يوم الصحفيات الكرديات... وريثات غربتلي أرسوز يواصلن الكتابة من أجل الحقيقة

ترى الصحفية أوزنور دغير أن الإرث الذي تركته الصحفية غربتلي أرسوز تحول إلى تقليد تواصل الصحفيات الكرديات حمله بأقلامهن، مؤكدةً أن من سيواصل مواجهة العقلية القمعية هنّ "الصحفيات الكرديات، وريثات غربتلي أرسوز".

آرجين ديليك أونجل

آمد ـ من صفحات المجلات والصحف إلى وكالات الأنباء والقنوات التلفزيونية، راكمت الصحفيات الكرديات تجربة إعلامية خاصة، خاضت في الوقت نفسه مواجهة مع إنكار الهوية الكردية، والعقلية الذكورية والإقطاعية، والتمييز على أساس الجنس، وأشكال القمع التي طالت الصحافة وحرية التعبير.

في قلب هذا المسار برزت تجربة غربتلي أرسوز، التي لم تكتفِ بكسر الحواجز أمام حضور المرأة في الإعلام، بل أسهمت في إرساء مفهوم مختلف للصحافة، تكون فيه المرأة صاحبة قرار وصوت وإرادة، وتتحول فيه الكتابة إلى أداة لملاحقة الحقيقة ومقاومة القمع.

واليوم وبعد عقود على رحيلها، تواصل صحفيات كرديات حمل هذا الإرث، مستمرات في الكتابة والتوثيق والعمل الصحفي رغم المخاطر والضغوط. وتقول الصحفية أوزنور دغير إن غربتلي أرسوز منحت تقليد الصحافة نفساً جديداً، مؤكدةً "من سيتمرد على هذه العقلية القمعية سيكون نحن، الصحفيات الكرديات، وريثات غربتلي أرسوز".

 

مسيرة إعلامية صنعتها النساء

شكلت الصحفيات الكرديات، اللواتي حملن إرث غربتلي أرسوز وأسهمن في الصحافة الحرة، جزءاً أساسياً من النضال ضد التمييز والعسكرة والاضطهاد، وفي الوقت نفسه أسسن تقليداً إعلامياً منح المرأة موقعاً فاعلاً في صناعة الخبر وصياغة الخطاب الإعلامي.

ولم تكن هذه المسيرة محصورة في شمال كردستان؛ فالنساء استخدمن القلم والكاميرا والصوت في مختلف الجغرافيا الكردية، متجاوزات الحدود السياسية والجغرافية. وفي هذا السياق، بدأت أول مجلة نسائية للحركة الكردية النسائية باسم (Jina Serbilind)، والتي صدرت في أوروبا عام 1993.

وفي عام 1997، صدرت أول صحيفة نسائية باسم "الحياة الحرة" (Jiyana Azad)، أسبوعياً في إقليم جنوب كردستان. وفي شمال كردستان، بدأت مجلة "المرأة الحرة" (Özgür Kadın) الصدور عام 1998، قبل أن تواصل مسيرتها لاحقاً تحت أسماء مختلفة.

ومع دخول الألفية الجديدة، واصلت النساء الكرديات توسيع حضورهن في المجال الإعلامي. ففي عام 2005 صدرت في أوروبا (Newaya Jin)، وفي 8 آذار/مارس 2012 بدأت وكالة أنباء المرأة (JINHA) عملها. وفي عام 2018 تأسست قناة JIN TV، ثم بدأت وكالة أنباء المرأة (NuJINHA) عملها عام 2021، بهدف أن تكون صوتاً لنساء الشرق الأوسط.

وتحيي الصحفيات الكرديات يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر باعتباره "يوم الصحفيات الكرديات"، وهو تاريخ استشهاد غربتلي أرسوز عام 1997، التي تحولت تجربتها إلى أحد أبرز رموز هذا التقليد الصحفي.

 

 

وفي مناسبة يوم الصحفيات الكرديات، استذكرت الصحفية أوزنور دِغير، غربتلي أرسوز، مشيرةً إلى أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر ليس مجرد تاريخ في التقويم بالنسبة إلى الصحفيات الكرديات، بل تاريخ يحمل في طياته المقاومة والنضال والحقيقة، ويمثل بداية لمسار من المقاومة الصحفية.

 

"أنشأت لغة نسائية في مواجهة إعلام يزداد ذكورية"

وتشير أوزنور دغير إلى أن غربتلي أرسوز، التي تولت عام 1993 رئاسة تحرير صحيفة أوزغور غونديم "Özgür Gündem"، لم تكن مجرد صحفية تولت منصباً قيادياً، بل كانت جزءاً من تحول أوسع في مفهوم المرأة ودورها داخل الإعلام "في الوقت الذي كان فيه الإعلام على مستوى العالم يزداد ذكورية، ظهرت غربتلي أرسوز كضوء في قلب هذه الحقيقة التاريخية. وفي مواجهة الهيمنة الذكورية، أسست في الإعلام لغة المرأة، ووجودها، وفي الأساس إرادتها".

وأضافت "عندما ننظر إلى العالم في ذلك الوقت، سنرى أنه لم يكن من السهل أن تتولى امرأة منصباً قيادياً في الإعلام. لكن غربتلي أرسوز أظهرت هذه الإرادة في تركيا وكردستان، وكتبت تاريخاً بوصفها أول امرأة تتولى منصب رئيسة تحرير في تركيا. لذلك، فإن اختزال إرث غربتلي أرسوز في الصحافة الكردية وحدها سيكون تقييماً ناقصاً".

 

"صحافة نسائية كردية أوصلت صوتها إلى العالم"

وترى أوزنور دغير أن ما بدأته غربتلي أرسوز عام 1993 لم يتوقف برحيلها، بل تحول إلى مسار واصلته أجيال من الصحفيات "روح المقاومة هذه، وهذا التعبير عن الإرادة وهذا التمرد الذي ظهر عام 1993، يستمر اليوم ويتوسع في ظروف القرن الحادي والعشرين. إن وجود الصحفيات في مواقع الإدارة، وامتلاكهن الكلمة والإرادة، هو في جانب منه نتيجة للقيم التي أرستها غربتلي أرسوز".

ولفتت إلى أنه من "المهم بالنسبة إلينا أن نحافظ على إرث النضال والمقاومة الذي أوجدته، وأن نضيف قيماً جديدة إلى ما تركته، ينبغي أن ننظر إلى القلم الذي نحمله باعتباره أداة قوة؛ فكل خبر نكتبه، وكل كلمة نقولها، وكل صورة نلتقطها ونوثقها، وكل مشهد نسجله، هو امتداد للطريق الذي فتحته غربتلي أرسوز".

وتستشهد بالصحفية جيان بلكين، التي كانت تتابع التطورات في شمال وشرق سوريا، قائلةً "وجود جيان هناك هو المثال الأكثر تجسيداً لقيمة الصحافة النسائية التي أوجدتها غربتلي أرسوز".

 

"إنهم يخافون من قوة الصحفيات"

وفي حديثها عن الثمن الذي دفعته الصحفيات خلال هذا المسار، تتوقف أوزنور دغير عند استهداف الصحفية ناكيهان أكارسال في السليمانية "الخوف الذي يقف وراء اغتيال ناكيهان هو خوف العقلية الذكورية، والعقليات المهيمنة، والدول والسلطات والقوى التي تبني وجودها على نظام الاستغلال".

وأضافت " فالإرث الذي تركته غربتلي أرسوز والقيم التي أسستها يشكلان مواجهة فكرية مع أصحاب الهيمنة الذكورية. وهذا الإرث يتمرد على عقلية لا تستطيع القضاء على هوية المرأة، لكنها تحاول إخضاعها، وحين تعجز عن ذلك تلجأ إلى القتل والاعتقال وإخضاع النساء لمختلف آليات القمع".

 

من التضامن إلى توسيع دائرة المقاومة

ولا تفصل أوزنور دغير بين العمل الصحفي والتنظيم والتضامن، وترى أن استمرار الصحافة في أداء دورها يتطلب بناء شبكة تضامن تتجاوز الحدود والجغرافيا "إذا كان سيتم بناء سلسلة من التضامن، فيجب نسجها على مستوى العالم، من خلال توسيع هذا الإرث. يجب إيصال مجمل القيم التي أوجدتها غربتلي إلى العالم ونشرها، وجعل الجميع جزءاً من إرث هذا النضال وهذا التقليد من المقاومة".

وأوضحت أنه "منذ تسعينيات القرن الماضي، كنا نحن، الصحافة الكردية، وخصوصاً الصحفيات الكرديات، الأكثر تعرضاً للضغوط. وعندما ننظر اليوم إلى تركيا أو الشرق الأوسط، نرى أن كل من يرفع صوته بالاعتراض أصبح تحت سلسلة من الضغوط".

وأشارت إلى أن "الأشخاص والمؤسسات الذين لم يتضامنوا معنا في ذلك اليوم أصبحوا اليوم هم أنفسهم في مواجهة الضغوط. ونحن نعرف أن التضامن بالنسبة إلينا ثقافة وتقاليد وإرث تسلمناه. فقد علّمتنا غربتلي دائماً مقاومة الظلم والصراخ بالحقيقة، حتى لو كان ذلك على حساب حياتنا. ولذلك، وبما أننا ننتمي إلى هذا التقليد، نقول إن تطوير التضامن وتوسيعه يتطلب جمع كل من يتعرض للقمع تحت مظلة واحدة".

وفي ختام حديثها، ربطت أوزنور دغير بين حرية الصحافة وحرية التعبير وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، مؤكدةً أن التضامن يبقى أحد الأدوات الأساسية في مواجهة الضغوط "إذا كانت النساء هن القادرات على تغيير الحياة وتحويلها، فإن من سيتمرّد على هذه العقلية القمعية سيكون أيضاً نحن الصحفيات الكرديات، وريثات غوربتلي أرسوز".