الشيخ مقصود والأشرفية... حيي المقاومة بحلب ورمز الصمود والقوة
مرحلة صعبة تمرُ على أهالي حيي الشيخ مقصود والأشرفية من هجمات وحصار مستمران من قبل جهادي هيئة تحرير الشام، وآخرها القصف بالأسلحة الثقيلة والدبابات.
سيرين محمد
حلب ـ مع بداية الثورة السورية تعرّض حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب للعديد من الانتهاكات والهجمات التي طالتهما نتيجة العقلية البعثية التي مارسها النظام السابق، هذه الممارسات استمرت بعد سقوط النظام واستلام هيئة تحرير الشام للسلطة.
قبل نحو عام سيطر أحمد الشرع "الجولاني" وجهاديي هيئة تحرير الشام على السلطة وبدل حوار وطني سوري نظم على عجالة "مؤتمر النصر"، باجتماع المرتزقة والجهاديين ونصب نفسه رئيساً مؤقتاً للبلاد لمدة 5 سنوات كاملة.
وبعد توليهم السلطة بدأ هؤلاء الجهاديون بفرض أيديولوجيتهم التي لا تقبل التنوع الطائفي والإثني والقومي الذي تتميز به سوريا، فبدأوا بارتكاب المجازر بحق كل من ليس من أهل السنة، وأصبح التكفير لغة بدلاً من قبول الآخر.
ارتكاب المجازر بحق المكونات السورية
نسيج متنوعٍ ومميز من المكونات المختلفة يشكل سوريا، ففيها العلويون والدروز والكرد والعرب والسريان والآشور والتركمان، لكن الفكر الجهادي كالنظام المركزي الشمولي لا يقبل التنوع بل يحاربه، والمجازر نتيجة طبيعية لهذا الفكر، وهو ما شهدته مختلف المدن والأحياء السورية منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى اليوم، من مجازر الساحل إلى السويداء وتفجير الكنائس والجوامع الشيعية والعلوية وحصار الكرد والتهديد المستمر بالتصفية.
حيي المُقاومة
تعرضت حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب ذات الغالبية الكُردية، للاستهداف لمراتٍ متكررة، وبعد سقوط النظام استمرت السياسات الإقصائية والحصار، رغبةٍ من هذه الحكومة المؤقتة وجهادييها في إحداث مجازر جديدة بحق المكون الكردي.
في السادس من تشرين الأول/أكتوبر بدأوا بفرض حصارٍ خانق على الحيين، وذلك عن طريق إغلاق كافة الطرقات التي تربط الحيين بباقي أحياء حلب، ومُنع دخول كافة المواد في سياسة مشابهة لما انتهجتها الفرقة الرابعة التابعة لنظام البعث المنهار.
أغلق الجهاديون بالسواتر الترابية كل الطرق المؤدية إلى الحيين، فخرج الأهالي في احتجاجات سلمية مطالبين بإنهاء الحصار وفتح الطرقات، إلا أن حراكهم السلمي قوبل بإطلاق قنابل مُسيلة للدموع، ولم يكتفِ الجهاديون بذلك بل أطلقوا الرصاص الحي على المتظاهرين ما أوقعَ بين صفوفهم أكثر من 60 مصاباً وقتيلين، وتطورت الأحداث ليقوم الجهاديون المهاجمون بقصف الحيين بالمدفعية، مستهدفين المدنيين الأمنين.
نضال نساء الحيين مستمر
دلال أحمد الإدارية في مكتب المرأة بمجلس عوائل الشهداء لحيي الأشرفية والشيخ مقصود، فقدت زوجها عام 2016 بالهجمات العنيفة على الحيين من قبل مرتزقة الاحتلال التركي وتقول أن نضال النساء الرائدات لايزال موجود ومستمر في الحيين.
وبينت أن "العديد من النساء دافعن عن حيي الأشرفية والشيخ مقصود بدمائهن ومقاومتهن، مؤكداتٍ على عدم تخليهن عن أرضهن وبيوتهن، مثل الشهيدة كولة سلمو التي استشهد في حي الشيخ مقصود نتيجة طلقة من إحدى الكتائب التي كانت تحاول السيطرة على الحي عام 2013، لكنها ضحت بدمائها لحماية الحي".
حرب الشعب الثورية
وأشارت دلال أحمد إلى أن حرب الشعوب الثورية بدأت من حيي الأشرفية والشيخ مقصود، فالنساء كنا يُنظمّنَ أنفسهن ويساعدن القوات في الدفاع والحماية وذلك عن طريق تحضير الطعام للقوات، والمعالجة للجرحى وحمل السلاح في وجه الأعداء والمُغتصبين.
هجومٌ ثاني يَطال حيي المُقاومة
في الأول من نيسان/أبريل وقع اتفاق بين مجلس الحيين والحكومة المؤقتة تضمن مجموعة من البنود التي تنظم الوضع الأمني والإداري والخدمي في الحيّين، وتؤكد على احترام الخصوصية الاجتماعية والإدارية، ومنع المظاهر المسلحة، وتفعيل المؤسسات الرسمية، وتسهيل حركة المدنيين، بالإضافة إلى معالجة ملفات المعتقلين والتنسيق المشترك بين الجهات المعنية.
ولكن الحكومة المؤقتة لم تلتزم بهذا الاتفاق فبدأت بالحصار وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر عاودَ الجهاديون الهجوم على الحيين، ففي 22 من كانون الأول/ديسمبر هاجموا إحدى الحواجز المشتركة في الطرف الغربي للحيين عند دوار شيحان، وكرد على تلك الهجمات وضمن إطار الدفاع المشروع، ردت قوى الأمن الداخلي على مصادر النيران ما أدى إلى اندلاع اشتباكات على محاور عديدة من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، بالمقابل استخدم الجهاديين الأسلحة الثقيلة في قصفهم على الحيين منها الدبابات والرشاشات، مما أدى إلى إصابة 19 مدني وقتل امرأة تدعى فدوى الكردي من المُكوّن العربي نتيجةً لسقوط قذيفة على منزلها في منطقة معروف.
وتزامنت هذه الهجمات الأخيرة على الحيين مع زيارة وفد للدولة التركية لمدينة دمشق ما يؤكد أن تركيا تدفع باتجاه إشعال الحرب وتقسيم البلاد.
أضرار في البنى التحتية
وخلّفت هذه الهجمات أضراراً كثيرة في البنى التحتية للحيين، كذلك في البيوت، والمساجد والشوارع نتيجة سقوط القذائف والرصاص الطائش، حيث وثّقت عدسة وكالتنا وضع منزل فدوى الكردي التي راحت ضحية للهجمات الأخيرة، وكذلك بيوت الحي من دمارٍ وخرابٍ طالها، بالإضافة إلى غياب الكهرباء المُستجرة من الشركة العامة للكهرباء في مدينة حلب بشكلٍ كامل عن الحيين، وانقطاع المياه عن 20 شارعٍ من شوارع الحيين مما عاد بالضرر على أكثر من 400 عائلة.
خرق الهُدنة بعد يومين
بعد يومين من الهجوم والرد عليه تم التوصّل إلى هُدنة، لكن سرعان ما تم خرقها من قِبل جهاديي هيئة تحرير الشام في 24 كانون الأول/ديسمبر، حيث قام الجهاديون باستهداف إحدى الآليات المدنية من نوع "تركس" التي كانت تعمل في أحد مقالع الحجارة بين منطقة السكن الشبابي ومنطقة الكستيلو، وقد أسفر هذا الاعتداء عن أضرار مادية في الآلية، مما أدى إلى توقفها بشكل كامل عن العمل.
تلا ذلك هدوءٌ حذر خيَمَ على حيي الأشرفية والشيخ مقصود لمدة يومين، لكن بعدها وتحديداً في 26 كانون الأول/ديسمبر عاد جهاديي هيئة تحرير الشام لاستهداف نقطة لقوى الأمن الداخلي بإطلاق قذيفتين صاروخيتين من نوع «RPG 7»، مما أدى إلى حالة من التوتر والفوضى، بعدها أقدمَ الجهاديون على استقدام تحشيدات من العناصر والدبابات والأسلحة الثقيلة في محيط حيي الأشرفية والشيخ مقصود، من ثم ألقوا 6 قذائف استهدفت حي الأشرفية، ليعود الهدوء إلى المنطقة مجدداً، لكن الحصار وقطع الطرقات بقيا مُستمرين، حيث منعت حركة دخول وخروج السيارات، وفرضت أساليبٍ عديدة تُقيدُ حركة السكان وتعرقل عملهم، كما أن هذا الخرق للهدنة تزامنَ مع زيارة قائد العمليات الخاصة للقوات التركية لشمال مدينة حلب.
اختطاف لشبان كُرد
وفي 27 من كانون الأول/ديسمبر الجاري أقدم الجهاديون على اختطاف شابين من المُكوّن الكردي تحت تهديد السلاح، حيث كانا عائدان من جامعة حلب، وذلك في منطقة السريان الجديدة تحديداً شارع الزهور، والشابان هما بانكين عبود (سنة ثانية هندسة مدنية)، وأحمد وليد عمر (سنة أولى هندسة مدنية)، فيما تم الإفراج عنهما في اليوم التالي نتيجة الضغط الإعلامي والمجتمعي.
وفي صدد الهجمات التي يقوم بها الجهاديون قالت الإدارية في قوى الأمن الداخلي - المرأة في حلب جين عفرين إن جهاديي هيئة تحرير الشام ارتكبت العديد من الانتهاكات بحق أهالي حيي الأشرفية والشيخ مقصود "حطموا آمال الشعب السوري أجمع من خلال انتهاكاتهم وجرائمهم والمجازر التي ارتكبوها بحق المكونات السورية، وبحق النساء الدرزيات والعلويات، وبفرضهم حصاراً على الحيين مما تسبب بضرر كبير للأهالي نتيجة غياب المواد الأولية والكهرباء وشلل حركة الأسواق والعمل".
ذهنية البعث بشخصيات جديدة
وأشارت جين عفرين إلى أن اليوم سياسة وذهنية البعث تُعيد ذاتها على يد جهاديي هيئة تحرير الشام ولكن بشكلٍ أعنف وأفظع من خلال استهداف الأحياء الكردية والمدنيين العُزّل بها "هدف هذه الهجمات هو إحكام السيطرة على الحيين وإفشال اتفاق 10 آذار الموّقع بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس المؤقت أحمد الشرع الجولاني".
كما أوضحت أن "الهجمات التي يتعرض لها الحيين تعود لسياسيات وتوجيهات خارجية تسعى لزرع الفوضى والخوف والذعر بين أهالي الحي، فدولة الاحتلال التركي تقوم بتوجيه هذه العناصر للقيام بهذه الانتهاكات خدمةً لمصالحها وأهدافها القائمة على إراقة دماء السوريين".
دور النساء في قيادة المقاومة
وأكدت جين عفرين أن حرب الشعوب الثورية التي كانت بدايتها من حيي الأشرفية والشيخ مقصود قادتها المرأة العربية والكردية "في هذه الحرب أثبتت المرأة أنها قادرة على إدارة الحروب وقيادتها وتحقيق الانتصار في وجه الأعداء بعزيمتها وإرادتها".
وقالت إن التنظيم شيء فطري لدى البشر، خاصةً لدى النساء فهن تُساهمنَ في تنظيم وحماية المجتمع والدفاع عنه "قوى الأمن الداخلي ـ المرأة، قوة فاعلة في التنظيم والحماية، تعكس للمجتمع دور وأثر النساء في نشر السلام والأمان".
وشددت على أن هذه القوى تسهم بشكلٍ كبيرٍ وفعال في حماية النساء اللواتي يتعرضن للعنف والظلم فيتم الحفاظ على حقوقهن واستعادة كرامتهن.
وتعمل قوى الأمن الداخلي ـ المرأة، على مدار الساعة من أجل الحفاظ على أمن وسلامة الحيين، خاصة في مثل هذه المرحلة الصعبة التي تمرُ على الأهالي، من هجوم جهادي هيئة تحرير الشام بالأسلحة الثقيلة والدبابات "تقع على عاتقنا نحن كقوى أمن داخلي أن نرد وفق حق الدفاع المشروع لنا عندما نتعرض لأي اعتداء".
وأكدت جين عفرين على "أننا كنساء لا نقبل بفرض الذهنية التعصبية الجهادية علينا، ونرفضها رفضاً قاطعاً، وسنستمر في نضالنا في مواجهة الذهنيات الذكورية المُتخلفة التي تعمل على تهميش وإقصاء دور المرأة، لأننا دفعنا الآلاف من الشهيدات في ثورة روج آفا، وسنظلُ نسعى لإعادة حقوق النساء وكرامتهن، ونساعدهن في الوصول إلى حقهن في تمثيل كافة الأدوار في مختلف المجالات".