زواج القاصرات... شرعنة الانتهاك وتراجع الديمقراطية

في الوقت الذي تسعى فيه المجتمعات نحو ترسيخ مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، يبرز زواج القاصرات في العراق كأحد أكثر الانتهاكات فظاعة لكرامة الإنسان، خاصة عندما يُشرعن بقوانين رسمية.

هيرو علي 

السليمانية ـ بينما تُصادق الحكومات على اتفاقيات دولية لحماية الطفل والمرأة، تُطرح تعديلات قانونية تتيح تزويج الفتيات في سن التاسعة، وتُنفذ عقود زواج خارج المحاكم في العراق وإقليم كردستان، في تحدٍ صارخ للقانون، مما يكشف عن فجوة عميقة بين التشريع والممارسة، ويضع مستقبل الطفولة والمرأة في مهب الريح.

زواج القاصرات قضية معقدة، متجذرة بعمق بسبب التقاليد والفقر، حيث يعتقد الآباء من ذوي الدخل المنخفض أن الزواج يضمن مستقبل الفتاة، وهذا التصور يشجع أُسرهن على ترتيب هذا النوع من الزواج، دون أن يكون للفتيات أي خيار في القرار، وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، يُسجّل سنوياً في العالم حوالي 12 مليون حالة زواج لفتيات دون سن 18 عاماً، وتتركز النسبة الأكبر من هذه الحالات في منطقة الشرق الأوسط.

وكشفت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، عن تزويج أكثر من 140 مليون فتاة بين عامي 2011 و2020، وأصبحن زوجات في سن الطفولة، ومن بينهن كان هناك 50 مليون فتاة تقل أعمارهن عن 15 عاماً وقت الزواج.

 

بين الفقر والحرمان وسلب الحق في اختيار المصير

الفقر، وانعدام الوعي، وغياب الاستقلالية لدى الفتاة، والنظرة المجتمعية، كلها أسباب تكمن خلف تزويج الفتاة في سن مبكرة، فالكثير من الأسر تعتبر أن تزويج بناتها في سن مبكر وسيلة "جيدة" لحمايتهن أو إنقاذهن، ويعتقدون أنه إذا لم تتزوج الفتاة في سن صغيرة، فقد ترتكب خطأً أو تدخل الأسرة في وضع سيئ.

وبحسب الدراسات العلمية، فإن الأجساد تحت سن 18 عاماً غير مهيأة بيولوجياً لخوض تجربة الزواج، وإذا دخل الفرد في هذه التجربة دون استعداد جسدي ونفسي، فإن ذلك يؤدي إلى مشاكل نفسية عميقة، فالعمر البشري يتكون من مراحل متعددة، ويجب أن تمر كل مرحلة بشكل طبيعي، وعندما يتم تجاوزها أو القفز عليها، فإن ذلك يترك أثراً مباشراً على الصحة النفسية.

بالإضافة إلى أن زواج الفتيات في سن مبكر يسلبهن حق اختيار شريك الحياة وتوقيت الزواج، ويغلق أمامهن أبواب الحياة والفرص المستقبلية.

 

المصادقة على تعديل قانون الأحوال الشخصية وسط جدل واسع

في عام 1994، صادق العراق على اتفاقية حقوق الطفل، والتي تنص من المادة 3 حتى نهايتها على ضرورة حماية مصالح الطفل وحياته بجميع أشكالها. كما وقع في عام 1986 على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، والتي تنص في المادة 16 الفقرة الثانية بشكل واضح على حظر الزواج القسري وزواج الأطفال.

وعلى الرغم من المصادقة على هذه الاتفاقيات، إلا أنه في 24 تموز/يوليو عام 2024، قدم النائب المستقل في البرلمان العراقي رائد المالكي مقترحاً لتعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، حيث ينص المقترح على حرمان المرأة من حق الحضانة والإرث في حال الانفصال، كما يسمح بزواج الفتيات في سن التاسعة، ويجيز الزواج خارج المحاكم.

وقد حظي هذا المقترح بدعم واضح من الأحزاب الشيعية، بحجة أن هذا التعديل يستند إلى المادة (41) من الدستور، التي تضمن حرية الالتزام الشخصي للعراقيين وفقاً لمعتقداتهم الدينية والمذهبية.

في النهاية، وبعد قراءتين، صوّت مجلس النواب العراقي في يوم 21 كانون الثاني/يناير 2025 على تعديل قانون الأحوال الشخصية، حيث تضمن التعديل عدة فقرات ومواد مختلفة، من بينها السماح بتزويج الفتاة في سن التاسعة بموافقة ولي أمرها، وكذلك إمكانية نسب الطفل إلى والدته في سن السابعة.

كما أنه في 27 من الشهر ذاته، أقر البرلمان العراقي في جلسة خاصة الإرشاد الشرعي الصادر عن ديوان الوقف الشيعي "استناداً إلى الفقه الجعفري" كأساس لتعديل قانون الأحوال الشخصية، والذي بموجبه أصبح زواج الفتيات دون سن 18 عاماً قانونياً.

لذلك، فإن المصادقة على هذا التعديل وتشريعه تعني أن العراق عاد إلى عصور الظلام وانتهاك حقوق الإنسان، وتجاهل المرأة بشكل خاص، هذا لا يعني فقط أن الحرية والديمقراطية في العراق قد تراجعت إلى نقطة الصفر، بل إن القاصرات تم تجريدهن من إنسانيتهن، بطريقة تجعل الرجال الذين يعانون من شهوة جنسية مفرطة يستغلون الفتيات في سن التاسعة والعاشرة، وحتى من هن دون سن الثامنة عشرة، بينما تُحرم النساء بشكل عام من جميع حقوقهن، ويُنظر إليهن فقط كأدوات للجنس والإنجاب، ولا شيء أكثر من ذلك.

وعلى الرغم من أن هذا التعديل لم يُصادق عليه في إقليم كردستان، إلا أنه له تأثيراً مباشراً على الإقليم، لأن محافظة كركوك تتبع للحكومة العراقية، ويُطبق فيها هذا القانون المعدل، مما يتيح للرجال المقيمين في الإقليم اللجوء إلى المحاكم خارج الإقليم لعقد زواجهم، وذلك لأن الدستور العراقي يعتبر كل مواطن في الإقليم مواطناً عراقياً، ويجب تطبيق قانون الأحوال الشخصية العراقي عليه أيضاً، وبهذا الشكل، يستفيد رجال الإقليم من هذا القانون، ويستطيعون الزواج من قاصرات خارج نطاق محاكم منطقتهم.

 

زواج القاصرات بين التشريعات القانونية والتحديات المجتمعية

في إقليم كردستان، ووفقاً للقانون رقم 15 لسنة 2008، يمكن لأي شخص بلغ سن 16 عاماً وتقدم بطلب الزواج أن يمنحه القاضي الموافقة إذا وجد أنه مؤهل وقادر جسدياً.

وقد صادقت حكومة الإقليم على قانون مكافحة العنف الأسري في جلستها الاعتيادية في 21 حزيران/يونيو 2011، ووفقاً للقانون، لا يمكن زواج من هم في سن 15 عاماً إلا في حالة الطوارئ، ولكن للأسف، وعلى الرغم من هذه القوانين، يتم تزويج من هم دون هذا السن خارج المحاكم، مما يسبب أضراراً كبيرة.

وبحسب إحصائية رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط في حكومة الإقليم، فإن نسبة الزواج دون سن 18 عام بلغت 23%، بينما تجاوزت نسبة الزواج دون 15 عام أكثر من 10%.

في عام 2022، نشر صندوق الأمم المتحدة للسكان في العراق إحصائية حول عقود الزواج في إقليم كردستان، حيث تم تسجيل 55,896 عقد زواج في ذلك العام، ومن بين هذه العقود، كان هناك 8,048 حالة زواج لأطفال دون سن 18 عاماً، أي ما يعادل نسبة 14.4%، ويُعزى السبب الرئيسي لذلك إلى لجوء بعض رجال الدين إلى إجراء عقود الزواج بعيداً عن المحاكم، في الوقت الذي ينص فيه القانون المعمول به في إقليم كردستان على أنه لا يجوز لأي شخص أن يُجري عقد زواج خارج المحكمة، حيث إن قانون الأحوال الشخصية في الإقليم ينص على أن عقوبة الزواج خارج المحكمة يترتب عليها دفع غرامة مرتفعة، بالإضافة إلى عقوبة السجن لرجال الدين الذين يُجرون هذه العقود، والتي تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات.

وعلى الرغم من وجود مديرية لمناهضة العنف ضد المرأة والأسرة في إقليم كردستان، إلا أن ملفات زواج القاصرات لا تُعد من أولويات عملها، مما يستدعي ضرورة توعية أفراد المجتمع، خاصة جميع المؤسسات المشاركة في العملية التربوية والاجتماعية، مثل الأسر والمدارس وصولاً إلى الجامعات والمراكز الأخرى، للعمل على معالجة قضية الزواج المبكر، كما يجب على الجهات القانونية أن تبذل جهوداً أكبر من خلال تشريعات أكثر صرامة للحد من هذه الظاهرة، ومحاسبة كل من يشارك في تنفيذها.