تونس... صحفيات يؤكدن على أهمية الدعم فيما بينهن للوصول إلى مواقع القرار

سلطت الندوة التي نظمتها شبكة "هن" للصحافيات المغربيات في تونس الضوء على التحديات البنيوية والمهنية التي ما تزال تعيق وصول الصحفيات إلى مراكز القرار داخل المؤسسات الإعلامية، رغم حضورهن الواسع وتصدرهن المشهد الميداني.

زهور المشرقي

تونس ـ أجمعت الصحفيات المشاركات في الندوة على أن التضامن المتبادل والدعم المهني يشكلان الخطوة الأولى نحو تسهيل وصول النساء إلى مراكز القرار داخل المؤسسات الإعلامية، مؤكدات أن غيابهن عن مواقع القرار يعود إلى هيمنة عقلية أبوية ما زالت بحاجة إلى تغيير.

نظمت شبكة "هن" للصحافيات المغاربيات أمس الخميس السابع من أيار/مايو، ندوة بالعاصمة تونس لتسليط الضوء على واقع الصحفيات وصعوبة وصولهن لمراكز القرار برغم أنهن الأكثر عدداً على الميدان في تونس مثلاً، ونبهت المتدخلات من استمرار احتكار المناصب بالمؤسسات الإعلامية للرجال برغم الكفاءة النسائية، وأعدن ذلك إلى عقلية مستبطنة للدونية تجاه الصحفيات اللواتي يتم استغلالهن فقط دون تمكينهن.

وعرضت الصحفيات المتدخلات تجاربهم في الوصول لمراكز القرار والتي كانت محاطة بعراقيل ووصم لأنهن نساء، ودعين الصحفيات إلى التضامن فيما بينهن ودعم بعضهن للوصول والنجاح ومحاربة العقلية التي تريد إثبات أن المرأة عدوة للمرأة للاستفادة من خطاب التقسيم والتفرقة والصراع فيما بينهن.

وشددن على أن المعركة معركة تغيير للعقلية لتسهيل ولوج الصحفيات لمراكز القرار بكفاءتهن، مؤكدات على أهمية التوجه إلى تشكيل شبكات خاصة بهن للعمل بحرية وتشريك زميلاتهن وأعطائهن الفرص.

 

"التشبيك بين الصحفيات"

وعلى هامش الندوة أكدت يسرى بلالي رئيسة الشبكة بتونس، أن الهدف من الندوة التشبيك بين الصحفيات لاعتباره السبيل الأول للعمل ضمن بيئة آمنة لهن خصوصاً في ظل التضييقات على القطاع والمراسيم القمعية، مشيرةً إلى أن شبكة "هن" تسعى الى حلق فرصة للصحافيات ودعمهن نفسياً وقانونياً حتى يعملن في فضاء آمن "تحارب الشبكة إبراز الفرص للصحافيات وتكونهن وتطور من مهارتهن لخلق أماكن للعمل، وهذا البناء الأول للشبكة".

 

معركة "النفس الطويل" وإثبات الذات

واستعرضت الصحفية التونسية نجوى الهمامي مسيرتها المهنية، متوقفة عند التحديات الكبيرة التي ما تزال تواجه النساء في قطاع الإعلام، ولا سيما فيما يتعلق بالوصول إلى مواقع صنع القرار، واستهلت حديثها بالاستناد إلى مقولة للصحفية الراحلة شيرين أبو عاقلة، مؤكدة أن "بلوغ مراكز القرار يتطلب نفساً طويلاً"، في إشارة إلى حجم الجهد والصبر اللذين تفرضهما هذه المسيرة.

وأشارت إلى أن المرأة في الوسط الصحفي غالباً ما تُحاسب بناءً على جنسها لا كفاءتها، حيث تُحرم من تقلد مناصب أو تُسحب منها مواضيع اقترحتها لتُمنح لزملاء رجال تحت ذريعة "أولوية النوع".

وتطرّقت نجوى الهمامي إلى جملة من العقبات التي تعترض طريق الصحفيات، بدءاً من التضييق وصولاً إلى الهرسلة، موضحةً أن هذه المعاناة تتجسّد في أشكال متعددة، أبرزها الإقصاء والتهميش ومحاولات مستمرة لـ التقليل من قيمة عمل المرأة وجهودها داخل المؤسسات الإعلامية.

وقضت نجوى الهمامي سنوات في محاولة "إثبات ذاتها" كامرأة صحفية، قبل أن تقرر التركيز على مسيرتها الخاصة التي تفرض وجودها بمهنتها وحدها، وقالت "لقد مررت بتجارب ثرية بين المكتوب والمرئي والمسموع والرقمي، عشت فيها (الجميل) من دعم الزملاء والزميلات، وعشت فيها أيضاً تجارب قاسية من الإقصاء والتحرش المهني لمجرد كوني امرأة.

ودعت إلى ضرورة التعامل مع الصحفيات باعتبارهن "إنساناً وكفاءات" على قدم المساواة مع زملائهن الرجال مشيرةً إلى مفارقة لافتة في القطاع الإعلامي التونسي، حيث تصل نسبة النساء العاملات فيه إلى نحو 80 %، في حين تبقى مشاركتهن في مواقع القرار محدودة.

ووجّهت نداءً إلى الصحفيات، قدّمت فيه جملة من التوصيات العملية لتعزيز مساراتهن المهنية، من بينها التجرؤ على الحلم، التشبث بالطموح وعدم الاكتفاء بالواقع القائم التطوير المستمر، الاستثمار في التدريب واكتساب مهارات جديدة، خاصة في الأدوات الرقمية، إضافة إلى بناء شبكات مهنية لتعزيز العلاقات المهنية داخل الوسط الإعلامي لفتح آفاق وفرص أوسع.

ودعت إلى ضرورة الاحتفاء بنجاحات الصحفيات التونسيات وتسليط الضوء على قدرتهن على صناعة التغيير، بدلاً من ذكرهن فقط في المناسبات "نحتاج إلى الكثير من الصبر والنفس لتغيير هذه العقلية، لكن التغيير آتٍ لا محالة".

 

"لماذا لا نجد صحفيات في مواقع القرار؟"

وبدورها أكدت الباحثة في علم الاجتماع والناشطة النسوية نجاة عرعاري، أن هناك جملة من العوامل المتداخلة التي تمنع النساء، ولا سيما الصحفيات من النفاذ إلى مواقع أخذ القرار داخل المؤسسات الإعلامية وفي الشأن العام بصفة عامة، موضحةً أن أولى هذه العوائق هي عوامل ثقافية واجتماعية "بطريركية" (أبوية)، حيث لا تزال العقلية الذكورية السائدة تعتبر أن مواقع صنع القرار هي حكر على الرجال بامتياز.

ولفتت إلى أن الذهنيات السائدة داخل المؤسسات الإعلامية تنعكس أيضاً على طبيعة المواضيع التي تُكلَّف بها الصحفيات، إذ يُنظر إلى قضايا الشأن العام، السياسية والاقتصادية منها، باعتبارها مجالاً "ذكورياً"، وهو ما يضع الصحفيات في مواجهة مستمرة مع هذه التصورات، سواءً داخل غرف الأخبار أو حتى في الفضاء العام.

وفي السياق نفسه، كشفت عن وجود ما وصفته بـ "السَّنْسَرة" في اختيار المواضيع وتوزيع الأدوار المهنية، مشيرةً إلى أن هذا التوجيه يؤثر بشكل مباشر في فرص الصحفيات ومساراتهن المهنية.

 

غياب التدابير الهيكلية والتحرش المهني

وانتقدت نجاة عرعاري غياب التدابير الإيجابية الهيكلية التي تضمن تكافؤ الفرص، مؤكدةً أن الصحفية تواجه صعوبات إضافية تتعلق بالقدرة على التنقل وتغطية الأحداث في مناطق النزاع أو الصراع، حيث يتم التعامل معها بمنطق "الحماية" الذي يقيد تطورها المهني.

كما كشفت عن جانب مظلم يواجه الصحفيات، وهو التعرض لـ الهرسلة (المضايقات) والعنف والتحرش، وهو ما لا يقتصر أثره على الجانب النفسي والمهني فحسب، بل يمتد ليشمل عائلاتهن، مما يؤدي في النهاية إلى إعاقة التدرج المهني للصحفيات وحرمانهن من الامتيازات التي تمكنهن من النفاذ لمواقع القرار.

وشددت على أن القضية ليست مجرد كفاءة مهنية، بل هي معركة مع هيكلية تنظيمية لا تزال ترى في "الصحفي الرجل" المعيار الأساسي، مما يستوجب إعادة النظر في التنظيم الداخلي للمؤسسات الإعلامية وتبني سياسات جندرية منصفة.

 

"الوجود ليس بالشكل المطلوب"

من جانبها، قالت الصحفية ومنسقة شبكة "هن" في ليبيا ومراسلة وكالتنا منى توكا، إن الصحافيات في ليبيا يعانين من أجل الوصول إلى مراكز القرار نتيجة العقلية المجتمعية المحافظة والادعاء أن النساء لا يستطعن القيادة وغير مؤهلات، لافتةً إلى أن بعض الصحف تتراسها نساء ولكن يظل التمركز والوجود ليس بالشكل المطلوب، مؤكدةً أنه لا يوجد مناخ حريات واسع لممارسة للعمل الصحفي خاصة للنساء حتى من جانب تناول المواضيع، إضافة إلى استغلال النساء احيانا كصورة فقط للتزيين.

وتحدثت عن دور وكالتنا "وكالة أنباء المرأة" التي أتاحت وفق قولها الفرصة للصحافيات الليبيات للعمل الصحفي الحر الذي يعالج قضايا النساء حسب سياق ليبيا "الوكالة تعمل وفق سياق كل دولة، وهذا جيد، خاصةً أن الوكالات أو الصحف الأجنبية عادة ما توظف الصحافيات لخدمة أجندات وسرديات معينة".