اليومية. فمنذ شباط/فبراير 2025 حتى منتصف العام ذاته، أكدت منظمة العفو الدولية اختطاف ما لا يقل عن 36 امرأة وفتاة من الطائفة العلوية في الساحل والوسط السوري (اللاذقية، طرطوس، حمص، وحماة).
ووثق حقوقيين وناشطين من السويداء اختفاء ما يقارب 80 امرأة وفتاة خلال عام 2025، وقد تكون الأرقام أعلى بكثير نظراً لصعوبة الوصول إلى مراكز الاحتجاز والمناطق النائية، إضافة إلى غياب قنوات التبليغ الآمنة.
ففي روج آفا تعكس عدم الاعتراف بوحدات حماية المرأة (YPJ)، ورفض مشاركة النساء في مواقع الإدارة، إلى استمرار عقلية إقصائية تجاه المرأة ودورها السياسي والاجتماعي.
وتُظهر هذه الصورة أن الواقع السوري اليوم يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى بنية المجتمع نفسه، حيث تتداخل الأيديولوجيا مع التشريع في إعادة تشكيل أدوار الأفراد، ولا سيما النساء. ومع اتساع الهوة بين الوعود الإصلاحية والممارسات الإقصائية، تتعمق الانقسامات داخل المجتمع. كما أن غياب المساءلة وتصاعد العنف يهددان مستقبل التعددية والاستقرار.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة تقييم نهج الحكم القائم، وضمان حماية حقوق جميع مكونات المجتمع دون تمييز، باعتبار ذلك السبيل الأساسي للحفاظ على النسيج الاجتماعي السوري ومنع تفككه بشكل أكبر.
مرحلة الأندماج ومطالب النساء
وتُعدّ مرحلة الاندماج بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والتي دخلت شهرها الرابع لحظة مفصلية يمكن أن تعيد تشكيل بنية الحكم ومسار الإدارة نحو نموذج ديمقراطي، ما يجعلها مرحلة ذات أهمية استثنائية للنساء. فهذه المرحلة لا تحدد فقط شكل المؤسسات المقبلة، بل ترسم أيضاً حدود المشاركة والتمثيل داخلها. ومن هنا، يصبح ضمان حضور النساء وحقوقهن جزءاً أساسياً من نجاح الاندماج نفسه، لأن أي عملية سياسية تُقصي نصف المجتمع تفقد قدرتها على بناء شرعية حقيقية أو إنتاج إدارة مستقرة.
لكن تجاهل المطالب النسائية أو التعامل معها كقضايا ثانوية من قبل الحكومة السورية المؤقتة ينعكس سلباً على النساء وعلى المسار السياسي ككل. فغياب الاعتراف بدور النساء، سواء في المجال المدني أو كقوة دفاع في وحدات حماية المرأة، يُضعف موقعهن داخل البنية الجديدة، ويُعيد إنتاج العقلية الإقصائية التي لطالما همّشت مشاركتهن. كما يؤدي إلى تقليص فرص النساء في التأثير على صياغة الدستور أو السياسات العامة، ويجعل الاندماج خطوة شكلية لا تُترجم إلى تغيير فعلي في بنية السلطة.
إن نجاح مرحلة الاندماج مرهون بقدرتها على فتح المجال أمام مشاركة نسائية حقيقية، لا باعتبارها مطلباً حقوقياً فحسب، بل كشرط أساسي لبناء مسار سياسي أكثر توازناً واستدامة. فكلما تراجع الاعتراف بحقوق النساء، تراجع معه أفق التحول السياسي، واتسعت الفجوة بين الخطاب المعلن والواقع الفعلي.