تحديات الدمج المدرسـي والاحتضان المجتمعي لأطفال التوحد

تواجه عائلات أطفال ذوي التوحد والاحتياجات الخاصة بالسليمانية أعباءً ثقيلة؛ جراء نقص المراكز والكوادر المتخصصة، وغياب التقبل المجتمعي، وسط مطالبات بآليات دمج تعليمي متطورة، ودعم مالي حكومي يضمن حقوقهم الأساسية في العيش والتعلم.

ديرين رحيم

السليمانية ـ يرتبط مستقبل الأطفال ذوي التوحد بجودة التربية الخاصة والخدمات التعليمية المقدمة لهم لتنمية قدراتهم واستقلاليتهم. إلا أن قلة المراكز المتخصصة، ونقص الكوادر المدربة، والعقبات الاجتماعية تضعف نيل حقوقهم التعليمية، مما يترك العائلات تواجه هذه المسؤولية الثقيلة بمفردها، ويهدد بضياع مستقبلهم رغم حقهم الثابت في التعلم والنمو.

تعد التربية الخاصة واحدة من أهم الخطوات لبناء مستقبل مناسب للأطفال ذوي التوحد؛ لأن لكل طفل قدراته، احتياجاته، وأسلوب تعلمه الخاص، ويحتاج إلى بيئة تعليمية ملائمة ليتمكن من تطوير مهاراته والتقدم في مراحل الحياة المختلفة. إن وجود معلمين متخصصين، برامج تعليمية مناسبة، والتعاون المستمر بين الأسرة والمدرسة، يمكن أن يلعب دوراً هاماً في تعزيز قدرات هؤلاء الأطفال. ومع ذلك، فإن نقص المراكز التعليمية الخاصة، غياب الكوادر المدربة، عدم تفهم المجتمع، والعبء المالي الواقع على كاهل العائلات، لا تزال من التحديات التي تواجه العديد من الأطفال ذوي التوحد وأسرهم.

لذلك، يجب على المؤسسات التعليمية والجهات المعنية إيلاء أهمية أكبر لتوفير الخدمات الخاصة، وإتاحة فرص التعلم والنمو لجميع هؤلاء الأطفال دون تمييز. فالأطفال ذوو التوحد يحتاجون إلى الفرص، التفاهم، والدعم، وليس إلى تقييد أحلامهم وقدراتهم. ولا ينبغي النظر إلى التربية الخاصة كمجرد خدمة ثانوية، بل يجب اعتبارها حقاً أساسياً وخطوة حاسمة لمستقبل هؤلاء الأطفال؛ لأن مستقبلهم يعتمد إلى حد كبير على الفرص التي تُتاح لهم اليوم للتعلم، الاستقلالية، والمشاركة في المجتمع.

 

"لكل طفل الحق في التعليم"

أوضحت ميديا عمر، المشرفة المتخصصة في التربية الخاصة، أن لكل طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاج إلى نظام مختلف ولا يمكن تعليمه كطفل عادي. أحياناً، وعلى الرغم من أن الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أن نسبة ذكائه تكون أعلى من الطفل العادي، لذا يجب أن يُعلم بشكل مختلف.

وأضافت إن التربية الخاصة تعني أن هذا الطفل لا يتعلم وفقاً لنظام المدرسة التقليدي، أو أنه يتعلم بشكل أفضل بمعنى أنه ذكي ومستوى ذكائه مرتفع جداً ويجب تزويده بمعلومات أكثر لكي لا يتأخر عقلياً، أو أنه يحتاج إلى توضيح وأسباب أكثر؛ وهذا ما يسمى بالتربية الخاصة، أي نظام مغاير لنظام المدرسة العام.

تقوم آلية دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في مدارس إقليم جنوب كردستان على تطوير النظام التربوي وتكييف البيئة المدرسية وثقافة الطلاب لتناسب الجميع. ويتطلب هذا التحول تهيئة البنية التحتية عبر توفير المنحدرات لمستخدمي الكراسي المتحركة، وتخصيص غرف مستقلة لاستيعاب أطفال فرط الحركة أثناء النوبات قبل إعادة دمجهم في الصفوف. وإلى جانب التجهيزات المادية، يركز النظام على توعية وتدريب الأطفال العاديين عبر برنامج "طفل لطفل" لترسيخ تقبل الاختلاف، وضمان تمتع جميع الأطفال بفرص متساوية وحقوق كاملة في التعليم، واللعب، والحياة الصحيّة.

 

"نقص وعي المجتمع هو العقبة الأكبر"

وتؤكد ميديا عمر أن نقص الوعي المجتمعي هو العقبة الأكبر أمام أطفال الاحتياجات الخاصة وعائلاتهم، مما يتطلب تغييراً شاملاً في العقلية العامة لتقبل الاختلاف دون إلقاء اللوم على الوالدين، مشددة على ضرورة رفع مستوى الوعي لدى الجميع وتفهم المعاناة، مع تفعيل دور وسائل الإعلام في توجيه المجتمع نحو احترام حقوق هؤلاء الأطفال في التعليم، والحياة، والتواجد في الأماكن العامة كأعضاء فاعلين ومقبولين كما هم.

وتطالب ميديا عمر الحكومة بزيادة رواتب أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من 150 ألفاً إلى 400 ألف كحد أدنى، نظراً لارتفاع تكاليف مستلزماتهم الأساسية، موضحة أن هذه المبالغ ضرورية لتأمين الأغذية المخصصة، والحفاضات، والكريمات الطبية، بالإضافة إلى صيانة وشراء الأجهزة التعويضية المكلفة كالكراسي المتحركة، السماعات الطبية، العكازات، وهي مسؤولية واجبة على الدولة لتخفيف الأعباء عن كاهل العائلات.

يتطلب دعم ذوي الاحتياجات الخاصة تكاملاً مجتمعياً وحكومياً من خلال تقديم العون المتبادل للأسر، وتركيز المسؤولين على دعم وتوسيع المؤسسات الحكومية بدلاً من الترويج للمؤسسات الخاصة. كما تبرز الحاجة الملحة لتعيين خريجي التربية الخاصة كمحاضرين لمواجهة التزايد المستمر في أعداد الأطفال، مع ضرورة تفعيل مشاركتهم في الأنشطة العامة لتعويض ضعف انخراطهم الحالي الناتج عن الاختلاف.

تختتم ميديا عمر بالإشارة إلى أن غياب التقبل الاجتماعي يدفع عائلات ذوي الاحتياجات الخاصة إلى الانعزال التام، نتيجة لعدم استقرار الحالة النفسية للطفل وتصرفاته العفوية كالصراخ أو الهيجان، مؤكدة أن هذا الانعزال يتفاقم بسبب ابتعاد الأقارب والأنسباء وتوقفهم عن زيارة الأسرة، مما يستدعي رفع مستوى الوعي الجمعي لتقبل هذه العائلات واحتضانها، بدلاً من مقابلتها بالسخرية أو النفور.