الاندماج الديمقراطي... تجارب عالمية من الصراع إلى السياسة (2)
تُقدّم تجربة إقليم الباسك نموذجاً متعدد المستويات في حلّ النزاعات، من خلال مكانتها الدستورية، ومؤسساتها ذات الحكم الذاتي، وآليات التحقق الدولية، ودور المجتمع المدني، وتأثير النساء في بناء السلام.
من مسار الصراع إلى الاندماج: تجربة إقليم الباسك في إسبانيا
ساريا دنيز
مركز الأخبار ـ عند النظر إلى التطور التاريخي للدول القومية، يظهر أن أحد أكثر محاور الانقسام حدّة يتمثل في التوتر بين الدولة المركزية والبنية الاجتماعية متعددة الطبقات، فالتعارض بين نزعة الدولة إلى التوحيد والدمج، وبين مطالب الشعوب المتعلقة بالهوية، واللغة، والثقافة، والمعتقد، والمواطنة المتساوية، أدى في العديد من البلدان إما إلى تصاعد دوامة العنف، أو إلى فتح قنوات التفاوض والتحول.
تبرز مسألة الباسك في إسبانيا كواحدة من أبرز التجارب العالمية في هذا السياق؛ إذ لا تقتصر على إنهاء نشاط تنظيم مسلح فحسب، بل تعكس عملية حل متعددة الأبعاد شملت التغيير الدستوري، ومنح وضع الحكم الذاتي، وتطوير السياسة الديمقراطية، وتفعيل آليات التحقق الدولية، ودور المجتمع المدني، وديناميات المواجهة المجتمعية مع الماضي.
ومن هذا المنظور، تكشف تجربة الباسك حدود المقاربة الأمنية، وتُبرز في الوقت ذاته إمكانيات الحلول السياسية - المجتمعية.
وفي سياق البحث عن حل للقضية الكردية، يبرز مفهوم "الاندماج الديمقراطي" الذي طرحه القائد عبد الله أوجلان بوصفه نموذجاً خضع للاختبار في العديد من التجارب الملموسة حول العالم، فقد أثبتت دول كثيرة، من خلال انتقالها من مراحل الصراع إلى الأطر السياسية والقانونية، أن هذا النهج ليس نظرياً فحسب، بل قابل للتطبيق عملياً، وفي هذا الجزء من الملف، يتم تناول التجربة متعددة المستويات في إقليم الباسك، بدءاً من إنهاء منظمة إيتا لكفاحها المسلح، وصولاً إلى التحول الديمقراطي في إسبانيا، وتعزيز الحكومات المحلية، وبناء السلام المجتمعي.
حقبة فرانكو وظهور منظمة إيتا
في إسبانيا، حافظ شعب الباسك على وجوده كجماعة متميزة بفضل لغته الخاصة "الإيوسكارا"، وانتمائه الثقافي القوي، وبنيته الاجتماعية التاريخية، إلا أنّ هذه الهوية تعرّضت لضغوط شديدة، خصوصاً خلال فترة دكتاتورية فرانسيسكو فرانكو، حيث جرى تهميش اللغة الباسكية من المجال العام، وقمع الحضور الثقافي، فيما سعى النهج المركزي للدولة إلى إذابة الاختلافات بدل الاعتراف بها. هذا المناخ القمعي لم يقتصر على إضعاف المطالب الثقافية، بل ساهم أيضاً في تنامي فكرة الاستقلال، كما أن الحرب الأهلية الإسبانية وما تلاها من حكم فرانكو، أدّيا إلى تشكّل القضية الباسكية ضمن انقسام تاريخي أكثر حدّة.
في ستينيات القرن العشرين، وفي ظل هذه الظروف، تأسست منظمة إيتا، التي هي اختصار لاسم Euskadi Ta Askatasuna أي "بلاد الباسك والحرية"، وقد بدأت المنظمة كفاحاً مسلحاً بهدف إقامة دولة مستقلة في إقليم الباسك. وعلى مدى عقود، نفّذت عمليات اغتيال وتفجيرات وهجمات مسلحة، ما جعلها أحد أبرز أزمات السياسة في إسبانيا. وخلال 43 عاماً من الصراع المسلح، قُتل أكثر من 850 شخصاً، وأصيب الآلاف، ووقعت العديد من عمليات الاختطاف. هذا الواقع أظهر أن القضية لم تعد مسألة هوية أو وضع قانوني فحسب، بل تحوّلت أيضاً إلى جرح اجتماعي عميق وتجربة صادمة للمجتمع.
دستور 1978 والوضع الممنوح لإقليم الباسك

بعد وفاة فرانسيسكو فرانكو عام 1975، بدأت ملامح النظام السياسي في إسبانيا تتغيّر، ومع اعتماد دستور إسبانيا 1978، جرى تبنّي مفهوم "إسبانيا الموحّدة المتعددة"، التي تعترف بتنوّع اللغات والثقافات داخلها، وقد أتاح هذا الإطار الدستوري تقسيم البلاد إلى 17 إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي، ورغم أن صلاحيات هذه الأقاليم ليست متساوية، فإن إقليم الباسك حظي بوضع خاص ضمن هذا النظام.
فقد حصل الإقليم على صلاحيات واسعة، شملت تشكيل برلمان خاص به، وإنشاء حكومة إقليمية، وممارسة سلطات تشريعية وإدارية في مجالات مثل التعليم، والثقافة، والصحة، وبعض الجوانب الاقتصادية، كما مُنح صلاحيات كبيرة في جباية الضرائب وتنظيم الشؤون المالية، ما جعله أحد أقوى الأقاليم ذاتية الحكم داخل إسبانيا.
هذا الوضع الدستوري شكّل نقطة تحوّل مهمة في القضية الباسكية، إذ جرى لأول مرة الاعتراف بالهوية الباسكية ولغتها ومؤسساتها المحلية، ليس فقط على مستوى المطالب الاجتماعية، بل أيضاً ضمن الأطر القانونية والسياسية، وبذلك، لم تعد المسألة الباسكية تُختزل في كونها قضية أمنية ينبغي قمعها، بل أصبحت قضية يمكن معالجتها عبر ترتيبات دستورية وسياسية.
وتكمن أهمية ذلك في سياق الاندماج الديمقراطي، حيث لا يكتسب هذا المفهوم معناه إلا عندما يُعترف بالحقوق، وتُبنى مؤسسات تتيح ممارستها، ويُعترف بالإرادة المحلية بوصفها إرادة شرعية.
الانتقال من النهج الأمني إلى المسار السياسي

مع ذلك، لم يكن الوضع الدستوري كافياً وحده لحلّ المشكلة، فقد واصلت منظمة إيتا أنشطتها المسلحة، فيما لم تتخلَّ الدولة في إسبانيا عن المقاربة الأمنية لسنوات طويلة، وهكذا، ظلت القضية الباسكية عالقة بين مسارين: من جهة، الحكم الذاتي الدستوري وبناء المؤسسات المحلية، ومن جهة أخرى، استمرار الصراع المسلح.
لكن مع بداية الألفية الجديدة، بدأ هذا التوازن يتغير، فقد أدّى تعزيز مسار التحول الديمقراطي في إسبانيا، وتراجع الشرعية الاجتماعية لفكرة الحل المسلح، وظهور محاولات البحث عن التفاوض، إلى نشوء أرضية سياسية جديدة. وأصبح واضحاً بشكل متزايد أن المقاربة الأمنية وحدها لا تؤدي إلى نتائج حاسمة.
ومن النقاط اللافتة في هذا السياق أن نزع سلاح إيتا لم يحدث، بالمعنى التقليدي، نتيجة عملية تفاوض رسمية شاملة ومعلنة، فقد سعت المنظمة لسنوات إلى فتح قنوات تفاوض غير مباشرة، إلا أن الدولة الإسبانية تعاملت غالباً مع هذه المحاولات بحذر أو حتى بالرفض، ورغم وجود مؤشرات تسرّبت عبر وسائل الإعلام على اتصالات محدودة وعلى مستويات عالية، فإنه لم يتم تأسيس آلية تفاوض رسمية ومستدامة.
لذلك، فإن قرار إيتا بإنهاء العمل المسلح لم يكن نتيجة اتفاق مباشر بينها وبين الدولة، بل جاء نتيجة تفاعل عاملين رئيسيين: أولاً، تقييم داخلي بأن الكفاح المسلح لم يعد يحمل جدوى استراتيجية، وثانياً، تغيّر الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة.
كيف تطوّرت عملية نزع السلاح؟

في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2011، أعلنت منظمة إيتا إنهاء الكفاح المسلح بشكل نهائي وكامل، وفي عام 2018 أعلنت رسمياً حلّ نفسها. قد يبدو هذا التطور، على السطح، مجرد إغلاق تنظيمي، لكنه في الواقع كان نتيجة تحوّل سياسي واجتماعي أوسع بكثير. إذ إن هذه العملية لم تكن ثمرة ضغط الدولة وحده، بل تشكّلت من تفاعل عدة عوامل، من بينها دور المجتمع المدني، والفاعلين المحليين، وآليات المراقبة الدولية، وبشكل خاص الدور الفاعل للنساء في بناء السلام.
دور لجنة التحقق الدولية
كان أحد أبرز أعمدة عملية نزع السلاح هو اللجنة الدولية للتحقق، وهي هيئة مستقلة أُنشئت لمتابعة مدى التزام إيتا بوقف إطلاق النار وتعهدات نزع السلاح، ولضمان توافق العملية مع المعايير الدولية، وتعزيز الثقة لدى الرأي العام، وقد تابعت اللجنة تنفيذ وقف إطلاق النار "الدائم والقابل للتحقق" الذي أعلنته المنظمة عام 2011، وأكدت انتهاء الأنشطة القتالية، كما راقبت عمليات تفريغ مخازن الأسلحة وتسليمها.
هذا الدور الرقابي ساهم في تحويل نزع السلاح من مجرد إعلان سياسي إلى عملية ملموسة، قابلة للمراقبة والتأكيد، ما عزّز مصداقية المسار برمّته، وساعد في ترسيخ الانتقال من العنف إلى العمل السياسي.
تدخل المجتمع المدني: مبادرة حرفيي السلام

لعب المجتمع المدني دوراً حاسماً في الجوانب العملية واللوجستية لنزع السلاح، ومن أبرز التشكيلات في هذا الصدد مبادرة حرفيي السلام، تألفت هذه المنظمة العاملة في إقليم الباسك الفرنسي (أي إقليم الباسك الشمالي بالإسبانية)، من نشطاء سلام وأكاديميين وسياسيين محليين وممثلين عن المجتمع المدني.
وتواصل حرفيي السلام مع ممثلي منظمة إيتا، وتوسطوا في تحديد مواقع مستودعات الأسلحة، وقدموا إحداثيات هذه المستودعات للحكومة الفرنسية عام ٢٠١٧، ولعبوا دوراً في التنسيق اللوجستي لعملية تسليم الأسلحة، وهكذا، حيثما كانت القنوات الرسمية ضعيفة، تدخل المجتمع المدني كقوة وساطة، وتُظهر هذه الصورة أن تجربة الباسك لا تقتصر على العلاقة بين الدولة والجماعة المسلحة فحسب، بل تُظهر أيضاً أن الشرعية الاجتماعية والمبادرة المدنية يمكن أن تُصبحا عنصرين أساسيين في عملية الحل.
الانتقال من القوات المسلحة إلى السياسة الديمقراطية
كان من أبرز جوانب التجربة الباسكية دمج الكفاح المسلح في السياسة الديمقراطية، ففي حقبة ما بعد منظمة إيتا، لم يقتصر الاندماج على إلقاء السلاح فحسب، بل شمل أيضاً إعادة فتح قنوات التمثيل السياسي.
في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، حظرت الدولة الإسبانية العديد من المنظمات السياسية بدعوى صلتها بمنظمة إيتا، وقد أدى إغلاق منظمة باتاسونا عام ٢٠٠٣ بموجب قانون الأحزاب السياسية، وما تلاه من حظر لمنظمات مماثلة، إلى تضييق الطريق أمام السياسة الديمقراطية، إلا أنه في الفترة التي تلت عام ٢٠١١، برزت استراتيجية جديدة: السياسة الديمقراطية بدلاً من الكفاح المسلح.
قرار المحكمة الدستورية والاندماج السياسي
استهدفت المحاكم والحكومة في البداية حزب سورتو، الذي تأسس ضمن هذا الإطار، باعتباره امتداداً لمنظمة إيتا، إلا أنه في عام ٢٠١٢، أصدرت المحكمة الدستورية قراراً حاسماً، مفاده أن برنامج سورتو يرفض العنف صراحةً، وأنه لا توجد أي صلة عضوية بينه وبين إيتا، مما مهد الطريق أمام الحزب للعمل بشكل قانوني، وأصبح هذا القرار أحد أهم نقاط التحول في عملية الاندماج، إذ عادت الحركة الباسكية بذلك إلى النظام السياسي الرسمي، وحصلت على حق المشاركة في الانتخابات، والتمثيل، وممارسة السياسة بشكل مشروع.
لاحقاً، أصبحت حركة سورتو، إلى جانب حركات قومية باسكيّة أخرى، قوة سياسية تحت مظلة تحالف إي إتش بيلدو، وحصل هذا التحالف على تمثيل في برلمان الباسك المستقل، وأرسل نواباً إلى البرلمان الإسباني، وضمن سيطرته على البلديات في الحكومات المحلية. وهكذا، أصبح النهج السياسي، الذي كان قد تشكّل في السابق من خلال الكفاح المسلح، جزءاً لا يتجزأ من السياسة البرلمانية.
وظيفة الحكومات المحلية والمؤسسات المستقلة
يُعدّ تعزيز المؤسسات المحلية أحد أهمّ أبعاد النموذج الباسكي، فالبرلمان الباسكي والحكومة الإقليمية والمؤسسات الإدارية المحلية لا تُنظّم كهياكل رمزية فحسب، بل كآليات ذات سلطة اتخاذ القرار في مجالات واسعة، من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والسياسات الثقافية.
وهذا أمر بالغ الأهمية للاندماج الديمقراطي، إذ لا يتحقق الاندماج بمجرد الاعتراف النظري بالحقوق، بل أيضاً من خلال وجود مؤسسات تُمارس فيها هذه الحقوق وتُحمى وتُحوّل إلى إرادة سياسية، وتُمثّل التجربة الباسكية، في هذا السياق، تجسيداً مؤسسياً للاعتراف بالحقوق.
في هذا السياق، يُعدّ نظام الاستقلال المالي أحد أبرز جوانب النموذج الباسكي، إذ تتمتع منطقة الباسك بصلاحيات واسعة استثنائية داخل إسبانيا فيما يتعلق بتحصيل الضرائب وإدارة الإيرادات.
وتقوم الحكومة الإقليمية بتحصيل مواردها المالية الخاصة، ثم تُحوّل جزءاً منها إلى الحكومة المركزية، ولا يُنظر إلى هذا الترتيب على أنه امتياز اقتصادي فحسب، بل أيضاً كعنصر يُعزز الثقل السياسي وقدرة الإرادة المحلية على الحكم الذاتي. إن نموذجاً لا تُحرم فيه الحكومات المحلية من الموارد المالية يجعل الاستقلال الديمقراطي أكثر واقعية وفعالية.
دور المرأة في بناء السلام
في التجربة الباسكية، كانت المرأة من أهم الفاعلين الذين ساهموا في تعزيز البُعد الاجتماعي، فعلى الرغم من استبعادها لفترة طويلة من آليات صنع القرار السياسي، أصبحت المرأة إحدى أكثر القوى الاجتماعية حيوية في بناء السلام، وقد حافظت منظمات المرأة ومنصات السلام والتشكيلات الحقوقية باستمرار على حتمية التفاوض والحوار لإنهاء العنف على جدول الأعمال، ولم يقتصر دور المرأة في هذا المسعى على إضفاء بُعد سياسي فحسب، بل أضاف بُعداً جندرياً أيضاً إلى العملية.
لعبت النساء دوراً رائداً في المشاريع المحلية والمجتمعية التي ركزت على إصلاح الأضرار الناجمة عن النزاع، وسعين ليس فقط إلى إنهاء العنف الجسدي، بل أيضاً إلى معالجة تبعاته النفسية والاجتماعية والممتدة عبر الأجيال، وقد أوضح هذا جلياً أن السلام لا يعني مجرد إسكات الأسلحة، بل إعادة بناء الحياة الاجتماعية.
وقد لفتت النساء، ولا سيما من دافعن عن حقوق الأسر المتضررة، انتباه الرأي العام إلى انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن ممارسات منظمة إيتا وممارسات الدولة على حد سواء، وهكذا، تجاوزت العملية الإطار الأمني والسياسي البحت، لتركز بدلاً من ذلك على أسس إنسانية واجتماعية وإنسانية.
لم تكتفِ المبادرات التي قادتها النساء بإنهاء النزاع فحسب، بل أكدت أيضاً على ضرورة تحقيق العدالة والمصالحة والمساءلة.
وقد ساهمت الحملات التي تناولت قضايا حساسة كنزع السلاح والتسامح والاعتراف بالمظالم وترسيخ الذاكرة الجماعية في تعزيز البُعد الاجتماعي لعملية السلام، لذا، ينبغي النظر إلى دور المرأة في التجربة الباسكية ليس فقط كدور داعم، بل كدور أساسي في ضمان ترسيخ السلام في المجتمع.
المواجهة، والعدالة، والقضايا العالقة
مع ذلك، فإن تجربة الباسك لا تُعدّ نموذجاً للحل السلس والكامل، على الرغم من توقف الأنشطة المسلحة، لم تُتخذ خطوات بالسرعة والنطاق نفسيهما فيما يتعلق بأعضاء منظمة إيتا الذين ما زالوا في السجون، إنّ إعلان منظمة إيتا التخلي عن الكفاح المسلح، بالتزامن مع مطالبتها بالإفراج عن السجناء، يُظهر أن هذه القضية لا تزال من القضايا العالقة، وتُواصل جمعيات مثل "ساري" دعم سجناء إيتا والمطالبة بالإفراج عنهم منذ سنوات عديدة.
يكشف هذا أن عمليات ما بعد النزاع لا تكتمل بمجرد إلقاء السلاح؛ إذ تستمر قضايا العقاب والعدالة والمصالحة وإعادة البناء الاجتماعي لفترة طويلة، فبالرغم من تعزيز آليات الحكم الذاتي، تبقى السيادة النهائية للدولة المركزية، علاوة على ذلك، لم تختفِ التوترات بين مدريد والمطالب بالاستقلال أو رفع مكانة الدولة تماماً، ومع ذلك، فإن تجربة إقليم الباسك مهمة لأنها تُظهر أن منطقة النزاع يُمكن تحويلها ليس من خلال القمع العسكري المطلق، بل من خلال الاعتراف الدستوري، والتأسيس المؤسسي المحلي، والتفاوض السياسي.

ماذا تخبرنا التجربة الباسكية عن الاندماج الديمقراطي؟
في نهاية المطاف، تُظهر التجربة الباسكية في إسبانيا أن حل النزاعات لا يمكن تفسيره تحت عنوان واحد. في هذه التجربة، تتشابك عدة عوامل، منها الوضع الدستوري، والاستقلالية المؤسسية، والاعتراف بالحقوق الثقافية، ونقل السلطة المالية والسياسية، وآليات التحقق الدولية، ودور المجتمع المدني كوسيط، وإعادة فتح باب المشاركة السياسية، ودور المرأة في بناء السلام، ومناقشات العدالة في مرحلة ما بعد النزاع.
لا ينبغي النظر إلى نزع سلاح منظمة إيتا وحلّها الذاتي على أنه مجرد نتيجة لنجاح عسكري أو أمني؛ بل ينبغي اعتباره نقطة تحول تاريخية تتلاقى فيها تغيرات التوازنات الاجتماعية، وجهود التحول الديمقراطي، والتدخل المدني والاجتماعي.
لذا، يحتل النموذج الباسكي مكانةً بارزةً في النقاشات الدائرة حول الاندماج الديمقراطي إذ تُظهر هذه التجربة إمكانية تعايش شعبٍ ما ضمن إطار سياسي أوسع مع الحفاظ على لغته وثقافته وهويته ومؤسساته المحلية؛ وأن الصراع قابلٌ للتحول عبر آليات سياسية وقانونية واجتماعية بدلاً من القمع المطلق، وبالنسبة لتركيا، تبرز هذه التجربة كمثال عالمي قوي يُذكّرنا بضرورة البحث عن الحل ليس فقط في السياسات الأمنية، بل أيضاً في الديمقراطية، والضمانات المؤسسية، والتمثيل السياسي، وفعالية المجتمع المدني، والمصالحة الاجتماعية.
غداً: ظهور القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) في كولومبيا: الكفاح المسلح والاندماج