سري كانيه في ذاكرة المرأة... رواية الحرب والتهجير والمقاومة

تقدّم جمرة علي، من مدينة رأس العين/سري كانيه المحتلة، شهادة مؤثرة عن صمودها في وجه هجمات داعش والاحتلال التركي، مؤكدةً مواصلتها العمل المجتمعي، والنضال حتى تحقيق السلام والحرية.

سارة أفران ـ آسي عفرين

الحسكة ـ شكّلت مدينة رأس العين/سري كانيه، شأنها شأن مناطق إقليم شمال وشرق سوريا كافة، ركناً أساسياً في انطلاقة ثورة 19 تموز/يوليو 2012، من خلال مقاومتها المستمرة للأنظمة القمعية، ورغم وقوعها اليوم تحت الاحتلال، ما زال أبناؤها يرفعون اسمها عالياً، ويجسدون أسمى معاني الصمود والشجاعة، لتغدو رمزاً للثبات والإرادة.

من بين النساء اللواتي عشن حقيقة هجمات داعش والاحتلال التركي، تبرز جمرة علي، التي فقدت أحد أبنائها في معركة الحرية، لكنها ما زالت متمسكة بأمل تحقيق سلام عادل ينهي المآسي.

تروي جمرة علي جانباً من حياتها قائلة "وُلدت في سري كانيه وترعرعت في أحيائها. كنتُ الفتاة الوحيدة بين ستة أشقاء، ولذلك تحملتُ الجزء الأكبر من مسؤوليات المنزل، في ذلك الوقت لم تكن الفتيات يذهبن إلى المدرسة، فحرمتُ من التعليم، وكل ما تعلمته كان على يد والدتي التي كانت معلمي الأول وطريقي إلى المعرفة".

وتضيف "تزوجت في السادسة عشرة وانتقلت إلى ناحية تل حلف القريبة من قريتنا، وهناك بدأت فصلاً جديداً من حياتي، تحملتُ مسؤولية تربية أبنائي والاعتناء بهم، وكنت أقوم بكل ما تتطلبه الحياة الريفية من أعمال؛ من رعاية الأطفال إلى إعداد الخبز وشؤون المنزل".

وتحدثت جمرة علي عن بدايات الهجمات على مدينتها "بعد أقل من عام على انطلاقة ثورة روج آفا، بدأ ما يسمى بالجيش الحر بشن هجمات مباغتة على المدينة، ترافقها أخبار كاذبة لبث الخوف بين الناس، مدّعين أنهم جاؤوا لتحريرنا وأن المنطقة باتت تحت سيطرتهم".

وتابعت "ثم بدأت جبهة النصرة هجماتها بالأسلحة الثقيلة، ولم يكن أمامنا سوى الهروب إلى الريف، وعندما كان الهدوء يعود لبضعة أيام، كنا نعود إلى منازلنا، هكذا استمرت المعارك بلا توقف".

وأوضحت "كانت الثورة في بداياتها، وعدد مقاتلينا قليل، ووحدات حماية الشعب ما تزال في طور التشكّل، ومع مرور الوقت، انضم الكثير من الشباب والنساء والرجال إلى صفوفها، وبدأت الثورة تترسخ بقوة، استمرت المعارك 14 يوماً لم أذق خلالها طعم النوم، كانت الأيام تبدو بلا نهاية".

وتستذكر جمرة علي لحظات الصمود "كنا ننتظر الذخيرة بفارغ الصبر، فالمقاتلون كانوا بحاجة ماسّة إليها. وعندما وصلت أخيراً، قلنا: إن لم تصل اليوم، ستسقط سري كانيه بيد الجماعات المسلحة، وفي تلك الليلة، تصدى المقاتلون للهجمات، فهربت الجماعات المسلحة".

وأضافت "لأن الذخيرة لم تكن كافية، كنا نملأ أكياساً بالذرة من الدكاكين ونرسلها للمقاتلين، فيرمونها على المسلحين الذين كانوا يظنونها قنابل، فيتراجعون مذعورين".

وعن المعارك التي وقعت في منطقة المشرافة التابعة لسري كانيه، روت "اندلعت معارك جديدة استمرت 14 يوماً في وضح النهار في المشرافة، عشنا تلك الأيام بكل تفاصيلها؛ نُعدّ الطعام ولا نستطيع تناوله، لا كهرباء ولا أي وسيلة تساعدنا على الحياة. كنا نطهو البرغل ونعد الخبز لأطفالنا على نار صناديق الكرتون، بينما الرصاص يتساقط حولنا ويرتطم بجدران المنازل".

وتنتقل للحديث عن النزوح "كانت المعارك تشتعل في أماكن مختلفة، والجماعات المسلحة مصرة على عدم التراجع. في تلك الفترة كان ابني فاروق قد انضم إلى وحدات حماية الشعب، جبهة النصرة كانت تهددنا يومياً بقتل النساء، وهذا زاد خوفي ودفعني للنزوح إلى شمال كردستان، لكن قلبي بقي مع ابني، فعُدت إلى سري كانيه عام 2014".

وتتابع "في مطلع 2014 انضم ابني إلى قوات الأمن الداخلي. وبعد أيام قال لي: أمي، الرفاق جاءوا وسأنضم إليهم. قلت له: اذهب يا بني، فسألني بدهشة: أحقاً تقولين ذلك؟ فأجبته بثبات: نعم، اذهب، لكن إن جاء يوم وتخليت فيه عن سلاحك، فأنا سأحمله".

وتروي لحظة استشهاده "في 24 نيسان 2014 كنت أعمل في الحقول حين وصلته معلومات عن سيارة مفخخة متجهة نحو أحد الحواجز، خرج مسرعاً، وعندما اقتربت السيارة، صرخ السائق ليتوقف لكنه لم يستجب، فركض خلفه مع رفاقه، وفي تلك اللحظة وقع الانفجار".

وأضافت "عندما سمعت صوت الانفجار، هرعت إلى الحاجز، كان زوجي قد وصل قبلي، وعندما سألته عن فاروق لم ينطق بكلمة، ومن صمته فهمت الحقيقة، فهمت أن ابني استشهد".

وتحدثت جمرة علي عن مسيرتها بعد الفقد "بعد استشهاد ابني، شعرت بأن عليّ أن أقوم بعملٍ يليق بتضحيات الشهداء، فانضممت إلى مجلس عوائل الشهداء. رغم مرضي، كنت أشعر بقوة كبيرة عندما ألتقي بأمهات الشهداء، رأيت نفسي أماً لكل الشهداء، واستمررت في عملي حتى نزوحنا عام 2019".

وعن مرحلة ما بعد الاحتلال التركي "بعد هجوم 2019 نزحنا إلى تل تمر، وقلنا إننا سنعود بعد أيام إلى سري كانيه، لكن الحرب كانت أعنف من أن تسمح بذلك، انتقلنا بعدها إلى الحسكة، وهناك واصلت عملي في مجلس عوائل الشهداء. وبسبب مسؤوليتي تجاه أبناء ابني الشهيد، بدأت العمل في مؤسسة عسكرية، كما شاركت في كومين الحي، وفي حزب الاتحاد الديمقراطي، وفي مؤتمر ستار، هكذا واصلت حياتي بعد النزوح، محاوِلةً أن أبقى قوية وأؤدي دوري أينما كنت".

وفي ختام حديثها، تجدد جمرة علي عهدها "من أجل الشهداء ومن أجل القائد أوجلان، سأقدم كل ما يُطلب مني دون تردد، أوجه تحياتي واحترامي لكل عائلات الشهداء، وأحمل أملاً دائماً ببناء سلام دائم، وأطالب بالحرية الجسدية للقائد أوجلان".